رغم التقدم الذي حققته النساء في التعليم والتأهيل، لا تزال مشاركتهن في النشاط الاقتصادي بالمغرب محدودة، في مفارقة تعكس صعوبة تحويل المكاسب المحققة في بناء الرأسمال البشري النسوي إلى فرص شغل فعلية ومستقرة.
فمعدل نشاط النساء لم يتجاوز 19% سنة 2025، مقابل 68,5% لدى الرجال، بينما بلغ معدل البطالة في صفوف النساء 20,5%، مقابل 10,8% لدى الرجال، وفق معطيات تقرير الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027.
ولا تقف الاختلالات -حسب التقرير- عند حدود المشاركة في سوق الشغل، بل تمتد إلى طبيعة الوظائف المتاحة، ومستويات الأجور، والتغطية الصحية، والقدرة على إنشاء المقاولات وتطويرها، فضلا عن العوائق المرتبطة برعاية الأطفال، والتنقل، والظروف الأسرية، والممارسات الاجتماعية والمهنية. وتكشف هذه المؤشرات عن فجوة بين المؤهلات التي راكمتها النساء وبين قدرتهن على الاندماج في النشاط الاقتصادي والاستمرار فيه.
مكاسب تعليمية لا تقابلها مشاركة اقتصادية مماثلة
يسجل التقرير تقدما ملحوظا في تمدرس الفتيات خلال العقود الأخيرة، مدعوما بالإصلاحات المتعاقبة لمنظومة التربية والتكوين، ولا سيما تنزيل خارطة الطريق 2022-2026 لإصلاح منظومة التربية الوطنية. وقد ساهمت هذه التحولات في تقليص الفوارق بين الجنسين في مختلف الأسلاك التعليمية، حتى باتت نسبة الإناث من مجموع المتمدرسين تقارب 48% في التعليم الأولي والابتدائي.
وتتجاوز نسبة الإناث 50% في التعليم الثانوي التأهيلي، لتصل إلى 56,1% في التعليم العالي خلال الموسم الدراسي 2024-2025، مقابل 51,6% خلال الموسم الدراسي 2020-2021، وفق الأرقام التي يوردها التقرير، استنادا إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط وإعداد مديرية الدراسات والتوقعات المالية.
غير أن هذا التقدم في التعليم لم يواكبه تحسن مماثل في المشاركة الاقتصادية للنساء. ويبرز التقرير أن الفجوة بين المكاسب المحققة في تنمية الرأسمال البشري النسوي ومستوى تثمينه في سوق الشغل لا تزال واسعة، إذ لم تتحول المؤهلات التعليمية المتزايدة إلى فرص عمل تتناسب مع حجم الكفاءات المتاحة.
وتظهر معطيات التقرير أن معدل نشاط النساء تراجع من 30,4% سنة 1999 إلى 19% سنة 2025، بانخفاض قدره 11,4 نقطة مئوية، وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط. وفي الفترة نفسها، انتقل معدل نشاط الرجال من 79,3% إلى 68,5%، ليظل الفارق بين الجنسين قريبا من 50 نقطة مئوية.
ويشير التقرير إلى أن ضعف المشاركة الاقتصادية لا يقتصر على النساء ذوات المستويات التعليمية المحدودة، بل يشمل أيضا الحاصلات على شهادات عليا. فقد بلغ معدل نشاط هذه الفئة 45,4% سنة 2025، مقابل 60,9% سنة 2000، فيما انخفض معدل النشاط لدى النساء غير الحاصلات على شهادات من 26,8% إلى 14,4%، ولدى الحاصلات على شهادات متوسطة من 23,1% إلى 12,8% خلال الفترة نفسها.
وتظل الشهادة العليا عاملا يرفع احتمال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، إلا أن التقرير يسجل أن هذا العامل لم يمنع تراجع معدلات النشاط حتى لدى الفئات الأكثر تأهيلا. وفي المقابل، يظل معدل نشاط الرجال مرتفعا نسبيا بمختلف مستوياتهم التعليمية.
تراجع نشاط النساء في العالم القروي
يكشف توزيع معدلات النشاط حسب وسط الإقامة عن تفاوت واضح بين النساء في المجالين الحضري والقروي. فبحسب التقرير، انخفض معدل نشاط النساء القرويات من 36,9% سنة 2014 إلى 18,2% سنة 2025، أي بتراجع قدره 18,7 نقطة مئوية.
وفي المقابل، ارتفع معدل نشاط النساء الحضريات بشكل طفيف، منتقلا من 17,8% إلى 19,4% خلال الفترة نفسها. ويعزو التقرير التراجع العام في معدل نشاط النساء على المستوى الوطني أساسا إلى الانخفاض الحاد المسجل في الوسط القروي.
ويمتد التفاوت إلى الفئات العمرية، إذ انخفض معدل نشاط النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 سنة من 25,8% سنة 2000 إلى 11,8% سنة 2025، بينما تراجع معدل نشاط الرجال في الفئة نفسها من 65,7% إلى 32,6%.
أما لدى الفئة العمرية بين 25 و34 سنة، فقد انخفض معدل نشاط النساء من 34,4% إلى 31,3% خلال الفترة ذاتها، مقابل تراجع معدل نشاط الرجال من 94,2% إلى 91,3%. ويزداد الفارق بين الجنسين لدى الفئة العمرية من 35 إلى 44 سنة، إذ بلغ معدل نشاط النساء 23% سنة 2025، مقابل 94,3% لدى الرجال، بفارق يصل إلى 70,5 نقطة مئوية.
وبالنسبة إلى النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 45 و59 سنة، تراجع معدل النشاط من 28% سنة 2000 إلى 21,2% سنة 2025، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
مسؤوليات الرعاية والتحولات الديموغرافية تضغط على مشاركة النساء
يرصد التقرير ارتباطا بين التركيبة الأسرية ومشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، من خلال تحليل معدلات النشاط حسب عدد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة داخل الأسرة خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024.
وتظهر المعطيات أن أعلى معدلات النشاط تسجل لدى النساء المنتميات إلى أسر لا تضم أطفالا، قبل أن تنخفض إلى أدنى مستوياتها لدى الأسر التي تضم طفلين، ثم تعاود الارتفاع ابتداء من ثلاثة أطفال. ويبرز هذا المنحى، بحسب التقرير، أن أثر المسؤوليات الأسرية في مشاركة النساء ليس منفصلا عن باقي العوامل الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بهن.
ويضيف التقرير أن التحول الديموغرافي الذي يعرفه المغرب، ولا سيما ارتفاع نسبة كبار السن وتقلص حجم الأسرة، قد يزيد من الضغط المرتبط بأعمال الرعاية غير المؤدى عنها، التي تتحمل النساء الجزء الأكبر منها.
فقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق من 9,4% سنة 2014 إلى 13,6% سنة 2024، ويتوقع أن تصل إلى 25,2% بحلول سنة 2060. كما تراجع متوسط حجم الأسرة إلى 3,9 أفراد سنة 2024، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وفي الاتجاه نفسه، يرتفع معدل إعالة كبار السن من 13,1% سنة 2004 إلى 22,6% سنة 2024، مع توقع بلوغه 36% سنة 2040 و43,8% سنة 2060. ويشير التقرير إلى أن هذه التحولات، إلى جانب تزايد الأسر النووية، من شأنها أن تزيد من احتياجات الرعاية داخل الأسر، بما قد ينعكس على قدرة النساء على الولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه.
النساء أكثر عرضة للبطالة رغم ضعف مشاركتهن في سوق الشغل
تواجه النساء صعوبات لا تقتصر على محدودية المشاركة الاقتصادية، بل تشمل أيضا ارتفاع احتمال التعرض للبطالة عند الولوج إلى سوق الشغل. ويورد التقرير أن معدل البطالة في صفوف النساء ارتفع من 12,8% سنة 2000 إلى 20,5% سنة 2025، بينما تراجع لدى الرجال من 13,6% إلى 10,8% خلال الفترة نفسها.
وتبدو هذه الصعوبات أكثر حدة في الوسط الحضري، حيث بلغ معدل البطالة لدى النساء 26% سنة 2025، مقابل 26,7% سنة 2000. أما في الوسط القروي، فقد ارتفع معدل البطالة لدى النساء من 1,7% إلى 8,1% خلال الفترة ذاتها.
ويظهر التقرير أن مستوى التعليم لا يحمي النساء بالضرورة من البطالة، بل إن الحاصلات على شهادات عليا يواجهن معدلات أعلى من نظائرهن من الرجال. فقد بلغ معدل البطالة لدى النساء الحاصلات على شهادات عليا نحو 34% سنة 2025، مقابل 19,7% لدى الرجال من المستوى التعليمي نفسه، بفارق 14,3 نقطة مئوية.
وبلغ معدل البطالة لدى النساء الحاصلات على شهادات متوسطة 25%، مقابل 13,5% لدى الرجال، في حين سجلت النساء غير الحاصلات على شهادات معدل بطالة بلغ 4,8%، مقابل 4,6% لدى الرجال.
وتبرز هذه الأرقام، وفق التقرير، أن الصعوبات التي تواجه النساء في سوق الشغل لا ترتبط فقط بمستوى التأهيل، وإنما تشمل أيضا محدودية فرص العمل المتاحة وشروط الولوج إليها، فضلا عن عوامل أخرى تؤثر في استقرار المسار المهني.
نحو 2,94 مليون شاب خارج العمل والتعليم والتكوين
تمتد صعوبات الإدماج الاقتصادي إلى فئة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، المعروفة اختصارا بفئة “NEET”، التي تسجل حضورا أكبر للنساء.
وبحسب التقرير، بلغ عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة وينتمون إلى هذه الفئة نحو 2,94 مليون شخص سنة 2023، أي ما يعادل 33,6% من مجموع الشباب في هذه الفئة العمرية، استنادا إلى دراسة أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط بشراكة مع منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي.
وتشكل النساء نحو 72% من مجموع الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، كما أن احتمال وجودهن ضمن هذه الفئة يقارب ثلاثة أضعاف الاحتمال المسجل لدى الرجال، وفق المعطيات التي يستعرضها التقرير.
وتظهر البيانات التي يتضمنها التقرير أن نسبة الشابات المنتميات إلى هذه الفئة بلغت 55% سنة 2017، قبل أن تتراجع إلى 50% سنة 2022 و49% سنة 2023. وفي المقابل، ارتفعت النسبة لدى الشبان من 15% سنة 2017 إلى 19% سنة 2023.
وتشكل هذه الفئة 70% من الأشخاص غير النشيطين، فيما تمثل ربات البيوت 85% من هؤلاء الشباب غير النشيطين، و59,5% من مجموع الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب.
ويربط التقرير هذه الوضعية، ضمن عوامل أخرى، بالزواج ووجود أطفال صغار، اللذين يعدان من أبرز المحددات التي تعيق النشاط الاقتصادي لدى الشابات. كما ترتفع احتمالات الانتماء إلى هذه الفئة بعد سن 24 عاما، من 25,6% لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة إلى 50,2% لدى الفئة بين 25 و29 سنة.
ويورد التقرير أن 61,3% من ربات البيوت غير النشيطات تتراوح أعمارهن بين 25 و29 سنة، فيما لم يتجاوز المستوى التعليمي لـ58,2% منهن المرحلة الابتدائية، وبلغت نسبة اللواتي وصلن إلى المستوى الثانوي 39,8%، مقابل 2% فقط يتوفرن على مستوى تعليمي عال.
تراجع التشغيل وتحول في توزيع النساء بين القطاعات
إلى جانب ارتفاع البطالة، يسجل التقرير تراجعا في معدل تشغيل النساء خلال العقود الأخيرة، إذ انتقل من 24,5% سنة 2000 إلى 15,1% سنة 2025، مقابل انخفاض معدل تشغيل الرجال من 68,2% إلى 61,1% خلال الفترة نفسها.
وعلى مستوى توزيع النساء المشتغلات بين القطاعات، عرف سوق الشغل تحولا واضحا، إذ أصبح قطاع الخدمات أول مشغل للنساء، بعدما ارتفعت حصته من مجموع تشغيلهن من 20,5% سنة 2000 إلى 51% سنة 2025.
وفي المقابل، تراجعت حصة الفلاحة والغابات والصيد البحري من 62,1% إلى 32,1%، كما انخفضت حصة الصناعة، بما فيها الصناعة التقليدية، من 17,4% إلى 16%، وفق المعطيات التي يوردها التقرير.
ويعكس هذا التحول تغيرا في البنية القطاعية لتشغيل النساء، لكنه لا يلغي التحديات المرتبطة بجودة فرص العمل واستقرارها والحماية التي توفرها للعاملات، وهي جوانب يخصص لها التقرير حيزا ضمن تشخيصه لظروف الإدماج الاقتصادي.
النساء في القطاع غير المنظم ووظائف أقل استقرارا
يسجل التقرير أن إدماج النساء في سوق الشغل يتسم، في حالات عديدة، بهشاشة أكبر من حيث الاستقرار والأجر والحماية الاجتماعية. ويطرح هذا الوضع تحديا يتجاوز مجرد رفع عدد النساء المشتغلات إلى تحسين طبيعة الوظائف التي يشغلنها وشروط العمل المرتبطة بها.
وتشير المعطيات التي يستعرضها التقرير إلى أن النساء يواجهن صعوبات في الولوج إلى فرص الشغل ذات الجودة، كما أن جزءا من نشاطهن الاقتصادي يتم في ظروف لا تضمن لهن الحماية الكافية. وتؤثر هذه الوضعية في مستوى الاستقلال الاقتصادي للنساء وفي قدرتهن على الاستمرار في العمل وتطوير مساراتهن المهنية.
وفي هذا السياق، يبرز التقرير أهمية العوامل المرتبطة ببنية الطلب على اليد العاملة، وتكاليف الولوج إلى العمل، ومدى توافر خدمات رعاية الأطفال، وإمكانات التنقل والأمن، فضلا عن فرص الوصول إلى الأصول والتمويل. كما يلفت إلى دور المعايير الاجتماعية في التأثير على اختيارات الأسر وممارسات المشغلين.
فجوة الأجور والتغطية الصحية
تظهر المعطيات التي يتضمنها التقرير استمرار الفوارق بين النساء والرجال في الأجور، سواء من حيث متوسط الأجر المصرح به أو توزيع الأجراء حسب مستويات الدخل.
وبحسب بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لسنة 2025 الواردة في التقرير، تمثل النساء 32% من مجموع الأجراء المصرح بهم في القطاع الخاص. ويبلغ متوسط الأجر المصرح به لدى الرجال 6.276 درهما، مقابل 5.885 درهما لدى النساء، بفارق قدره 6,6%.
كما يتقاضى 52,2% من الأجيرات المصرح بهن أجرا شهريا متوسطا يتراوح بين 1.000 و3.266 درهما، مقابل 34,2% من الرجال، وهو ما يبرز تمركز نسبة مهمة من النساء في مستويات الأجر الأدنى.
ويشير التقرير، استنادا إلى الدراسة المتعلقة بالفوارق الأجرية، إلى أن الجزء غير المبرر من التفاوت بين أجور النساء والرجال، الذي يعزى إلى التمييز الأجري القائم على النوع الاجتماعي، يفسر نحو 91% من الفجوة الأجرية الإجمالية وفق المعطيات المعتمدة في الدراسة.
أما بخصوص التغطية الصحية، فيسجل التقرير تحسنا بين سنتي 2017 و2025، إذ تراجعت نسبة النساء النشيطات المشتغلات غير المستفيدات من التغطية الصحية من 77,8% إلى 59,7%. كما انخفضت نسبة النساء الأجيرات غير المشمولات بهذه التغطية من 48,4% إلى 35,7%.
ورغم هذا التحسن، لا تزال نسب عدم الاستفادة من التغطية الصحية مرتفعة، خصوصا في صفوف النساء النشيطات المشتغلات، بما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالحماية الاجتماعية وجودة الإدماج المهني.
المقاولات التي تديرها النساء لا تتجاوز 15,6%
لا يقتصر ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء على سوق الشغل المأجور، بل يمتد إلى ريادة الأعمال وإدارة المقاولات. ووفق التقرير، بلغ عدد المقاولات التي تسيرها نساء 60.363 مقاولة سنة 2024، من أصل 388.446 مقاولة، أي ما يعادل 15,6% من المجموع.
ويشير التقرير إلى أن هذه النسبة تظل محدودة مقارنة بعدد من البلدان والتجمعات الاقتصادية. وفي مؤشر مختلف يتعلق بالمقاولات التي تضم امرأة واحدة على الأقل ضمن مالكيها، تبلغ النسبة في المغرب 12,3%، مقابل 33,9% على المستوى العالمي و40,3% لدى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، و30,1% في إفريقيا جنوب الصحراء، و13,6% في العالم العربي، و18,6% في تونس، وفق البيانات التي ينقلها التقرير عن تقرير المرصد المغربي للمقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة.
ويبرز التوزيع القطاعي للمقاولات التي تديرها النساء حضورا لافتا في بعض الأنشطة، إذ تبلغ نسبة النساء في إدارة المقاولات العاملة في الخدمات الأخرى 45%، وفي الصحة البشرية والعمل الاجتماعي 43,1%، وفي التعليم 30,2%، بينما تصل إلى نحو 24% في الأنشطة المالية والعلمية والتقنية.
وفي المقابل، تنخفض هذه النسب إلى 17,4% في التجارة، و14,8% في الصناعة التحويلية، و9,8% في النقل والتخزين، و8,2% في البناء، و6,8% في الصناعات الاستخراجية.
ويسجل التقرير أن حضور النساء في إدارة المقاولات يكون أعلى نسبيا لدى المقاولات حديثة النشأة، إذ تدير النساء 17,8% من المقاولات التي يقل عمرها عن سنتين، و16,6% من المقاولات التي يتراوح عمرها بين سنتين وخمس سنوات، مقابل 12,7% من المقاولات التي يتجاوز عمرها عشر سنوات.
ولا يقتصر التحدي على إنشاء المقاولات، بل يشمل أيضا ضمان استمراريتها وتوسيع أنشطتها. وفي هذا الجانب، لا تتجاوز حصة المقاولات التي تقودها نساء 10,8% من إجمالي القروض، بحسب التقرير، الذي يبرز الحاجة إلى تحسين ولوج النساء المقاولات إلى التمويل والكفاءات والشبكات المهنية والأسواق.
عوائق اجتماعية ومهنية تتجاوز مستوى التأهيل
يخلص التقرير إلى أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي لا يمكن تفسيره بعامل منفرد، بل ينتج عن تداخل مجموعة من المحددات الفردية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية، رغم التقدم المسجل في التعليم والتكوين.
وتشير المعطيات التي يستعرضها التقرير إلى أن الحالة العائلية تؤثر في المشاركة الاقتصادية، إذ تفوق معدلات النشاط لدى النساء العازبات والمطلقات والأرامل نظيرتها لدى النساء المتزوجات. كما يؤثر حجم الأسرة وعدد الأطفال الذين تتكفل بهم المرأة في قرار الولوج إلى سوق الشغل.
ويلعب المستوى التعليمي بدوره دورا في فرص التشغيل، إذ يكون أثر التعليم الابتدائي محدودا، بينما يرتفع تأثير التعليم الثانوي التأهيلي والتعليم العالي في احتمال الاندماج المهني. كما تؤثر الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للزوج في قرار المرأة المشاركة في النشاط الاقتصادي، إذ يرتبط ارتفاع دخل الزوج ومستواه التعليمي بزيادة احتمال اشتغال النساء، خاصة الحاصلات على مؤهلات عالية. وفي المقابل، قد تزيد بطالة الزوج من احتمال دخول الزوجة إلى سوق الشغل لتعويض النقص في دخل الأسرة.
وتتصل هذه العوامل، بحسب التقرير، بمحددات أخرى تشمل مدى توافر فرص العمل، وملاءمة الأجور، وخدمات رعاية الأطفال، والنقل، والحماية القانونية، فضلا عن التصورات الاجتماعية بشأن عمل النساء.
وفي ما يتعلق بتصور النساء للعوائق التي تحد من مشاركتهن الاقتصادية، ينقل التقرير عن معطيات البارومتر العربي أن نقص فرص الشغل المتاحة يأتي في المقدمة بنسبة 17,9%، يليه غياب مرافق رعاية الأطفال بنسبة 14,5%، ثم ضعف الأجور بنسبة 13,6%، والأحكام المسبقة تجاه النساء عند التوظيف بنسبة 13,2%.
وتشمل العوائق الأخرى، وفق المعطيات نفسها، نقص الحماية القانونية بنسبة 10,3%، وضعف القبول الاجتماعي لعمل النساء بنسبة 8,9%، ونقص الكفاءات والتكوين المناسب بنسبة 7,7%، وضعف مرونة أوقات العمل بنسبة 7,1%، ونقص وسائل النقل بنسبة 6,9%.
تقييم البنك الدولي يرصد نقاطا تحتاج إلى تعزيز
يتضمن التقرير معطيات من تقييم البنك الدولي لسنة 2026 ضمن تقرير «المرأة والأعمال والقانون»، الذي يقيس الأطر القانونية والداعمة والتصورات المتعلقة بتطبيق القوانين المؤثرة في الفرص الاقتصادية للنساء.
وفي محور الأطر القانونية، حصل المغرب على 60,95 نقطة، مقابل متوسط عالمي يبلغ 66,97 نقطة، وهي نتيجة تقل عن المتوسط العالمي وتتجاوز المتوسط الإقليمي، مع استمرار الحاجة إلى تحسين جوانب مرتبطة برعاية الأطفال والولوج إلى الممتلكات.
أما في محور الأطر الداعمة، فقد سجل المغرب 49,38 نقطة، متجاوزا المتوسط العالمي البالغ 46,83 نقطة والمتوسط الإقليمي البالغ 36,25 نقطة. ومع ذلك، يبرز التقرير إمكانات تعزيز التدابير المرتبطة برعاية الأطفال والتنقل والأجور.
وفي محور التصورات بشأن تطبيق القوانين، بلغت نتيجة المغرب 52,34 نقطة، مقابل 53,31 نقطة عالميا و37,32 نقطة على المستوى الإقليمي. ويشير التقرير إلى أن رعاية الأطفال تظل من المجالات التي تحتاج إلى تقوية آليات التنفيذ، رغم النتائج المسجلة في بعض الجوانب الأخرى.
وتعكس هذه المؤشرات، بحسب التقرير، أن تعزيز مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي لا يتوقف عند وضع الأطر القانونية، بل يتطلب أيضا توفير الشروط العملية التي تتيح تطبيقها وتحويلها إلى فرص فعلية للولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه.
برامج حكومية لتقليص عوائق التشغيل
في مواجهة هذه التحديات، يستعرض التقرير عددا من التدابير العمومية الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء، ضمن مقاربة تشمل خلق فرص الشغل وتحسين ملاءمة الكفاءات مع حاجيات النسيج الإنتاجي وتذليل العوائق التي تحول دون ولوج النساء إلى العمل.
وتندرج المبادرة السادسة ضمن خارطة الطريق للتشغيل في هذا التوجه، إذ تستهدف تقليص العوائق التي تحد من وصول النساء إلى فرص الشغل، من خلال توسيع عرض دور الحضانة ومؤسسات التعليم الأولي، وتطوير حلول للنقل تستجيب لحاجيات النساء العاملات، إلى جانب توسيع شبكة الإنارة العمومية في المناطق شبه الحضرية.
وبحسب التقرير، ترتكز خارطة الطريق للتشغيل على تعزيز خلق فرص الشغل اللائق وتقوية الملاءمة بين الكفاءات المتوفرة وحاجيات النسيج الإنتاجي، مع اهتمام خاص بالشباب والنساء والأشخاص غير الحاصلين على شهادات.
ولضمان تتبع هذه المبادرة، أحدثت مديرية الدراسات والتوقعات المالية وحدة لتجميع المعطيات وتحليلها على المستويين الوطني والترابي، بهدف توفير قاعدة بيانات مصنفة حسب الجنس تساعد على تتبع التطورات وتقييم التدخلات.
كما أنجزت المديرية، سنة 2026، بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، دراسة حول إمكانات استخدام البيانات الضخمة في رصد الفوارق بين الجنسين في الولوج إلى سوق الشغل، من خلال ثلاثة تطبيقات تتعلق بتطوير مؤشر للعائد الرقمي للنوع الاجتماعي، وإعداد خريطة لمنظومة رعاية الأطفال، ووضع خريطة للمناطق المعزولة.
وأظهر تحليل منظومة رعاية الأطفال وجود أحياء تجمع بين كثافة مرتفعة للأطفال وتغطية محدودة بمرافق الرعاية، فيما أبرز تطبيق العزلة المجالية تأثير البعد الترابي في مستويات الفقر، دون أن يكون العامل الوحيد المحدد لها، وفق ما يورده التقرير.
مبادرة للإدماج الاقتصادي للنساء بأربعة محاور
يستعرض التقرير أيضا مسار مبادرة الإدماج الاقتصادي للنساء، التي أطلقتها وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، بشراكة مع البنك الدولي، منذ يوليوز 2023، بهدف بلورة خارطة طريق لتعزيز مشاركة النساء المغربيات في النشاط الاقتصادي.
وأفضت المشاورات إلى إعداد مبادرة «الإدماج الاقتصادي للنساء باعتباره رافعة للنمو والإنصاف»، التي تقوم على أربعة محاور ذات أولوية تشمل الإدماج المالي والولوج إلى الموارد، وظروف العمل، والتنقل والنقل، ورعاية الأطفال ودور الحضانة.
ويستهدف المحور الأول تسريع الإدماج الرقمي باعتباره رافعة للشمول المالي، وتوفير حلول للمواكبة والدعم التقني والمالي، بما يحسن ولوج النساء إلى الخدمات المالية الرقمية ويعزز قدرة المقاولات التي تقودها النساء على الحصول على التمويل.
أما محور ظروف العمل، فيركز على تطوير وتعميم ترتيبات تسمح بتعديل ساعات العمل ومكانه بما يلائم احتياجات العاملات والعاملين، إلى جانب رفع قابلية تشغيل النساء ودعم استمرارهن في وظائفهن، خصوصا في القطاع الخاص.
ويهدف محور التنقل والنقل إلى تحسين الولوج إلى وسائل النقل وجودتها ومستوى الأمن بها في الوسطين الحضري والقروي، مع مراعاة احتياجات النساء في تخطيط النقل العمومي وتدبيره، وتعزيز شعورهن بالأمان أثناء استعماله.
ويهم المحور الرابع توسيع عرض خدمات رعاية الأطفال ودور الحضانة، من خلال إعداد خارطة طريق لتطوير هذه الخدمات وفق صيغ متنوعة، ووضع آليات لتنفيذها، فضلا عن تطوير مشاريع تجريبية تشمل نماذج مختلفة لمرافق الحضانة والرعاية.
وفي إطار مأسسة هذه الجهود، أحدثت وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، في يونيو 2026، وحدة للإدماج الاقتصادي للنساء، تتولى مديرية الدراسات والتوقعات المالية مهام كتابتها، بهدف ضمان الترسيخ المؤسساتي للمبادرة وتتبع تنزيلها.
استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية في أفق 2035
يربط التقرير بين تحسين المشاركة الاقتصادية للنساء وتطوير خدمات الرعاية، بالنظر إلى تأثير المسؤوليات الأسرية في فرص الولوج إلى العمل والاستمرار فيه. وفي هذا الإطار، يستعرض الاستراتيجية الوطنية للنهوض باقتصاد الرعاية في أفق 2035، التي أعدتها وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة بدعم من منظمة العمل الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وقدمت في يوليوز 2026.
وتعتمد الاستراتيجية مقاربة متكاملة تشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين صفر وثلاث سنوات، والأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة ويفتقدون الاستقلالية، والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب أفراد الأسر الذين يقدمون الرعاية والعاملات والعاملين في مهن الرعاية.
وتقوم الاستراتيجية على خمسة محاور، تتمثل في تطوير وتنويع عرض خدمات الرعاية وتعزيز العدالة المجالية، وهيكلة مهن الرعاية وإدماجها في القطاع المنظم وتعزيز جاذبيتها، وضمان استدامة التمويل ودعم الطلب، وتطوير المعايير الاجتماعية بما يدعم تقاسما أكثر توازنا للمسؤوليات، ثم هيكلة الحكامة والآليات التنظيمية.
ووفق التقرير، يرتكز تنزيل هذه الاستراتيجية على 21 توجها تتفرع إلى 103 مشاريع إجرائية، في مسعى إلى تطوير منظومة الرعاية وتحسين شروطها وتوزيع مسؤولياتها، بما يتيح تقليص الأعباء غير المؤدى عنها التي تتحملها النساء ويدعم مشاركتهن في النشاط الاقتصادي.
ويخلص التشخيص الوارد في تقرير الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع إلى أن رفع مستوى تعليم النساء وتأهيلهن، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحسين مشاركتهن الاقتصادية. إذ يظل تحقيق هذا الهدف مرتبطا بتوفير فرص شغل ذات جودة، وتحسين ظروف العمل والأجور والحماية الاجتماعية، وتيسير الولوج إلى التمويل والنقل وخدمات رعاية الأطفال، إلى جانب معالجة العوائق الأسرية والاجتماعية التي تحد من قدرة النساء على دخول سوق الشغل والاستمرار فيه.