خرجة محمود عرشان بين السياق السياسي والانفراج الحقوقي
وجهة نظر

خرجة محمود عرشان بين السياق السياسي والانفراج الحقوقي

استقبلت فاطمة الزهراء المنصوري في فاتح أكتوبر 2026، بعدما عينت رئيسة جديدة للحكومة ، وفداً عن حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، ضم محمود عرشان ونجله عبد الصمد عرشان. حيث أثار هذا الاستقبال انتقادات حقوقية، بسبب الاتهامات المرتبطة بماضي عرشان الأمني خلال سنوات الرصاص. كما أنه خلال مناقشة البرنامج الحكومي في مجلس المستشارين يوم 21 أكتوبر، عاتب النائب محمود عرشان رئيسة الحكومة بشأن طريقة تغطية استقبال وفده، ثم وصف منتقديه بـ«الطابور الخامس»، ودعا إلى مناظرة تلفزيونية بشأن الاتهامات المتعلقة بالماضي. من هنا تكمن أهمية هذا التسلسل في أن الواقعة انتقلت من سؤال بروتوكولي يتعلق بكيفية استقبال وفد حزبي وتقديمه إعلامياً، إلى سجال حول الذاكرة الحقوقية ومشروعية استحضار ماضي الانتهاكات في تقييم الفاعلين السياسيين اليوم. ليتم التساول عن إمكانية أن يشكل ذلك مناسبة لطي ملف ما تبقى من معتقلي حراك الريف والافراج عن بعض معتقلي حراك جيل زيد في إشارة سياسية للانفراج تواكب ما يعيشه المغرب من احتفال رسمي وشعبي بعيد الوحدة ؟؟

خرجة محمود عرشان والسياق السياسي الجديد بالمغرب

يمكن قراءة خرجة محمود عرشان في مجلس المستشارين يوم 21 أكتوبر 2026 باعتبارها أكثر من مجرد سجال شخصي مع منتقديه؛ فقد تحولت إلى مدخل لإعادة فتح النقاش حول حدود التجديد السياسي، وعلاقة المؤسسات المنتخبة بذاكرة الانتهاكات الحقوقية، ومدى انسجام الممارسة السياسية الراهنة مع خطاب المصالحة وعدم تكرار انتهاكات الماضي. فقدجاءت هذه الخرجة في سياق سياسي جديد أعقب انتخابات 23 شتنبر 2026، وتشكيل حكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وفي وقت كانت فيه الانتظارات تتجه نحو تجديد النخب والخطاب السياسي وتعزيز الثقة في المؤسسات.

أولاً: من استقبال سياسي إلى أزمة في الذاكرة السياسية

إن أحد الأسئلة التي تطرحها هذه الواقعة هو مدى قدرة المرحلة السياسية الجديدة على تجديد النخب، ليس فقط من حيث الأعمار والوجوه الحزبية، بل أيضاً من حيث القيم السياسية والثقافة المؤسساتية.فإذا كان التجديد يعني تغيير رئيس الحكومة أو إعادة توزيع المسؤوليات بين الأحزاب، فإنه يظل تجديداً محدوداً ما لم يصاحبه نقاش حول المسؤولية السياسية، واحترام الذاكرة الحقوقية، وطبيعة الخطاب الصادر عن ممثلي المؤسسات. إذ

تكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأن الجدل لم ينشأ فقط عن تصريحات عرشان، بل سبقه استقبال وفده في إطار المشاورات الحكومية. وقد انتقدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ذلك الاستقبال، معتبرة أنه يحمل دلالات سياسية تتجاوز المجاملة البروتوكولية. وهنا تبرز ثلاثة أسئلة مؤسساتية:

– المسؤولية السياسية: هل تكتفي الحكومة باعتبار الاستقبال إجراءً ضمن المشاورات الحزبية، أم توضح موقفها من الجدل الحقوقي الذي أعقبه؟

– المسؤولية البرلمانية: هل يُترك المجال للنقاش السياسي دون ضوابط، أم تتدخل رئاسة مجلس المستشارين عندما يتحول النقاش إلى اتهامات بالتخوين؟

– المسؤولية الحقوقية: كيف يمكن الحفاظ على مسار الإنصاف والمصالحة دون تحويله إلى مجرد خطاب رسمي منفصل عن الممارسة السياسية؟

هذه أسئلة مطروحة على الحكومة والمؤسسات المعنية، ولا تعني بالضرورة أن استقبال الوفد كان تبنياً لمواقف عرشان أو موافقة على تصريحاته. كما أن وصف العميد السابق منتقديه بـ«الطابور الخامس» ليس مجرد تعبير حاد؛ فهو ينقل الخلاف من مجال مناقشة الوقائع والمسؤوليات إلى مجال التشكيك في ولاء المعارضين أو دوافعهم.وتزداد حساسية هذا الخطاب عندما يصدر عن ممثل للأمة داخل مؤسسة دستورية، لأن البرلمان يفترض أن يكون فضاءً للتعددية والمساءلة وتبادل الحجج. وقد أدانت خمس جمعيات حقوقية ومدنية هذه التصريحات، وطالبت باحترام كرامة الضحايا ومواصلة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. وبالتالي ، فقد أعادت هذه الخرجة ، التي كانت خارج السياق السياسي الحالي ، فتح ملف سنوات الرصاص، حيث أعادت هذه الواقعة الملف إلى صلب النقاش العمومي. فقد أعلن ناشطون وحقوقيون قبول تحدي المناظرة الذي طرحه عرشان، ودعوا إلى تنظيم جلسة استماع شعبية يوم 10 دجنبر 2026، بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، للاستماع إلى الشهادات وتوثيقها. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي ليس في إجراء مناظرة تلفزيونية من عدمه، بل في مدى قدرة النقاش العمومي على الانتقال من التحدي الشخصي إلى توثيق الوقائع ومناقشة المسؤوليات واحترام حقوق جميع الأطراف. وهكذا يمكن وضع خرجة عرشان ضمن سؤال أوسع يتعلق بالثقة في الحياة السياسية المغربية. فالانتخابات وتشكيل الحكومة لا يكفيان وحدهما لإعادة الثقة؛ إذ تتوقف هذه الأخيرة أيضاً على سلوك الفاعلين، وجودة النقاش داخل المؤسسات، ومدى وضوح المسؤوليات. إذ وتطرح الواقعة ثلاثة أبعاد لهذه الأزمة:

– بعد أخلاقي: يتمثل في العلاقة بين الحياء السياسي واحترام الضحايا والامتناع عن تخوين المنتقدين.

– بعد مؤسساتي: يتمثل في حدود استعمال المنبر البرلماني، ودور رئاسة المجلس في ضمان احترام موضوع الجلسات وقواعد النقاش.

– بعد تاريخي: يتمثل في مدى التوفيق بين استمرارية المشاركة السياسية وبين المطالبة بالحقيقة والإنصاف بشأن انتهاكات الماضي.

وقد طالبت الجمعيات الحقوقية الحكومة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان باتخاذ مواقف واضحة، وهو ما يجعل طريقة تعامل المؤسسات مع هذه المطالب جزءاً من متابعة القضية، لا مجرد رد فعل على تصريح فردي.وفي هذا السياق ، يطرح سؤال سياسي حارق هل نحن أمام قطيعة مع الماضي أم استمرار له؟ إذ من السابق لأوانه اعتبار هذه الواقعة دليلاً حاسماً على اتجاه الدولة يتمثل في موقف الحكومة وما إذا كانت ستصدر توضيحاً بشأن الجدل الذي أعقب الاستقبال والتصريحات ، وكذا موقف المؤسسة البرلمانية حول هل ستتخذ رئاسة مجلس المستشارين أي إجراء يتعلق بضوابط النقاش؟ و في مسار الإنصاف والمصالحةهل ستتبع التصريحات خطوات عملية لتعزيز حفظ الذاكرة وكشف الحقيقة وتنفيذ التوصيات؟

وهكذا تكشف خرجة محمود عرشان عن التوتر القائم بين تجديد المشهد السياسي وتجديد الثقافة السياسية ذاتها. فانتقال رئاسة الحكومة إلى قيادة جديدة، وإعادة ترتيب العلاقات بين الأحزاب، لا يضمنان وحدهما القطيعة مع أنماط الخطاب والممارسة التي تثير إشكالات تتعلق بالذاكرة والمساءلة واحترام المؤسسات.كما أن الجمع بين استقبال عرشان في مشاورات تشكيل الحكومة، ثم إثارة ملفه الحقوقي من داخل البرلمان، جعل الواقعة اختباراً مبكراً لمدى انسجام الخطاب السياسي الجديد مع مقتضيات الإنصاف والمصالحة.ولا يتوقف معنى هذه الواقعة عند شخص محمود عرشان، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل سيقتصر التجديد السياسي في المغرب على تغيير الوجوه وتوزيع المسؤوليات، أم سيمتد إلى ترسيخ ثقافة سياسية تجعل احترام الضحايا، وقبول النقد، وتحمل المسؤولية، شروطاً للممارسة المؤسساتية؟

عيد الوحدة وطي ملف معتقلي حراك الريف وجيل زيد

تنبغي الإشارة بأنه لا توجد في المعطيات المتاحة أدلة كافية على أن خرجة عرشان كانت جزءاً من خطة مقصودة لتهيئة الرأي العام لإعلان عفو أو تسوية سياسية. فالتزامن بين الأحداث لا يثبت وجود تنسيق بينها. لكن يمكن طرح تساؤل حول أن تكون خرجة محمود عرشان جزءاً من سياق أوسع، حيث يمكن تصور وجود تزامن بين ثلاثة تطورات:

1. إثارة الجدل بشأن محمود عرشان وماضيه الحقوقي، بما أعاد سؤال المصالحة والذاكرة إلى النقاش العمومي.

2. بداية عمل الحكومة الجديدة، مع مطالبة برلمانيين بتحويل الانفراج الحقوقي من مطلب سياسي إلى إجراءات ملموسة.

3. اقتراب عيد الوحدة، الذي يتيح من حيث الرمزية والمناسبة المرتبطة بالعفو فرصة لإعلان مبادرات ذات طابع تصالحي.

وهكذا فإن تزامن خرجة محمود عرشان مع بداية عمل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وعودة المطالبة بالإفراج عن معتقلي حراك الريف وبعض معتقلي «جيل زد»، يتيح قراءة الواقعة ضمن احتمال فتح صفحة انفراج حقوقي وسياسي، بما يسمح بتجاوز ملفات احتجاجية ظلت تؤثر في العلاقة بين الدولة وقطاعات من المجتمع. فمن اللافت أن هذا الاحتمال لم يعد مجرد استنتاج تحليلي. ففي 22 أكتوبر 2026، دعا إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى اتخاذ خطوات عملية للإفراج عن معتقلي حراك الريف وشباب «جيل زد»، وطي ملفات حقوقية أخرى. كما طُرح مطلب العفو العام عن هذه الفئات من طرف تحالف اليسار. وبالتالي لماذا يمكن أن يشكل عيد الوحدة فرصة لطي هذه الملفات. إذ تكمن أهمية عيد الوحدة، الذي يصادف 31 أكتوبر 2026، في أن البلاغ الملكي المؤسس له ربطه بالوحدة الوطنية والترابية، وأعلن أن المناسبة ستشكل أيضاً موعداً لإصدار العفو الملكي. ومن هنا يمكن بناء قراءة سياسية تقوم على ثلاثة مستويات:

– الوحدة الترابية: من خلال ترسيخ الإجماع الوطني حول القضية الوطنية.

– الوحدة المجتمعية: من خلال توسيع معنى الوحدة ليشمل المصالحة بين المؤسسات والمواطنين، بمن فيهم الفئات التي تشعر بالتهميش أو فقدان الثقة.

– الانفراج الحقوقي: من خلال استثمار رمزية المناسبة في اتخاذ مبادرات تعزز الثقة وتفتح المجال أمام معالجة الملفات العالقة.

وبهذا المعنى، فإن الإفراج عن المعتقلين المعنيين، إذا تقرر، يمكن أن يُقرأ باعتباره إشارة إلى أن الوحدة الوطنية لا تقوم فقط على الإجماع حول القضايا الكبرى، بل أيضاً على قدرة المؤسسات على استيعاب الاختلافات الاجتماعية والسياسية ومعالجة آثار الاحتقان.

وهكذا ، فإذا أُعلن عن عفو يشمل المعنيين، فقد تتجاوز دلالته الجانب الإنساني المباشر إلى ثلاثة أبعاد: بعد سياسي يتمثل في فتح مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والحركات الاحتجاجية، وبعد اجتماعي يتجسد في تخفيف معاناة الأسر وإعادة بناء الثقة لدى فئات من الشباب وسكان الريف. وبعد مؤسساتي يتمثل في اختبار قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من خطاب التجديد إلى مبادرات عملية.

لكن إصدار العفو الملكي عن المعتقلين لا يعني بالضرورة إغلاق الملف الحقوقي بصورة نهائية. فقد ينهي العقوبة أو ما تبقى منها بالنسبة إلى المستفيدين، لكنه لا يعالج وحده أسباب الاحتجاجات، ولا يحسم تلقائياً الأسئلة المتعلقة بالإنصاف وجبر الضرر وضمانات عدم تكرار الانتهاكات. فليس الأمر مجرد إعلان عفو بمناسبة وطنية، بل طبيعة الرسالة التي يمكن أن يحملها ذلك العفو. فإذا اقتصر الأمر على عفو اعتيادي، فلن يكون من الممكن استنتاج تحول سياسي أوسع دون مؤشرات إضافية. أما إذا شمل العفو معتقلي حراك الريف وبعض معتقلي «جيل زد»، فقد يُقرأ باعتباره خطوة نحو الانفراج وتخفيف الاحتقان. و إذا اقترن الإفراج بحوار جدي حول المطالب الاجتماعية والحقوقية، فقد يشكل مدخلاً إلى مصالحة أوسع تتجاوز المعالجة الظرفية للملفات.وهنا ينبغي التمييز بين حراك الريف، الذي يعود إلى سنة 2016–2017، واحتجاجات «جيل زد» التي برزت في 2025؛ فلكل منهما سياقه ومطالبه وملفاته القضائية، ولا يعني جمعهما ضمن مبادرة واحدة تطابق وضعيتهما وانطلاقا من هذا الامر ، فييمن أن يطرح سؤال سياسي مهم: هل يمكن أن يتحول عيد الوحدة من مناسبة لترسيخ الوحدة الترابية إلى محطة رمزية لتعزيز الوحدة المجتمعية، عبر انفراج حقوقي يشمل معتقلي حراك الريف وبعض معتقلي «جيل زد»؟ فهذا احتمال يستحق المتابعة، خصوصاً مع المطالب البرلمانية والحقوقية التي ظهرت في الأيام الأخيرة. لكن إثبات تحققه يظل رهيناً بما سيصدر من قرارات رسمية. لكن الأهم أن نجاح أي مبادرة من هذا النوع لن يُقاس فقط بعدد المستفيدين من العفو، بل أيضاً بمدى قدرتها على إعادة بناء الثقة، ومعالجة أسباب الاحتقان، وإظهار أن الوحدة الوطنية تتسع للاختلاف وللمطالب الاجتماعية المشروعة، ولا تقتصر على الاحتفال برموزها.