حيث، باتت أنظار العالم مشدودة إلى مآلات هذه المواجهة، مع يقين راسخ بأن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط سيتغير إلى الأبد.
هذا التغيير لن يكون وليد مواجهة ثنائية، بل سيكون نتاج تدخلات دولية وإقليمية شاملة ومعقدة. وما سيغير المعادلة بشكل جذري هو حجم التوافق الضمني والكبير بين القوى العظمى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وهو توافق ستكشفه الأيام القادمة بجلاء، لأن هذه الدول قد أعادت ترتيب أولوياتها الإقليمية والدولية، وباتت أوراقها التفاوضية مطروحة على طاولة كبرى فيما بينها.
أما باقي الفاعلين، فلا يعدو دورهم كونهم أدوات لترتيب النهايات. نحن في الواقع دخلنا بشكل فعلي إلى مفهوم تعدد الأقطاب. فبعد صراع مرير مع القطبية الثنائية، ثم هيمنة القطبية الأحادية، نحن اليوم نعيش زمن القطبية المتعددة، أو ما يمكن تسميته بدقة أكثر (الثلاثية النووية الحاكمة للنظام الدولي الجديد).
لذلك، نحن أمام مواجهة نارية شاملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهذا هو مفصل الخطاب الاستراتيجي بين دولتين غير متكافئتين لا عسكرياً ولا اقتصادياً.
واللافت في هذه المرحلة الدقيقة، أن حلفاء إيران التقليديين لن يكونوا إلى جانبها، لا ظاهريا ولا ضمنيا. وكما أشرنا سابقاً، فإن المعادلة قد انتقلت من مستوى الصراع الإقليمي إلى مستوى التوافقات بين القوى الكبرى، باعتبار أن هذه الحرب التي طالت واستطالت، باتت تؤثر بشكل مباشر على ممرات الاقتصاد العالمي وشرايين الطاقة الدولية.
ونحن اليوم أمام معادلة دقيقة لتقسيم الأدوار وإعادة توزيع النفوذ. ويُعدّ تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن دعم أوكرانيا في مواجهتها مع روسيا، مؤشراً استراتيجياً بالغ الدلالة، وإشارة واضحة إلى التقارب المتنامي بين هذين البلدين النوويين. وهو تقارب يوحي بوجود توافقات تحاك تحت الطاولة، بضمانات متبادلة وتفاهمات تشارك فيها الصين كقطب ثالث، يرسم خيوط اللعبة بهدوء وحكمة استراتيجية.
وفي المحصلة، تبقى الساحة الدولية رهينة ضبابية كثيفة، تتشكل من وحي الحالة الدولية الجديدة وواقع مستجد يفرض مسلماته على الدول. لاسيما ،وأنه واقع جديد يستدعي من الفاعل الدولي والدول ضرورة فهم مخرجات هذا النظام العالمي الوليد، إما لمسايرته أو على الأقل لإدراك قواعده الجديدة.
وفي الختام، يبقى السؤال المطروح اليوم: أين الاتحاد الأوروبي من هذه المعادلة المعقدة؟ هل سيبقى خارج رقعة الشطرنج الكبرى لظروف طارئة وذاتية، أم أنه سيتحول في نهاية المطاف إلى مجرد تابع وظيفي لأحد الأقطاب الثلاثة المذكورة؟
احمد بابا اهل عبيد الله — باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، رئيس مركز الساحل للبحث العلمي والتنمية المستدامة