قراءة نقدية في مشروع قانون المالية لسنة 2027
مائة درهم، وخمسمائة درهم، وثلاثة آلاف و79 درهماً.
ثلاثة أرقام تكفي لقراءة مشروع قانون المالية رقم 60.26 لسنة 2027، الأول هو الزيادة في الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر الذي تتلقاه الأسر الهشة، والثاني هو المكسب الشهري الموعود لغالبية الأجراء المعنيين بمراجعة الضريبة على الدخل، ابتداء من يناير المقبل، والثالث هو ما سيربحه شهرياً، في أفق 2031، أجير يتقاضى 18 ألفاً و700 درهم. لا شيء من هذا من اختراع المعارضة، إنها أرقام فوزي لقجع نفسه، كما عرضها يوم الجمعة 23 أكتوبر أمام مجلسي البرلمان.
يومها، استبق وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية منتقديه، حيث حذّر من الأحكام المسبقة، ودعا إلى الاحتكام إلى الوقائع والنتائج، ثم رمى معارضيه بعبارة جاهزة: “الشعبوية لم تفلح مع السابقين فبالأحرى مع اللاحقين”.
مرحبا بالتحدي، لنترك الشعارات جانباً ولنحتكم إلى الأرقام: أرقامه هو، وأرقام المندوبية السامية للتخطيط.
والحصيلة أن الحزمة التي تُقدَّر كلفتها بـ 15.5 مليار درهم، منها 5.5 مليارات لمراجعة الضريبة على الدخل سنة 2027 و10 مليارات للمعاشات والأرامل، ليست حبراً على ورق؛ فيها ما هو ملموس، لكنها تقوم على أربعة أوهام: وهم المكسب، ووهم الإنصاف، ووهم المجانية، ووهم البراءة، وكل واحد منها يتهاوى عند أول اختبار بالأرقام.
الوهم الأول: مكسب تبتلعه القفة قبل أن يصل
تُقدَّم الـ 500 درهم على أنها مكسب صافٍ في القدرة الشرائية، لكن القدرة الشرائية لا تقاس بما يُضاف إلى ورقة الأجر، بل بما يتبقى منه بعد المرور على السوق.
قد يرد الوزير بأن معركة التضخم حُسمت، والمعطيات تسعفه في الظاهر: لم يتجاوز ارتفاع الأسعار 0.5 في المائة على أساس سنوي في شتنبر 2026، و0.3 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، لكن هنا بالضبط تكمن الخدعة الإحصائية: تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني عودتها إلى ما كانت عليه، فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بـ11 في المائة سنة 2022، ثم بـ12.5 في المائة سنة 2023، أي بما يقارب الربع في عامين (حوالي 25 في المائة)، وما تراجع منها منذ ذلك الحين لا يمحو القفزة، بل بالكاد يخدشها.
ثم إن الهدوء نفسه يتصدع أمام أعيننا، ففي شهرين فقط، غشت وشتنبر، ارتفع المؤشر العام للأسعار بنحو 1.8 في المائة. وفي شتنبر وحده قفزت أسعار اللحوم والخضر بـ 4.3 في المائة، والمحروقات بـ 2 في المائة، فيما بلغ ارتفاع أسعار النقل 9.4 في المائة على أساس سنوي، بل إن الإطار العام لهذا المشروع، كما قُدّم أمام لجنتي المالية بالبرلمان في يوليوز، يقر بأن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يضغط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
لنُجرِ الحساب الذي لا يحب أحد إجراءه: إذا ارتفعت الأسعار بنحو 13 في المائة خلال سنتي 2022 و2023، فإن أجراً ظل جامداً عند 8 آلاف درهم فقد أزيد من 900 درهم من قيمته الحقيقية كل شهر. والـ 500 درهم الموعودة، حتى لو وصلت كاملة، لا تعوض إلا نحو نصف الخسارة، ليست مكسباً إذن، بل تعويض جزئي ومتأخر عن قدرة شرائية تآكلت سلفاً.
وسيقال إن جولات الحوار الاجتماعي رفعت الأجور، وإن كلفة التزاماتها ستبلغ 49.7 مليار درهم سنة 2027. صحيح، لكنها زيادات لمن يملك أجراً مصرحاً به. وفي بلد كان فيه الشغل غير المهيكل يمثل 76 في المائة من مجموع الشغل سنة 2021، حسب المندوبية السامية للتخطيط، لم يجنِ أغلب العاملين من الحوار الاجتماعي شيئاً يذكر، بينما دفعوا الأسعار كاملة، فالقفة لا تقرأ جداول الضريبة على الدخل.
الوهم الثاني: إنصاف بسلّم مقلوب
رتّبوا المستفيدين على سلّم الدخل، وانظروا كيف تتوزع “العدالة الجبائية”، ففي أسفل السلّم، لن يربح الأجير الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور من هذا الإصلاح درهماً واحداً، لأن الأجور التي تقل عن نحو 6 آلاف درهم شهرياً معفاة منذ إصلاح 2025. ومليون و121 ألف عاطل، حسب آخر أرقام المندوبية، خارج المعادلة تماماً. ثم تأتي الأسر الهشة بمائة درهم إضافية في الحد الأدنى للدعم المباشر، وغالبية الأجراء المعنيين بنحو 500 درهم.
بعد ذلك يبدأ السلّم في الصعود: في أفق 2031، يعادل المكسب نحو 10 في المائة من أجر قدره 11 ألفاً و800 درهم، وأزيد من 16 في المائة من أجر قدره 18 ألفاً و700 درهم. وفي القمة، ينزل المعدل الهامشي الأعلى من 37 إلى 30 في المائة. بعبارة أوضح: كلما صعدت في سلّم الأجور، ارتفع وزن الهدية في أجرك، لا قيمتها فقط، إصلاح يُسوَّق باسم “الطبقة المتوسطة”، لكن منحنى أرباحه يتصاعد كلما اقتربنا من قمة الهرم.
سيرد المدافعون بحجتين، الأولى أن تخفيض الضريبة على الدخل لا يمكن، بطبيعته، أن يصل إلى من لا يؤديها، وأن هؤلاء يغطيهم الدعم المباشر والمعاش الأدنى، والثانية أن الإصلاح يشجع الشغل المصرح به.
الحجة الأولى تنقلب على أصحابها، لأن اختيار الأداة هو في حد ذاته اختيار للمستفيد، حين تُرصد 5.5 مليارات درهم لمراجعة الضريبة على الدخل في سنتها الأولى، بينما يرتفع الحد الأدنى للدعم المباشر بمائة درهم، فتلك ليست حتمية تقنية، بل أولوية سياسية. ثم ما الذي يبرر، إن كان المقصود هو الطبقة المتوسطة فعلاً، النزول بالمعدل الأعلى من 37 إلى 30 في المائة؟ هذا تخفيض لا تحتاجه الطبقة المتوسطة، بل أصحاب الأجور العليا.
أما حجة التصريح بالشغل فلا تصمد أمام بنية الاقتصاد غير المهيكل نفسه، فالأجراء لا يمثلون سوى 10.4 في المائة من الشغل في القطاع غير المهيكل غير الفلاحي، حسب المندوبية، والبقية في معظمهم يعملون لحسابهم الخاص ولا يعنيهم جدول الضريبة على الأجور في شيء. ثم إن الأجور التي تقل عن 6 آلاف درهم كانت معفاة أصلاً منذ 2025، ومع ذلك لم يختفِ الشغل غير المصرح به في هذه الشرائح. إذا لم تكن الضريبة على الدخل هي العائق، فكيف تصير هي الحل؟
الوهم الثالث: كرم بلا فاتورة
لنكن منصفين: رفع الحد الأدنى للمعاش من نحو ألف درهم إلى 1700 درهم دفعة واحدة، ورفع معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة لفائدة 431 ألف أرملة، إجراءان ملموسان طال انتظارهما. لكن الإنصاف لا يُعفي من السؤال المركزي: من أين ستأتي الأموال؟
فالحزمة الجديدة تنضاف إلى ميزانية مثقلة سلفاً بالتزامات شبه ثابتة: 49.7 مليار درهم لالتزامات الحوار الاجتماعي سنة 2027، ونحو 26.4 مليار درهم سنوياً للدعم الاجتماعي المباشر الذي يشمل أكثر من 4 ملايين أسرة، و13.2 مليار درهم لدعم أسعار غاز البوتان والقمح اللين والسكر. ثم إن الوزير أعلن كلفة السنة الأولى وحدها من مراجعة الضريبة على الدخل، أما كلفتها حين تكتمل سنة 2031، والجداول تتسع عاماً بعد عام، فسؤال لا تجيب عنه الأرقام المعلنة حتى الآن.
جواب الحكومة جاهز: تحسين التحصيل وتوسيع الوعاء الضريبي، وهو الرهان نفسه الذي رفعه القانون الإطار للإصلاح الجبائي قبل سنوات، وفي انتظار أن يصدق، تكشف التوقعات المالية المرفقة بالمشروع من يحمل الخزينة فعلاً: 137.5 مليار درهم من الضريبة على القيمة المضافة، أي قرابة ضعف ما ستحصله الدولة من الضريبة على الدخل (71.5 مليار درهم)، يضاف إليها 23.5 مليار درهم من الضرائب الداخلية على استهلاك منتجات الطاقة، أكبر مورد ضريبي للخزينة إذن هو ما يدفعه الفقير والغني بالسعر نفسه، مع كل فاتورة كهرباء وكل لتر وقود.
ومع إعفاء 87 في المائة من الأجراء، تتحول الضريبة على الأجور عملياً إلى ضريبة على 13 في المائة منهم، فيتعمق اعتماد الخزينة على الاستهلاك. وفي الاتجاه نفسه، يُدخل المشروع الإطارات المطاطية والسجائر الإلكترونية في وعاء الضرائب الداخلية على الاستهلاك، ويراجع الضرائب على الشراب المركز للمشروبات الغازية والتبغ والخمور. بعضها مبرر صحياً، لكن الإطارات تدخل في كلفة كل رحلة نقل.
وسيقال إن الحكومة تجرأت على الأقوياء حين رفعت سعر الضريبة على الشركات إلى 40 في المائة بالنسبة إلى شركات استيراد المحروقات وتوزيعها التي يبلغ ربحها الصافي 100 مليون درهم فما فوق. خطوة تستحق التنويه، بشرط واحد: أن تبقى الضريبة في الأرباح ولا تنتقل إلى المحطة، ففي سوق محررة خبر المغاربة كيف تتحرك فيها الهوامش، من يضمن ألا تجد طريقها إلى سعر اللتر، أي إلى جيوب المواطنين؟
وفي المقابل، يخصص المشروع نظاماً استثنائياً من الإعفاءات لـ«فيفا» وشركاته التابعة وشركائه التجاريين، يشمل الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة وواجبات التسجيل والتمبر، ويمتد بعضه من 2027 إلى 2032. يقال إنها التزامات سيادية يفرضها احتضان المونديال. ليكن، لكن الالتزام لا يعني المجانية: كم ستكلف هذه الإعفاءات الخزينة؟ المواطن الذي يؤدي الضريبة على القيمة المضافة على فواتيره من حقه أن يعرف كم يُعفى منها الشريك التجاري للمونديال.
ويبقى المخرج الأخطر: الاستدانة أو شد الحزام على الاستثمار. فالمندوبية السامية للتخطيط تتوقع، في ميزانيتها الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2027، أن تتراجع المداخيل العادية من 24.3 إلى 23.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وأن تنكمش نفقات الاستثمار من 6.9 إلى 6.4 في المائة، فيما يظل الدين العمومي الإجمالي، باحتساب باقي القطاع العام، في حدود 76.1 في المائة من الناتج. سترد الحكومة بأنها تستهدف عجزاً في حدود 3 في المائة. صحيح، لكن عجزاً منضبطاً مع مداخيل تتراجع والتزامات تتضخم لا يتحقق إلا بالضغط على متغيرات التعديل المعتادة، وأولها الاستثمار: أي المدرسة والمستشفى والطريق.
الوهم الرابع: روزنامة بريئة
يبقى سؤال يتجنبه الجميع: لماذا يُبرمَج إصلاح ضريبي على خمس سنوات، ثم تُرحَّل ثماره الكبرى إلى آخرها؟ 500 درهم في 2027، أما المكاسب الأكبر فمؤجلة إلى 2031، والحد الأدنى للمعاش لن يبلغ 3000 درهم إلا في نهاية الولاية، أي على بعد أشهر من الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
يؤكد الوزير أن إجراءي التقاعد يأتيان “بعيدا عن أي حسابات أو اعتبارات سياسية ضيقة”، ربما، لكن الحكومة التي ربطت بنفسها نجاح مشروعها بقدرتها على تحويل التزاماتها الانتخابية إلى إجراءات، لا يمكنها أن تطلب منا قراءة روزنامتها خارج الزمن الانتخابي. أسخى الأرقام مؤرخة بسنة الانتخابات، أما كلفتها الدائمة فستبقى لمن يأتي بعد.
يناير موعد الاختبار.. لا تكفي الأرقام حين تعجز القفة عن الصمود
طلب الوزير أن يُحكم على الحكومة بما ستنفذه فعلاً لا بالأحكام المسبقة، طلب مشروع ومقبول، لكن النتائج لن تقاس بنسبة 87 في المائة ولا بجداول 2031، بل بسؤال بسيط سيطرحه كل أجير في يناير المقبل أمام بائع الخضر والجزار: ماذا تشتري 500 درهم اليوم مما كانت تشتريه سنة 2021؟
ولأن النقد لا يكتمل دون بديل، فالممكن كان واضحاً: حصر التخفيض في الأشطر الوسطى دون المس بالمعدل الأعلى، وتوجيه الفارق إلى دعم مباشر يُراجَع سنوياً على ضوء أسعار المواد الأساسية، ونشر دراسة أثر مفصلة قبل التصويت تبين من يربح ماذا حسب شرائح الدخل، وكم سيكلف إصلاح الضريبة على الدخل في كل سنة إلى غاية 2031، وكم ستكلف الإعفاءات المرتبطة بالمونديال.
وبدون ذلك، سيبقى عرض 2027 على حاله: أربعة أوهام وفاتورة واحدة. والمغاربة يعرفون بالتجربة أن الفواتير التي بلا عنوان تصل دائماً إلى العنوان نفسه: جيوبهم المنهكة.