في بلد ديمقراطي كالمغرب الذي يسعى إلى تعزيز مؤسساته الوطنية والنهوض بأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، وفق ما يريد له قائده الملك محمد السادس وعامة أبناء الشعب، يحق لأمناء الأحزاب السياسية على اختلاف ألوانها وتوجهاتها التسابق على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، من أجل الظفر بمنصب رئاسة الحكومة طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور، ولاسيما عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، الذي بدا أكثر تحمسا من غيره وخاصة خلال الحملة الانتخابية، التي سبقت اقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026…
فمنذ عودته لقيادة حزب “المصباح”، الذي تلقى ضربة قوية في انتخابات 8 شتنبر 2021 هوت به من المرتبة الأولى ب”125″ مقعدا، إلى المرتبة الثامنة ب”13” مقعدا فقط في مجلس النواب، وهو يكرس كل جهوده نحو محاولة إعادة حزبه إلى الواجهة، حيث لم يكن يترك فرصة تمر دون حشر أنفه فيها، ولا يتوقف عن مهاجمة خصومه السياسيين وتوجيه انتقاداته لرئيس الحكومة المنتهية ولايتها عزيز أخنوش، لاسيما فيما يتعلق بمسلسل غلاء أسعار المحروقات وانعكاسها على أسعار باقي المواد الأساسية. وقد ارتفعت وتيرة هجماته أثناء الحملة الانتخابية في المهرجانات الخطابية عبر مختلف ربوع المملكة، مما ساهم في مضاعفة حصيلته الانتخابية أربع مرات خلال تشريعيات 2026، والانتقال بحزبه إلى المرتبة الرابعة بمجموع “54” مقعدا خلف كل من حزب الاستقلال ب”65″ مقعدا في المرتبة الثالثة، حزب التجمع الوطني للأحرار ب”66″ مقعدا في المرتبة الثانية، وحزب الأصالة والمعاصرة المتصدر ب”97″ مقعدا….
بيد أنه رغم مساهمته في إعادة الحزب للواجهة السياسية، فإن لا المرتبة الرابعة ولا عدد المقاعد أشفى غليله، لأن حلمه كان أكبر من ذلك، حيث كان يتمنى الفوز بالمرتبة الأولى، وأن يحظى بشرف الاستقبال الملكي حتى يستطيع استرداد منصبه الضائع في رئاسة الحكومة عام 2017. وبما أن الحظ لم يسعفه في تحقيق مبتغاه، سارع منذ ظهور نتائج الانتخابات إلى الإعلان عن اصطفافه في المعارضة، والامتناع عن حضور المشاورات التي تقودها رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري…
وبما أن منسوب الغرور لدى ابن كيران ما انفك يتعاظم خلال السنوات الخمس الأخيرة، لم يعد يرى حزبا آخر أقوى من حزبه، لما يتوفر عليه من قيادة وهياكل وكتلة ناخبة كبيرة، ويعتقد أن ليس هناك أمين عام غيره يستحق اعتلاء “عرش” رئاسة الحكومة، فإنه لم يكتف فقط بالاصطفاف في المعارضة ورفض دعوة حضور المشاورات السياسية مع رئيسة الحكومة المعينة، بل توعد بإسقاط الحكومة سريعا، اعتقادا منه أن المعارضة متى ما كانت ذات طبيعة نوعية وقوية تتحول إلى كابوس مرعب للحكومات ومؤرق لمضاجع رؤسائها، والحال أنها مؤسسة ضرورية لتعزيز التوازن الدستوري واقتراح الحلول والبدائل.
فالمعارضة تلعب أدوارا مهمة، خاصة حين تمتلك وزنا عدديا يساعدها في الحد من هيمنة الأغلبية الحكومية وتفعيل آليات الرقابة المنصوص عليها دستوريا، غير أن التوازن الدستوري يمكن أن يختل ويتعذر استعمال الأدوات الرقابية متى ما استأثر الائتلاف الحكومي بأغلبية واسعة داخل مجلس النواب. ويجوز لها اعتماد الأسئلة الكتابية والشفوية لمساءلة الوزراء، وتوجيه الأسئلة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة لرئيس الحكومة، والمشاركة في اللجن البرلمانية لمناقشة مشاريع القوانين وتقديم التعديلات ومقترحات القوانين، إضافة إلى مناقشة الحصيلة المرحلية للعمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، حيث يضمن لها الفصل 10 من الدستور حقوقا خاصة تساعدها في أداء وظيفتها الرقابية، من بينها المشاركة الفعلية في التشريع، مراقبة أداء الحكومة، الاستفادة من وسائل الإعلام العمومية والتمثيلية المناسبة في البرلمان…
ولا تكمن قوة المعارضة في عدد مقاعدها ولا في الصراخ تبادل الاتهامات، بل في احترام أخلاقيات الحوار والتنسيق فيما بين مكوناتها ومدى قدرتها على توظيف باقي الوسائل الدستورية والبرلمانية بفعالية. أما عند افتقارها العدد الكافي لتفعيل الآليات الرقابية ذات العتبات المرتفعة، فبإمكانها ممارسة رقابة دائمة عبر المساءلة البرلمانية، والتشريع والتقييم والعمل داخل اللجن وإثارة النقاش العمومي، حيث يحتاج إحداث لجنة نيابية لتقصي الحقائق بمبادرة برلمانية إلى ثلث أعضاء مجلس النواب، وهو ما لا يقل عن 132 نائبا من أصل 395 نائبا، بينما يتطلب تقديم ملتمس الرقابة توقيع خمس أعضائه أي 79 نائبا، باعتباره الآلية التي يتم بمقتضاها إنهاء مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، لكنه يبقى غير كاف ما لم تتم موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس أي 198 نائبا على الأقل.
فأمل المغاربة أن تكون أول حكومة بقيادة امرأة، حكومة قوية ومنسجمة ومتماسكة، تستطيع الاستجابة لانتظاراتهم والوفاء بوعودها والتزاماتها في تحسين ظروف عيشهم من خلال إعادة الأسعار إلى مستواها الطبيعي، حماية القدرة الشرائية للمواطنين، النهوض بمنظومتي الصحة والتعليم، توفير مناصب الشغل للشباب العاطلين، ضمان العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومكافحة مختلف أشكال الريع والفساد…
وفي المقابل يريدون كذلك معارضة مسؤولة ونقدية، فاعلة وبناءة، بعيدة كل البعد عن التشرذم والصخب الإعلامي غير المجدي والمزايدات الشعبوية، معارضة يكون بمقدورها الدفع نحو تجويد العمل السياسي، عبر طرح البدائل الواقعية وغير التعجيزية، بدل الاكتفاء بمهاجمة أعضاء الحكومة ورئيستها المنصوري، والتمادي في انتقاد جل قرارتها مهما كانت صائبة، دون تقديم مقترحات وبرامج قابلة للتطبيق، والمساهمة في اقتراح الحلول الملائمة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية المطروحة بحدة.