مشروع قانون المالية 2027.. الحكومة أمام اختبار تحويل الملايير إلى أثر ملموس في حياة المغاربة
سياسة

مشروع قانون المالية 2027.. الحكومة أمام اختبار تحويل الملايير إلى أثر ملموس في حياة المغاربة

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة أمام اختبار مدى قدرتها على ترجمة التزاماتها السياسية والاجتماعية إلى اختيارات مالية قابلة للتنفيذ، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية، مقابل تحديات الحفاظ على التوازنات المالية للدولة. وبين الأهداف المعلنة في البرنامج الحكومي والاعتمادات المرصودة لتنزيلها، يبرز سؤال نجاعة الإنفاق العمومي ومدى قدرته على إحداث أثر ملموس في حياة المغاربة.

وفي هذا الصدد، اعتبر عبد الرزاق الهيري، الخبير الاقتصادي، أن تقييم مدى وفاء الحكومة بالتزاماتها من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاعتمادات المالية المرصودة أو الأولويات المعلنة، بل يتعين أن يستند إلى مدى تحويل هذه الموارد إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة، تشمل تحسين فرص الشغل وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز الحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطنين.

وأوضح الهيري، في تصريحه لجريدة “العمق المغربي”، أن مشروع قانون المالية يشكل أداة أساسية لتنزيل الاختيارات الحكومية، غير أن الحكم على مدى انسجامه مع البرنامج الحكومي يقتضي دراسة طبيعة النفقات وتوزيعها القطاعي والمجالي، ومقارنتها بالحاجيات الفعلية، فضلاً عن قياس أثرها على حياة المواطنين.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يأتي في سياق سياسي ومؤسساتي خاص، في أعقاب تشكيل حكومة جديدة، وهو ما يستدعي، بحسبه، التمييز بين الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي والتوجهات الميزانياتية التي جرى إعدادها قبل اكتمال الانتقال الحكومي.

وفي هذا السياق، تبرز ضمن التوجهات العامة للمشروع مواصلة تمويل الأوراش الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، ودعم التشغيل، وتعزيز الخدمات العمومية، والحفاظ على استدامة المالية العمومية. غير أن الهيري شدد على أن إدراج هذه المجالات ضمن الأولويات لا يعني بالضرورة توافر الشروط المالية والتدبيرية الكفيلة بتحقيق تحول ملموس فيها.

وبخصوص المؤشرات المالية، أفاد الخبير بأن المعطيات الأولية المنشورة حول المشروع تشير إلى توقع تعبئة نحو 482.4 مليار درهم من الموارد العادية للميزانية العامة، مع تخصيص حوالي 138 مليار درهم لاعتمادات الأداء المتعلقة بالاستثمار في الميزانية العامة. واعتبر أن هذه الأرقام تعكس حجم الموارد المعبأة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى تحقيق الأهداف الحكومية، ما لم تقترن بتقييم تطور الاعتمادات وتوزيعها ونتائج تنفيذها.

التشغيل والصحة والتعليم.. من الإنفاق إلى الأثر الاجتماعي
وفيما يتعلق بقدرة الاختيارات الميزانياتية على ترجمة الالتزامات الحكومية إلى نتائج ملموسة، أوضح الهيري أن ارتفاع الإنفاق العمومي لا يؤدي بصورة آلية إلى تحسن المؤشرات الاجتماعية، لأن ذلك يرتبط أيضاً بجودة التدبير وفعالية المؤسسات وحسن استهداف البرامج والقدرة على تنفيذ المشاريع.

واعتبر أستاذ الاقتصاد بجماعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن تقييم السياسات العمومية ينبغي أن يميز بين الموارد المالية المخصصة، والإنجازات الفعلية، والأثر النهائي على المواطنين، مشدداً على أن التشغيل يظل من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى ارتباطه بالدخل والقدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.

وأشار إلى أن المعطيات المنشورة بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2027 تتضمن إحداث أكثر من 34 ألف منصب مالي في القطاع العام، إلى جانب تدابير مرتبطة بالاستثمار والتشغيل. لكنه نبه إلى أن خلق فرص العمل لا يمكن اختزاله في المناصب العمومية، بالنظر إلى أهمية قدرة الاقتصاد الوطني، ولا سيما القطاع الخاص، على إحداث مناصب شغل منتجة ومستدامة.

وأوضح أن قياس أثر التدابير الحكومية في هذا المجال ينبغي أن يستند إلى مؤشرات تشمل تطور معدل البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وعدد مناصب الشغل الصافية المحدثة، ونسب الإدماج المهني، واستقرار الوظائف وجودة الأجور. كما أن ارتفاع عدد فرص الشغل المحدثة لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض البطالة إذا تجاوز عدد الوافدين الجدد إلى سوق العمل قدرة الاقتصاد على استيعابهم.

أما في القطاع الصحي، فلفت الهيري إلى أن التوجهات التحضيرية للمشروع تضمنت مواصلة تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع الخدمات الصحية، ورقمنة المنظومة، مع استهداف رفع كثافة مهنيي الصحة إلى 45 مهنياً لكل عشرة آلاف نسمة في أفق سنة 2030.

وأكد أن تقييم نجاعة الإنفاق الصحي لا ينبغي أن يقتصر على عدد المستشفيات التي يجري بناؤها أو التجهيزات التي يتم اقتناؤها، بل يجب أن يشمل تقليص آجال انتظار المواعيد الطبية، وتحسين التغطية الترابية بالخدمات الصحية، وتوفير الأطباء والأطر التمريضية، وخفض النفقات الصحية التي تتحملها الأسر مباشرة.

وفيما يخص التعليم، شدد الخبير الاقتصادي على أن تخصيص موارد إضافية للقطاع ينبغي أن يقترن بإصلاحات تستهدف تحسين جودة التعلمات، ومحاربة الهدر المدرسي، وتقليص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.

واعتبر أن تقييم النتائج يقتضي تجاوز المؤشرات الكمية المرتبطة بعدد المؤسسات المحدثة والمناصب المفتوحة، نحو قياس تطور المكتسبات الأساسية للتلاميذ، وتحسن نسب النجاح، وتراجع الانقطاع عن الدراسة.

وأضاف أن التعليم العالي والتكوين المهني مطالبان بتعزيز الملاءمة بين التكوينات المقدمة وحاجيات الاقتصاد الوطني، محذراً من أن اتساع الفجوة بين مخرجات المنظومة التعليمية ومتطلبات سوق العمل من شأنه أن يقلص المردودية الاقتصادية والاجتماعية للإنفاق العمومي.

وبخصوص الحماية الاجتماعية، أبرز الهيري أن تقييم هذا الورش ينبغي ألا يقتصر على عدد المستفيدين وحجم التحويلات المالية، بل يجب أن يقيس أثرها الفعلي على مستوى عيش الأسر، ومدى مساهمتها في الحد من الفقر والهشاشة وتحسين القدرة الشرائية وتقليص التفاوتات الاجتماعية.

وأكد، في هذا الإطار، أهمية التحقق من دقة استهداف الأسر المستحقة، ومدى كفاية المساعدات مقارنة بتكاليف المعيشة، وتأثيرها على الفقر النقدي ومتعدد الأبعاد.

التوازنات المالية وضغوط الإنفاق العمومي
وفيما يتعلق بالتوفيق بين تمويل الإصلاحات الاجتماعية والحفاظ على التوازنات المالية، اعتبر الهيري أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يطرح إشكالية مركزية تتمثل في كيفية الاستجابة لتزايد الحاجيات الاجتماعية والاستثمارية، في ظل محدودية الموارد العمومية وارتفاع كلفة تمويل السياسات العمومية.

وأوضح أن المعطيات الأولية للمشروع تتوقع بلوغ النفقات الإجمالية للدولة، وفق النطاق المحاسبي المعتمد في مذكرة تقديمه، نحو 825.59 مليار درهم، مقابل 761.30 مليار درهم سنة 2026، بارتفاع يناهز 8.44 في المائة. كما تتوقع موارد ضريبية في حدود 437.4 مليار درهم، مع استهداف عجز ميزانياتي يقارب 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.

ويرى الخبير أن هذه الأرقام تعكس حجم المجهود المالي الذي تسعى الدولة إلى تعبئته، لكنها تثير في المقابل أسئلة بشأن فعالية الإنفاق العمومي واستدامة تمويل الإصلاحات. وشدد على أن التوازنات المالية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها هدفاً محاسبياً معزولاً، بل شرطا للحفاظ على قدرة الدولة على تمويل سياساتها العمومية بصورة مستدامة.

وفي المقابل، نبه إلى أن الحفاظ على هذه التوازنات لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام الاستثمار في الرأسمال البشري أو تأجيل الإصلاحات الاجتماعية الضرورية، معتبراً أن الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية يمكن أن يشكل استثماراً اقتصادياً طويل الأمد، متى جرى توجيهه بكفاءة، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين جودة الموارد البشرية وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وسجل الهيري أن هامش المناورة الميزانياتية يتأثر بارتفاع النفقات الهيكلية، خاصة نفقات الموظفين وخدمة الدين وبعض التحويلات الاجتماعية، إذ يؤدي ارتفاع النفقات الثابتة أو صعبة التخفيض إلى تقليص قدرة الدولة على إعادة توجيه مواردها نحو أولويات جديدة.

وتضاف إلى ذلك، بحسبه، الحاجيات المتزايدة لتمويل الحماية الاجتماعية وإصلاح المؤسسات الصحية والتعليمية، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بمواجهة الإجهاد المائي وتقليص التفاوتات الترابية. وهو ما يستدعي، في تقديره، تحديد الأولويات على أساس تحليل دقيق للمردودية الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع، وليس فقط وفق اعتبارات ظرفية أو قطاعية.

تعبئة الموارد وتحسين نجاعة الاستثمار
وفي معرض حديثه عن سبل تعزيز قدرة الدولة على تمويل الإصلاحات، دعا الهيري إلى تحسين تعبئة الموارد الضريبية من خلال توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة الغش والتهرب الضريبيين، مع مراعاة العدالة الجبائية وعدم الإضرار بالقدرة الشرائية للأسر أو بتنافسية المقاولات.

كما شدد على ضرورة ترشيد الإنفاق العمومي وإعادة توجيهه نحو البرامج ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية المرتفعة، وتعزيز مساهمة الاستثمار الخاص في خلق الثروة وفرص الشغل، بما يتيح توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية للاقتصاد الوطني.

واعتبر أن تحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية يشكل بدوره مدخلاً لتخفيف بعض الضغوط عن الميزانية وتعزيز كفاءة تخصيص الموارد، مؤكدا أن استدامة تمويل البرامج الاجتماعية تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد الوطني على توليد الثروة وخلق القيمة المضافة.

ولفت الخبير إلى أن نجاح السياسة الميزانياتية لا يرتبط بحجم الاعتمادات المخصصة للاستثمار فقط، بل أيضاً بقدرة الإدارات والمؤسسات العمومية على تنفيذ المشاريع داخل الآجال المحددة ووفق التكاليف المبرمجة. ولذلك، تكتسي معدلات تنفيذ الميزانية أهمية خاصة في تقييم الفارق بين الموارد المرصودة والنفقات المنجزة فعليا.

وأضاف أن ضعف نجاعة بعض المشاريع أو تأخر تنفيذها قد يؤدي إلى ارتفاع الكلفة الإجمالية للاستثمار دون تحقيق العوائد الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة، ما يجعل تحسين جودة إعداد المشاريع، وتبسيط المساطر، وتعزيز قدرات التدبير، وتطوير آليات التتبع والتقييم، شروطاً أساسية لرفع فعالية الاستثمار العمومي.

مؤشرات الأداء والمساءلة في تنفيذ البرنامج الحكومي
وبشأن آليات تقييم مدى تقدم الحكومة في تنفيذ برنامجها من خلال مشروع قانون المالية، أوضح الهيري أن الإشكال الأساسي يتمثل في الانتقال من التدبير القائم على الوسائل واحترام الاعتمادات إلى تدبير يرتكز على النتائج ونجاعة الأداء.

وأشار إلى أن القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية أرسى مبادئ التدبير الميزانياتي حسب البرامج والأهداف ومؤشرات الأداء، مبرزاً أن المادة 39 تربط البرامج الميزانياتية بأهداف محددة ومؤشرات مرقمة لقياس النتائج المتوخاة، مع تعيين مسؤول عن كل برنامج.

وأضاف أن المنظومة تتضمن، من حيث المبدأ، أدوات أخرى للتتبع والتقييم، من بينها مشاريع نجاعة الأداء التي تقدم للجان البرلمانية المعنية، والتقارير السنوية حول نجاعة الأداء، وقانون التصفية، وتقارير المجلس الأعلى للحسابات. وتتيح هذه الآليات الانتقال من الرقابة على مشروعية الإنفاق إلى تقييم مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.

كما أشار إلى أن الوثائق الرسمية المرافقة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تتضمن تقريرا حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع الاجتماعي، إلى جانب تقارير بشأن الموارد البشرية والدين العمومي والمؤسسات والمقاولات العمومية والتوزيع الجهوي للاستثمار، وهي وثائق توفر أساساً لتحليل الاختيارات الميزانياتية ومناقشتها أمام البرلمان.

غير أن الهيري نبه إلى أن وجود مؤشرات ضمن الوثائق المالية لا يكفي وحده للحكم على جودة منظومة التقييم، مشيراً إلى أن من أبرز التحديات ضعف العلاقة المباشرة، في بعض الحالات، بين الاعتمادات المخصصة للبرامج والمؤشرات المعتمدة لقياس أدائها.

وأوضح أن الأهداف العامة، من قبيل تحسين جودة التعليم أو الرفع من مستوى الخدمات الصحية، لا تسمح بتقييم موضوعي ما لم تقترن بمؤشرات دقيقة وقابلة للقياس. فبالنسبة إلى القطاع الصحي، ينبغي ألا يقتصر التقييم على عدد المؤسسات التي جرى تأهيلها، بل أن يشمل جودة الخدمات وتقليص آجال الانتظار وتطور الاستفادة من العلاج. وبالنسبة إلى برامج التشغيل، يتعين تجاوز عدد المستفيدين من التكوين والمواكبة إلى قياس نسب الإدماج المهني الفعلي واستدامة فرص الشغل المحدثة.

وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الحكم على مدى انسجام مشروع قانون المالية لسنة 2027 مع البرنامج الحكومي ونجاح الاختيارات الميزانياتية يظل رهيناً بقدرة الحكومة على تحويل الاعتمادات المرصودة إلى نتائج قابلة للقياس، وتعزيز آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل أثر الإنفاق العمومي على حياة المواطنين معياراً أساسياً لتقييم السياسات العمومية.