أما بعد.. الجزائر تراهن على التشويش بعدما ضاقت خياراتها في مواجهة التقارب المغربي الموريتاني
أما بعد

أما بعد.. الجزائر تراهن على التشويش بعدما ضاقت خياراتها في مواجهة التقارب المغربي الموريتاني

كلما ضاقت الخيارات أمام النظام الجزائري في مواجهة التحولات الدولية المتسارعة بشأن الصحراء المغربية، اتجهت الأنظار إلى أساليب جديدة للتشويش على المغرب، عبر تضخيم الخلافات المفترضة مع محيطه الإقليمي، ومحاولة زرع الشك بين الرباط ونواكشوط. فبعد سنوات من الرهان على إطالة أمد النزاع، يجد النظام نفسه أمام واقع دبلوماسي متغير، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مراجعة حساباته بدل البحث عن جبهات جديدة للمواجهة.

وما يروج على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن العلاقات المغربية الموريتانية يثير تساؤلات حول الجهات المستفيدة من تحويل التأويلات والفرضيات إلى أزمات سياسية. فبدل الاحتكام إلى التصريحات الرسمية، يجري تضخيم روايات تحاول تصوير البلدين على طرفي خلاف، بما يخدم أجندات لا مصلحة للمغاربة والموريتانيين فيها.

وفي هذا السياق، تبرز فرضية انتقال النظام الجزائري إلى أساليب غير مباشرة للتشويش على التحركات المغربية، بعدما أصبح من الصعب عليه تجاهل التحولات في المواقف الدولية، وفي مقدمتها الموقف الأمريكي من قضية الصحراء. وبينما لا تتوفر أدلة قاطعة تسمح بنسبة كل حملة رقمية إلى جهة بعينها، فإن توظيف بعض الأصوات والمنابر لترويج روايات تصادمية يفرض التعامل معها بحذر وتدقيق.

وتبدو المفارقة واضحة حين يواصل النظام الجزائري الاستثمار في الخصومة الإقليمية، بينما تواجه بلاده تحديات داخلية ثقيلة؛ فالبطالة، خاصة في صفوف الشباب، ما تزال مرتفعة، والاقتصاد يعاني تبعية كبيرة للمحروقات، رغم الثروة النفطية والغازية، كما تثير أوضاع حرية الصحافة أسئلة متزايدة. وهي تحديات تجعل الأولوية الحقيقية هي تحسين ظروف عيش الجزائريين وتنويع الاقتصاد، لا إبقاء الرأي العام أسير صراع مفتوح مع المغرب.

أما العلاقات المغربية الموريتانية، فلا ينبغي أن تتحول إلى رهينة للشائعات والتأويلات. فالمصالح المشتركة والجوار الجغرافي يفرضان تعزيز التعاون، فيما تظل المواقف الرسمية المرجع الأساسي لتحديد حقيقة أي خلاف. ولن تؤدي محاولات التشويش، مهما تعددت واجهاتها، إلا إلى إهدار فرص التقارب المغاربي.

إن المغرب، الذي يعزز حضوره الدبلوماسي ويدافع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لا يحتاج إلى الانجرار وراء كل رواية متداولة، بقدر ما يحتاج إلى مواصلة تحركاته بثبات، وتعزيز شراكاته مع جيرانه. أما النظام الجزائري، فإن معالجة أزماته الداخلية أجدى له من البحث عن خصومات جديدة، لأن الشعوب لا تنتظر من أنظمتها صناعة الأعداء، بل توفير فرص الشغل والتنمية والكرامة.

والواضح أن مستقبل المنطقة لن يصنعه التشويش ولا تأجيج الخلافات، وإنما التعاون واحترام المصالح المتبادلة. وإذا كانت هناك أطراف تراهن على إفساد العلاقة بين المغرب وموريتانيا، فإن الوعي الشعبي والاحتكام إلى الوقائع يظلان أفضل رد على هذه المحاولات.