أيام قليلة ويُحيي المغاربة “عيد الوحدة”، يوم 31 أكتوبر… وهو اليوم الذي أقره الملك محمد السادس للمغاربة احتفاءا بالتكريس الدولي لوحدة الوطن المغربي، عبر قرار مجلس الأمن رقم 2797 يوم 31 أكتوبر من السنة الماضية، والذي كرّس مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا عادلا، واقعيا وسلميا لحل النزاع حول الصحراء المغربية… كرّسه بقرار يعبر عن قناعة الإرادة الدولية بشرعية الحق الوطني المغربي بوحدته الوطنية، أرضا وشعبا…
الشرعية الوطنية في استكمال وحدة التراب الوطني المغربي، حققها المغرب بالمسيرة الشعبية السلمية التي اندفع فيها المغاربة لاسترجاع الأقاليم الجنوبية المغربية من الاستعمار الإسباني في نوفمبر 1975… وعلى مدى نصف قرن، صان المغرب وحدة أقاليمه الصحراوية، بوطنها الأصل، اجتماعيا، ثقافيا، اقتصاديا، عسكريا وديبلوماسيا… وعلى صلابة استماتته تكسرت كل مناورات ومؤامرات ومزاعم وحتى “تعاويذ” الجماعة الانفصالية وضغائن داعميها ومُحركيها… إلى أن اقتنعت الإرادة الدولية بمقترح الحكم الذاتي لتفكيك المنازعة في حقه التاريخي في وحدته…
الوازع السِّلمي قاد سياسات المملكة في تدبيرها لمَفاعيل النزاع… بدأ من المسيرة السلمية التي بها استرجع المغرب أقاليمه الجنوبية سنة 1975، ثم تجاوُب الملك الحسن الثان، سنة 1981، مع نداء إجراء استفتاء سكان تلك الأقاليم، والذي أفشلَته البوليساريو بنَسفها لعملية تحديد هوية من لَهم حق المشاركة فيه… ما حدا بالمبعوث الأممي، الأمريكي، جيمس بيكر إلى إعلان استحالة إجراءه، والدعوة إلى اقْتراح حل آخر للنِّزاع… وصولا إلى اقتراح الملك محمد السادس… حل النزاع بإقرار الحكم الذاتي للأقاليم المعنية، سنة 2007، يضمن تدبير شأنها الداخلي ذاتيا، ضمن السيادة المغربية، بمشاركة كل مكوناتها البشرية، القبَلية والسياسية… مقترح سلمي، يؤمِّن حل النزاع على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، ويفتح “للمتورّط” فيه ممَرًّا مُشرفا للانصراف منه وعنه…
قرار مجلس الأمن للسنة الماضية 2797، تأسَّس على الإرادة المغربية السلمية، المُمارسة والمعلنَة، فضلا على حاجة دولية إلى إخماد موْقد نزاع شاذ عن المخاضات الجيواستراتيجية الدولية، وأيضا تأسَّس على استقطاب المغرب لاهتمام كل القوى الدولية الفاعلة والمؤثرة، وهي تلاحظ استقرار نظامه السياسي على قاعدة رسوخِ وفعالية مُؤسّساته الدستورية، وتكريس الاختيار الديمقراطي فيه. وهي، أيضا، تتابع تطورات مُمكناته الاقتصادية وتتفاعل مع إنتاجية روافعها، وتستفيد من مرونة حركيَّتِه في التضاريس المتحركة للتدافُعات الدولية، بما يُمكنه من إعمال التوازن الإيجابي داخلها، وهو ما يفعل في أنَّ تلك القوى الدولية الفاعلة تلتقي معه وحوله وليس ضده…
قرار مجلس الأمن 2797، رأى فيه الملك محمد السادس، وعن حق وعمق نظر، أنه تأتّى بع نصف قرن من صمود المغاربة في صون وحدة وطنهم، بمفعول قوة الحق وبممارسة الحق في القوة الوحدوية، السياسية، الاقتصادية والاجتماعية والأمنية… فأقرَّه عيدا وطنيا للوحدة، لدوام الاحتفاء والاقتداء به معا ودائما… لأنه قرار بمنشَئ وصلاحية تاريخيين… ولم يقل أحد بأن الحكم الذاتي ستتوفر له طريق التنزيل، تلقائيا، غدًا… غير أنه أبْطل، وللأبد، كل ما كان للانفصال من أوْهام الأمْس… هو اليوْم المسارُ الوحيد المفتوح لحل النِّزاع…
ما كان متوقعا، وحدث، هو أن البوليساريو والجزائر معا سيحاولان معاندة الإرادة الدولية، غير أنهما، لا شك، يعرفان أن تلك الإرادة تملك ما يمَكّنُها به الدفاع عن نفسها…
هي مُجرّد هوامش صبْرٍ دوْلي له مَحدودية بضغط من استعجالات تحوُّلات وحاجات الوضع الدولي في هذه المنطقة، بالذات، المتقاطعة الأهمية الاستراتيجية، ما بين شمال إفريقيا والساحل والصحراء الإفريقي بصلتهما مع حوض المتوسط… العالم يرى في هذه المنطقة مصالح ومخاطر وتفاعلات دولية لا تحتمل أنّ عنادا انفصاليا مدعوما بحساسية عدوانية لدولة، يضايق المغرب ويشاغب ضده، وهو المطلوب للفعل الإيجابي في مَخاضات ومصائر تلك المنطقة الحساسة في الخارطة الجيواستراتيجية العالمية…
قبل أسابيع، شغل الاهتمام بتطورات حل نزاع الصحراء المغربية، بَعض المهتمين والمتابعين والمعنيين، ما راج إعلاميا من بعض تصريحات مبعوث الرئيس ترامب وأو بعض فقرات تقرير السيد غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة، في أفق عقد مجلس الأمن جلسته المقررة لنهاية أكتوبر… ذلك الاهتمام تماوَج ما بين الاستفهام أو القلق أو ارتياح الجماعة الانفصالية… ولم تكن مادة ذلك الانشغال في جوهرها خارجة عن خط السير الثابت الذي حفره قرار مجلس الأمن. غير أن بعض المعالجة الإعلامية، المُتَعمّدة في أغلبها، أعملت فيها من اقتطاع جمل عن سياقها، أو تلبيس محتويات بتأويلات تخرجها عن مقاصدها… وما كان ذلك إلا من ضمن محاولات إفراغ القرار 2797 من قوة إشعاعه الإعلامي… وإن كان البعض انزعج من حدة حساسيته الوطنية المغربية الصادقة والحماسية…
الولايات المتحدة الأمريكية، وهي في مجلس الأمن صاحبة قلم صياغة مشروع قرار مجلس الأمن الخاص بنزاع الصحراء المغربية… في مسودة لذلك القرار، وزعتها على الدول أعضاء المجلس، تحضيرا للاجتماع المقرر يوم 30 أكتوبر الجاري، دققت قوة “مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث أساسا وحيدا” لمفاوضات الحل بتنزيل المقترح… ودعوة “الأطراف إلى التعاون الكامل مع الميَسرين، والانخراط بفعالية وبروح بناءة في المفاوضات باستخدام مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا وحيدا للتفاوض وتقديم ردودها استنادا إلى هذا المقترح…” وتلح المسودة لثالث مرة على أن الحكم الذاتي الحقيقي هو الحل الوحيد القابل للتطبيق لقضية الصحراء الغربية…
كان يكفي تلك المسودة أن تكتفي بتلك التأكيدات، لكي يكون القرار المتوقع تأكيدا للقرار 2797، وتوجيه المفاوضات إلى التقيُّد بممكنات تنزيله… لكنها عزّزت إلحاحها على حيوية مقترح الحكم الذاتي، بمقترح تغيير مهمة وبناء بعثة الأمم المتحدة (المينورسو)، وفي ذلك امتداد منطقي لتعيين مقترح الحكم الذاتي مسارا فريدا للحل… وتأكيد آخر، رابع، عليه في قرار واحد… ولم يعد أيّ محل لا للذكر ولا للفعل ولا للإعراب لكلمة الاستفتاء…
البوليساريو استشعرت مضمون تلك المسودة، كاسحة لأساسات وجودها… سارعت إلى رفضها، وأضافت التهديد بالانسحاب من العملية السياسية… والمسودة نفسُها تحسبت لذلك الرفض ولاحتمالات تمطيط المفاوضات أو محاولة إفشالها فأضافت الفقرة التي تقول، باسم مجلس الأمن، “يُعرب عن نيته النظر في اتخاذ تدابير إضافية إذا أخفقت الأطراف في الانخراط بصورة بناءة في المسار السياسي”… وهي دعوة لأول مرة ترد في مشروع قرار أممي بخصوص نزاع الصحراء… ويمكن ترجمتها لمن “استشكلت” عليه، بأن صبر الإرادة الدولية له حدود، وأن هذا النزاع طال وبلا طائل، وعقلاء الفعل الدولي منزهون عن العبَث ولا يطيقونه…
وفي المسودة، فضلا على سعيها للتعبير عن إرادة مجلس الأمن، ما يفيد بأنها إرادة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة… وأنها ليست حاملة للقلم في المجلس عبثا ولا مجانا… علامات تفسير القلق الأمريكي من المشاغبة الانفصالية ضد المغرب تختمر، وزمجراتها تسمع، في الكونغريس…
من واقع التفاعل الدولي العارم والنوعي، كما لاحظت المسودة نفسها، مع مقترح الحل السلمي المغربي… ومن مُحصلة التفاعل المغربي، الواقعي والعملي، مع كل مراكز القوى الدولية… لا يتوقّع أن تنفَذ إلى مسودة القرار تعديلات جوهرية، وبالأحرى، لا يتوقع أن يُستعمل حق النقض ضده…
المسودة ذاهبة للتحول إلى قرار أممي… والمغرب مطمئن، بما يرفع منسوب التفاؤل لديه دون أن يشل ملكة الحذر فيه، لسداد كفاحه الوحدوي، وقد أقنع به العالم وله أن يحتفل بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، مستقبلا قرارا آخر من مجلس الأمن يغذي فرحه بالتكريس الدولي لشرعية وحدة أقاليمه الصحراوية مع وطنها، وبذلك يكون فرحه في هذه الذكرى الأولى تصديقا على فرحه بعيد الوحدة دوما…