كثيرًا ما نسمع أن الإنسان هو المسؤول الأول عن تغيير حياته، وأن النجاح يبدأ من طريقة تفكيره، وأن الظروف مهما كانت صعبة لا ينبغي أن تتحول إلى عذر دائم للفشل. وفي المقابل، هناك من يرى أن الإنسان لا يستطيع تجاوز واقعه بمجرد تغيير أفكاره، ما دامت الظروف الاقتصادية والاجتماعية تحد من خياراته. وبين الرأيين يبرز سؤال يستحق التأمل: هل تكمن المشكلة في طريقة تفكير الإنسان، أم في الواقع الذي يحدد حدود اختياراته؟
في المغرب، تتخذ هذه الإشكالية أبعادًا ملموسة في حياة كثير من الشباب. فقد ينهي شاب دراسته الجامعية حاملًا أحلامًا كبيرة، ليجد نفسه أمام فرص محدودة لا تتناسب مع تطلعاته، أو يضطر إلى قبول عمل لا ينسجم مع مؤهلاته من أجل تأمين احتياجاته الأساسية. وقد يظل آخر سنوات يبحث عن فرصة تتيح له الاستقلال المادي وبناء حياته الخاصة. في مثل هذه الحالات، يصبح الحديث عن الإرادة والنجاح وحدهما غير كافٍ، لأن الطموح لا يتحول دائمًا إلى واقع بمجرد امتلاك الرغبة في تحقيقه.
ولا يعني ذلك أن الإنسان عاجز تمامًا أمام ظروفه، أو أن الواقع يحدد مصيره بصورة نهائية. فقد يواجه شخصان ظروفًا متقاربة، لكنهما يختلفان في طريقة التعامل معها، وفي قدرتهما على اكتشاف البدائل والاستفادة من الفرص المتاحة. غير أن هذا الاختلاف لا يبرر اختزال النجاح في قوة الإرادة، لأن الإمكانات والدعم الاجتماعي والفرص المتاحة ليست متساوية بين الجميع.
تتجلى هذه المفارقة أيضًا في التعليم، الذي يُنظر إليه باعتباره وسيلة أساسية لتحقيق الترقي الاجتماعي. فالتعليم يفتح آفاقًا واسعة، لكنه لا يضمن وحده الحصول على فرصة عمل مناسبة أو تحقيق الاستقلال المادي. وحين يُطلب من الشباب أن يجتهدوا ويطوروا قدراتهم، دون الالتفات إلى الصعوبات التي تواجه انتقالهم من الدراسة إلى سوق العمل، يصبح الخطاب عن المسؤولية الفردية ناقصًا، حتى وإن كانت أهمية الاجتهاد والمبادرة لا تقبل الإنكار.
لكن الاعتراف بهذه الصعوبات لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام لفكرة أن الواقع لا يتغير. فقد يساهم الإنسان، أحيانًا، في إطالة أمد معاناته حين يقتنع بأن المحاولة لا جدوى منها، أو يرفض مراجعة اختياراته، أو يجعل من تجاربه السابقة حكمًا نهائيًا على مستقبله. وهنا تظهر أهمية الوعي، لا باعتباره حلًا سحريًا للمشكلات، بل باعتباره قدرة على فهم الواقع والتمييز بين ما يصعب تغييره وما يمكن العمل على تغييره.
إن أزمة الوعي تبدأ حين يخلط الإنسان بين العجز الحقيقي والاستسلام، مثلما تبدأ أزمة التفكير الاجتماعي حين نحمّل الفرد مسؤولية كل إخفاق، متجاهلين الظروف التي تحد من خياراته. وفي المقابل، فإن رد كل مشكلة إلى الواقع وحده قد يحرم الإنسان من رؤية ما لا يزال في وسعه فعله. وفي الحالتين، نلجأ إلى تفسير واحد لمشكلات تتداخل فيها عوامل متعددة.
لذلك، لا يمكن بناء مجتمع أكثر إنصافًا بمجرد مطالبة أفراده بتغيير طريقة تفكيرهم، كما لا يمكن تحقيق التقدم بإقناعهم بأن الظروف وحدها تتحكم في مصائرهم. نحن بحاجة إلى وعي فردي يساعد الإنسان على المبادرة والمراجعة، وإلى سياسات ومؤسسات توسع فرص التعليم والعمل، وتحد من الفوارق التي تجعل الانطلاق نحو المستقبل أسهل لبعض الناس منه لآخرين.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل أزمتنا أزمة وعي أم أزمة واقع؟ بل كيف يؤثر كل منهما في الآخر؟ فالواقع قد يحد من خيارات الإنسان، لكن وعيه يساعده على فهم حدوده والبحث عن إمكانات التغيير. والوعي، مهما بلغت أهميته، يحتاج إلى ظروف تسمح له بأن يتحول إلى فعل.
إن الإنصاف يقتضي ألا نلوم الإنسان على كل ما يعجز عنه، وألا نعفيه في الوقت نفسه من كل ما يستطيع فعله. فالتغيير لا يبدأ بإنكار صعوبة الواقع، ولا بالاستسلام له، بل بفهمه كما هو، ومراجعة ما يمكن مراجعته، والعمل على توسيع مساحة الممكن، فرديًا ومجتمعيًا.