بين نشوء التنافي واكتمال أثره.. أثر الإعفاء الحكومي على شغور المقعد البرلماني
وجهة نظر

بين نشوء التنافي واكتمال أثره.. أثر الإعفاء الحكومي على شغور المقعد البرلماني

أثارت الواقعة الدستورية التي شهدها المغرب، عقب تعيين نائبة برلمانية عضواً في الحكومة الجديدة، ثم إعفائها من مهامها بعد يومين فقط من تاريخ سريان تعيينها، إشكالاً قانونياً ودستورياً بالغ الدقة، يتجاوز خصوصية النازلة وما أحاط بها من ملابسات سياسية، ليمس أحد الجوانب الجوهرية في تنظيم العلاقات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويتعلق الأمر بالطبيعة القانونية لحالة التنافي بين العضوية البرلمانية والصفة الحكومية، وبالآثار المترتبة عن نشوئها وزوالها، وحدود تدخل القضاء الدستوري في التصريح بشغور المقعد البرلماني. فقد تضمن العدد 7554 من الجريدة الرسمية، الصادر بتاريخ 22 أكتوبر 2026، الظهير الشريف رقم 1.26.91 الصادر في 21 أكتوبر 2026، والمتعلق بتعيين أعضاء الحكومة، مع تحديد تاريخ 16 أكتوبر 2026 بداية لسريان التعيين، كما تضمن الظهير الشريف رقم 1.26.93 الصادر في التاريخ نفسه، والقاضي بإعفاء المعنية بالأمر من مهامها الحكومية ابتداء من 18 أكتوبر 2026، بما يجعلنا أمام وضعية قانونية استثنائية نشأت فيها الصفة الحكومية وانتهت خلال فترة زمنية قصيرة، وقبل أن يتأتى استكمال المسطرة الدستورية المتعلقة بالتصريح بشغور المقعد البرلماني.

وتنبع أهمية هذه النازلة من كونها تضع المقتضيات الدستورية والتنظيمية المتعلقة بحالات التنافي أمام اختبار تفسيري لم يسبق أن عالجته الاجتهادات القضائية الدستورية المتاحة بصورة مباشرة، ذلك أن الحالات التي عرضت سابقاً على المجلس الدستوري والمحكمة الدستورية كانت تتعلق، في الغالب، بنواب عينوا أعضاء في الحكومة واستمرت صفتهم الحكومية قائمة عند نظر القضاء الدستوري في طلبات التصريح بشغور مقاعدهم. أما الحالة الراهنة فتتميز بانتهاء السبب الذي أنشأ حالة التنافي قبل صدور أي قرار قضائي بشأنها، مما يطرح تساؤلاً مركزياً حول ما إذا كان مجرد التعيين الحكومي، ولو لمدة وجيزة، يرتب بحكم القانون أثراً نهائياً يتمثل في فقدان العضوية البرلمانية، أم أن هذا الأثر يظل مرتبطاً بالتصريح القضائي بالشغور، بما يقتضي التحقق من استمرار الحالة القانونية التي تبرره عند نظر المحكمة الدستورية في الطلب. ويتفرع عن هذا التساؤل إشكال آخر يرتبط بتحديد الطبيعة القانونية لقرار التصريح بالشغور، وما إذا كان قراراً كاشفاً عن وضع قانوني تحقق بمجرد التعيين، أم قراراً منشئاً لمركز قانوني جديد، فضلاً عن مسألة الأثر الزمني للظهائر الملكية، ومدى إمكانية الاعتداد بانتهاء المهام الحكومية قبل نشر قرار التعيين والإعفاء في الجريدة الرسمية.

ويقتضي تناول هذه الإشكالات الانطلاق من الأساس الدستوري الذي يحكم حالات التنافي، باعتبارها إحدى الضمانات المؤسسية المقررة لصيانة استقلال السلطة التشريعية وتدعيم التوازن بينها وبين السلطة التنفيذية. فالفصل الأول من دستور 2011 جعل النظام الدستوري للمملكة قائماً على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، بينما أناط الفصل 62 بالقانون التنظيمي تحديد حالات التنافي المتعلقة بعضوية مجلس النواب. وفي هذا الإطار، جاءت المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب كما تم تغييره وتتميمه لتقرر بصورة صريحة تنافي العضوية في المجلس مع صفة عضو في الحكومة، وتنص على أن المحكمة الدستورية تعلن، بطلب من رئيس مجلس النواب، داخل أجل شهر، شغور مقعد النائب الذي يعين عضواً في الحكومة. ويكشف هذا المقتضى عن اختيار تشريعي يرمي إلى منع الجمع بين مركزين دستوريين مختلفين من حيث مصدر الشرعية وطبيعة الاختصاصات والمسؤوليات، بالنظر إلى أن النائب البرلماني يستمد صفته من الانتخاب، ويشارك في ممارسة الوظيفة التشريعية ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، في حين يستمد عضو الحكومة صفته من التعيين الملكي وفق أحكام الفصل 47 من الدستور، ويتحمل مسؤولية المشاركة في ممارسة السلطة التنفيذية، ليشكل بذلك التنافي ضمانة لاستقلال المؤسسة التشريعية، ويحول دون قيام وضعية مؤسسية تجمع فيها الشخصية نفسها بين ممارسة الرقابة والمشاركة في العمل الخاضع لهذه الرقابة.

غير أن تحديد الغاية الدستورية من إقرار التنافي لا يكفي وحده لحسم جميع آثاره القانونية، ذلك أن ثمة تمييزاً ضرورياً بين عدم جواز الجمع بين الصفتين، وبين فقدان العضوية البرلمانية بصورة نهائية. فالأولى تتعلق بوضعية موضوعية تنشأ نتيجة اجتماع صفتين متعارضتين قانوناً، بينما تتعلق الثانية بمصير انتداب انتخابي مستمد من الاقتراع العام، أحاطه المشرع بمسطرة قضائية خاصة وأسند البت فيه إلى المحكمة الدستورية. ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة عند استحضار أن المادة 14 لم تكتف بإقرار قاعدة التنافي، وإنما ربطت التصريح بشغور المقعد بتدخل جهة قضائية دستورية، بناء على طلب صادر عن رئيس مجلس النواب. ويستفاد من هذا البناء التشريعي أن وجود سبب التنافي والتصريح بالشغور يمثلان مرحلتين قانونيتين متمايزتين، وإن كانتا مترابطتين من حيث الأساس والغاية، الأمر الذي يستوجب البحث في طبيعة العلاقة بينهما وفي مدى تأثير زوال السبب الأصلي على استكمال المسطرة المقررة لترتيب الأثر النهائي.

وقد ساهم الاجتهاد القضائي الدستوري المغربي في ضبط بعض عناصر هذه العلاقة، ولا سيما من خلال القرار رقم 825/12، الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 2 يناير 2012، بشأن طلب التصريح بشغور المقعد البرلماني الذي كان يشغله عبد الإله بنكيران عقب تعيينه رئيساً للحكومة. فقد انتهى المجلس، بعد استحضار أحكام الفصول 47 و87 و88 من الدستور، إلى أن الحكومة الجديدة لا تكون مشكلة دستورياً إلا بعد تعيين أعضائها من طرف الملك باقتراح من رئيسها، وأن صفة عضو في الحكومة لا تثبت لرئيسها وأعضائها إلا ابتداء من تاريخ هذا التعيين، ولذلك اعتبر أن حالة التنافي لم تكن قائمة عند تقديم طلب التصريح بالشغور، لكون الحكومة الجديدة لم تكن قد تشكلت بعد. وتبرز الأهمية التفسيرية لهذا القرار في أنه ربط نشوء الصفة الحكومية بالتعيين الدستوري للحكومة، وجعل تحقق هذه الصفة شرطاً لازماً لقيام حالة التنافي، كما أكد أن أجل الشهر المقرر في المادة 14 لا يبدأ سريانه قبل تحقق التعيين المعني. والأهم من ذلك أن المجلس الدستوري اعتمد وجود الحالة القانونية عند نظره في الطلب معياراً لتقدير مدى قيام التنافي، وهو معطى يمكن استحضاره في مناقشة النازلة الراهنة، مع مراعاة الاختلاف الجوهري بين الحالتين، إذ تعلق الأمر سنة 2012 بصفة حكومية لم تكن قد نشأت بعد، بينما نحن اليوم أمام صفة نشأت ثم انتهت قبل استكمال المسطرة القضائية.

وتعزز هذا التوجه في الاجتهاد اللاحق للمحكمة الدستورية، خاصة في قرارها رقم 141/21 الصادر بتاريخ 2 نونبر 2021، الذي صرحت بمقتضاه بشغور المقاعد البرلمانية لستة نواب بعد تعيينهم أعضاء في الحكومة بتاريخ 7 أكتوبر 2021، من بينهم عبد اللطيف وهبي ونزار بركة وفاطمة الزهراء المنصوري. فقد استندت المحكمة إلى الظهير الشريف المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة، واعتبرت أن اكتساب الصفة الحكومية جعل المعنيين بالأمر في وضعية تناف مع العضوية البرلمانية، ورتبت على ذلك التصريح بشغور مقاعدهم ودعوة المترشحين الموالين في اللوائح المعنية إلى شغلها وفق أحكام المادة 90 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب. وسارت المحكمة في الاتجاه نفسه بموجب قرارها رقم 246/24 الصادر بتاريخ 19 نونبر 2024، الذي صرحت بمقتضاه بشغور المقاعد البرلمانية لخمسة نواب عينوا أعضاء في الحكومة بتاريخ 23 أكتوبر 2024، معتبرة أن التعيين الحكومي يشكل الواقعة القانونية التي تجعل النائب في وضعية تناف مع عضويته في مجلس النواب. وتؤكد هذه الاجتهادات استقرار القضاء الدستوري على اعتماد التعيين الحكومي معياراً موضوعياً لقيام التنافي، غير أن دلالتها ينبغي أن تظل محكومة بنطاق الوقائع التي عالجتها، إذ لم تكن المحكمة مدعوة في أي من هاتين الحالتين إلى تقدير أثر انتهاء المهام الحكومية قبل صدور قرارها. ومن ثم فإن الاستناد إلى هذه السوابق لإثبات أن التعيين يشكل سبباً للتنافي يظل استدلالاً سليماً، بينما يحتاج توظيفها للجزم بفقدان المقعد بصورة نهائية في حالة انتهاء الصفة الحكومية قبل البت القضائي إلى بناء تفسيري إضافي.

وتزداد أهمية هذا التمييز عند الرجوع إلى القرار التأسيسي رقم 817/11 الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 13 أكتوبر 2011، بمناسبة مراقبة دستورية القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والذي يشكل أحد أبرز الاجتهادات المؤطرة للعلاقة بين العضوية البرلمانية والمسؤولية الحكومية. فقد تضمنت الصيغة الأصلية للمادة 14 مقتضى يسمح للنائب الذي عين عضواً في الحكومة باسترجاع صفته البرلمانية، بحكم القانون، بعد انتهاء مهامه الحكومية، وفق شروط محددة، بما كان سيؤدي عملياً إلى جعل انتداب المترشح الذي عوضه مؤقتاً وقابلاً للانتهاء بمجرد عودة صاحب المقعد الأصلي. غير أن المجلس الدستوري قضى بعدم مطابقة هذا المقتضى للدستور، تأسيساً على أن الدستور لا يسمح بإقرار نيابة برلمانية مؤقتة، وأن هذا النظام يتعارض مع مبدأ المساواة بين أعضاء مجلس النواب، فضلاً عن أن الصبغة النهائية لقرارات المحكمة الدستورية، وفق الفصل 134 من الدستور، تجعل التصريح بشغور المقعد نهائياً، بما يحول دون استرجاعه من طرف شاغله السابق خلال الفترة الانتدابية نفسها. وقد أفضى هذا الاجتهاد إلى استبعاد نظام الاسترجاع التلقائي للمقعد بعد انتهاء المهام الحكومية، وتكريس استقرار الانتداب البرلماني الناتج عن مسطرة التعويض.

غير أن القراءة الدقيقة لهذا القرار تفرض التمييز بين الحالة التي حسم فيها المجلس الدستوري، والمتعلقة باسترجاع المقعد بعد التصريح النهائي بشغوره، وبين الحالة التي تطرحها النازلة الحالية، والمتعلقة بزوال الصفة الحكومية قبل صدور القرار القضائي. فحجية الشيء المقضي به ونهائية القرارات الدستورية لا يمكن أن تنتجا آثارهما إلا في الحدود التي صدر فيها القرار القضائي، ولذلك فإن الاستناد إلى الفصل 134 لإقرار عدم إمكانية استرجاع المقعد بعد التصريح بشغوره يظل منسجماً مع منطوق القرار رقم 817/11 وحيثياته، في حين أن توظيف المبدأ نفسه لاعتبار العضوية البرلمانية منتهية بصورة نهائية بمجرد التعيين الحكومي يثير إشكالاً تفسيرياً مختلفاً. ذلك أن القرار المذكور أكد نهائية التصريح بالشغور، ولم يحسم بصورة صريحة ما إذا كان انتهاء سبب التنافي قبل هذا التصريح يحول دون صدوره. وتبرز هنا أهمية عدم الخلط بين ثلاث لحظات قانونية متمايزة:

 لحظة نشوء حالة التنافي بفعل التعيين الحكومي.
 لحظة تدخل المحكمة الدستورية للتصريح بالشغور.
 لحظة استقرار الوضع القانوني الجديد للمقعد بعد صدور القرار القضائي وترتيب آثار التعويض.

فالقول بنهائية المرحلة الثالثة لا يجيب بالضرورة عن جميع الإشكالات المتعلقة بالمرحلتين السابقتين.

ومن هذه الزاوية، تبرز مسألة الطبيعة القانونية لقرار المحكمة الدستورية باعتبارها المحور الحاسم في تحليل النازلة، فإذا اعتبر التصريح بالشغور قراراً كاشفاً عن وضع قانوني تحقق بصورة مكتملة بمجرد التعيين الحكومي، فإن تدخل المحكمة يقتصر على معاينة واقعة التنافي وترتيب النتائج القانونية التي سبق أن أوجبها القانون، بما قد يسمح بالتصريح بالشغور حتى بعد انتهاء الصفة الحكومية، طالما ثبت أن هذه الصفة نشأت في تاريخ سابق. ويجد هذا التفسير ما يدعمه في الصياغة الآمرة للمادة 14، التي تربط طلب الشغور بواقعة تعيين النائب عضواً في الحكومة، وفي الاجتهادات التي جعلت التعيين أساساً مباشراً للتصريح بالشغور. كما يتوافق مع الاعتبارات المتعلقة باستقرار المراكز القانونية، إذ يحول دون اختلاف مصير العضوية البرلمانية تبعاً للمدة التي تستغرقها إجراءات الإحالة والبت، أو تبعاً لسرعة اتخاذ قرار إنهاء المهام الحكومية. وبمقتضى هذا التصور، يكون التعيين قد أنشأ سبباً قانونياً كاملاً للتصريح بالشغور، ولا يؤدي الإعفاء اللاحق إلى محو الواقعة التي نشأ عنها هذا السبب.

أما إذا اعتبر التصريح بالشغور تدخلاً قضائياً لازماً لاكتمال الأثر النهائي لحالة التنافي، فإن انتهاء الصفة الحكومية قبل صدور القرار يطرح إمكانية الاعتداد بزوال الوضعية الموضوعية التي بررت تحريك المسطرة. ويستند هذا الاتجاه إلى أن المادة 14، رغم صيغتها الآمرة، أسندت الاختصاص إلى المحكمة الدستورية، ولم تتضمن نصاً صريحاً يقضي بزوال العضوية البرلمانية نهائياً وبصورة تلقائية منذ تاريخ التعيين، بصرف النظر عن تدخل القضاء الدستوري. كما أن فقدان الانتداب البرلماني، بالنظر إلى طبيعته التمثيلية ومصدره الانتخابي، يقتضي قراءة دقيقة للمقتضيات التي تنظمه، تضمن عدم التوسع في ترتيب آثار نهائية تتجاوز الحالات التي حددها المشرع. وفي هذا السياق، يمكن الدفع بأن المحكمة الدستورية، عند نظرها في طلب الشغور، تكون مدعوة إلى التحقق من الوضع القانوني الكامل للمعني بالأمر، بما يشمل واقعة التعيين وواقعة انتهاء المهام الحكومية، وتقدير أثرهما على استمرار موجب التصريح بالشغور. غير أن هذا التفسير يواجه بدوره صعوبة تتمثل في احتمال ربط النتائج القانونية لحالة التنافي بعامل زمني إجرائي، بحيث يؤدي اختلاف تاريخ صدور القرار القضائي إلى نتائج متباينة بالنسبة إلى وضعيات نشأت عن الواقعة القانونية نفسها.

وتكشف هذه المفاضلة عن تعارض ظاهري بين اعتبارين دستوريين يستحقان الحماية، يتمثل الأول في استقلال المؤسسة التشريعية وعدم السماح بأن يصبح مصير الانتداب البرلماني رهيناً بالتعيينات والإعفاءات الحكومية، بينما يتمثل الثاني في حماية الشرعية الانتخابية وعدم ترتيب فقدان نهائي للمقعد على وضعية مؤقتة انتهت قبل تدخل الجهة القضائية المختصة. وتبرز أهمية الموازنة بين الاعتبارين عندما نستحضر أن العضوية البرلمانية ليست مجرد مركز قانوني شخصي للنائب المنتخب، وإنما هي أيضاً تعبير مؤسسي عن إرادة الناخبين وعن التمثيلية السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع. وفي المقابل، فإن إقرار التنافي يهدف إلى ضمان وضوح الانتماء المؤسسي للنائب عند انتقاله إلى ممارسة المسؤولية الحكومية، وتفادي استمرار وضعيات يمكن أن تمس استقلال البرلمان أو تخل بالتوازن بين السلط. ولذلك فإن التفسير الدستوري الأكثر انسجاماً ينبغي أن ينطلق من وحدة هذه المبادئ وتكاملها، وأن يتجنب تحويل التنافي إلى مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه بإنهاء سريع للمهام الحكومية، كما ينبغي أن يتجنب استخلاص آثار نهائية من مجرد واقعة التعيين دون تحديد الأساس القانوني الذي يجعل تلك الآثار مكتملة قبل تدخل المحكمة الدستورية.

وتطرح النازلة، فضلاً عن ذلك، إشكالاً مستقلاً يتعلق بالأثر الزمني للظهائر الملكية المنظمة للتعيين والإعفاء. فالظهيران المعنيان صدرا بتاريخ 21 أكتوبر 2026 ونشرا في الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر، بينما حدد الأول تاريخ 16 أكتوبر بداية لسريان التعيين، وحدد الثاني تاريخ 18 أكتوبر بداية لسريان الإعفاء. ويترتب على هذا التحديد تمييز ضروري بين تاريخ صدور القرار، وتاريخ نشره، وتاريخ سريان آثاره القانونية، وهي تواريخ قد تتطابق في بعض الحالات وقد تختلف في حالات أخرى بحسب طبيعة التصرف القانوني ومضمونه. وفي النازلة المعروضة، فإن كلا الظهيرين يحددان صراحة تاريخاً سابقاً على تاريخ صدورهما، بما يقتضي بحث مدى الاعتداد بهذين التاريخين عند تطبيق المادة 14 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب. غير أن مجرد القول إن التعيين والإعفاء نشرا في العدد نفسه من الجريدة الرسمية لا يكفي، في حد ذاته، لاستنتاج أن الصفة الحكومية لم تنشأ، أو أن أثرها قد زال بأثر رجعي بصورة تمحو جميع النتائج القانونية المترتبة عنها. فالظهير المتعلق بالإعفاء أنهى المهام الحكومية ابتداء من تاريخ محدد، دون أن يتضمن، بحسب المعطيات المنشورة، إلغاءً للتعيين من أصله أو تقريراً بانعدام آثاره القانونية خلال الفترة السابقة. وبذلك تظل الفترة الممتدة بين تاريخي سريان التعيين والإعفاء عنصراً قائماً في التحليل، يستوجب تحديد الأثر القانوني الذي يمكن أن يرتبه القضاء الدستوري على العضوية البرلمانية.

ويتعين في هذا الصدد التمييز بين الإعفاء من المهام الحكومية، باعتباره تصرفاً دستورياً ينهي الصفة الحكومية وفق الفصل 47، وبين إلغاء قرار التعيين أو سحبه، باعتبارهما فرضيتين تختلفان من حيث المضمون والآثار القانونية. فالإعفاء يفترض وجود مركز قانوني نشأ بصورة صحيحة ثم انتهى في تاريخ لاحق، بينما يثير إلغاء التعيين من أصله، إن تحقق وفق سند قانوني معتبر، مسألة مختلفة تتعلق بإمكان زوال أساس اكتساب الصفة الحكومية. ومن ثم، فإن انتهاء المهام الحكومية لا يؤدي بالضرورة إلى اعتبار التعيين كأنه لم يكن، كما أن ثبوت قيام الصفة الحكومية خلال فترة محددة لا يحسم وحده مسألة فقدان العضوية البرلمانية بصورة نهائية. وتستمد هذه التفرقة أهميتها من ضرورة المحافظة على استقلال الآثار القانونية لكل تصرف دستوري، وعدم الخلط بين سلطة التعيين والإعفاء من جهة، والاختصاص القضائي المقرر للتصريح بشغور المقعد من جهة أخرى. فالفصل 47 ينظم اكتساب الصفة الحكومية وانتهاءها، بينما تحدد المادة 14 آثار التعيين على العضوية البرلمانية، وهو ما يجعل التفسير المنسجم للمقتضيين ضرورياً لتحديد الوضع القانوني الناتج عن تعاقب التعيين والإعفاء خلال مدة وجيزة.

وتبرز، في هذا السياق، مسألة اختصاص رئيس مجلس النواب في تحريك مسطرة التصريح بالشغور، وحدود الأجل المقرر قانوناً لذلك. فقد أسندت المادة 14 طلب التصريح بالشغور إلى رئيس المجلس، وحددت أجل شهر لتدخل المحكمة الدستورية، دون أن تتضمن تنظيماً صريحاً للحالة التي تنتهي فيها المهام الحكومية قبل تقديم الطلب أو قبل البت فيه. ويثير هذا الصمت التشريعي سؤالاً حول مدى التزام رئيس المجلس بإحالة وضعية نائب ثبت تعيينه في الحكومة، رغم انتهاء مهامه قبل الإحالة، وما إذا كان بإمكان المحكمة اعتبار زوال الصفة الحكومية عنصراً مؤثراً في موضوع الطلب. وتكتسي هذه المسألة أهمية مؤسسية لأن ترك تحديد مصير العضوية البرلمانية لمجرد الامتناع عن الإحالة، أو لاعتبارات الملاءمة المرتبطة بتوقيتها، قد يمس مبدأ الأمن القانوني ويؤدي إلى تفاوت غير مبرر بين الحالات المتشابهة. وفي المقابل، فإن افتراض وجوب التصريح بالشغور في جميع الأحوال، دون مناقشة أثر انتهاء الصفة الحكومية قبل صدور القرار، قد يؤدي إلى تجاوز الإشكال الدقيق الذي تثيره طبيعة تدخل المحكمة. ولذلك يبدو أن مباشرة المسطرة القضائية، متى توافرت شروطها القانونية، تتيح للقضاء الدستوري فرصة تحديد القاعدة الواجب تطبيقها على هذه الفرضية الاستثنائية، بما يضمن إخضاعها لتفسير قضائي معلل وقابل للتعميم على الحالات المماثلة مستقبلاً.

وإذا كان من الممكن الاستئناس ببعض التجارب الدستورية المقارنة، فإن ذلك يستلزم مراعاة الاختلافات البنيوية بين الأنظمة القانونية. ففي فرنسا، على سبيل المثال، نظم الإصلاح الدستوري لسنة 2008 مسألة عودة العضو البرلماني الذي عين في الحكومة إلى مقعده بعد انتهاء مهامه، وفق أحكام الفصل 25 من الدستور الفرنسي والنصوص التنظيمية المكملة له، وذلك في إطار نظام يسمح بتعويض البرلماني المعين في الحكومة بصورة مؤقتة، مع تحديد شروط استعادة المقعد. غير أن المشرع المغربي اختار، في ظل دستور 2011، مساراً مختلفاً، بعد أن استبعد المجلس الدستوري بموجب قراره رقم 817/11 إمكانية إقرار نيابة برلمانية مؤقتة تنتهي بانتهاء المهام الحكومية لصاحب المقعد الأصلي. ومن ثم فإن استحضار التجربة الفرنسية يفيد في إبراز تعدد الحلول الدستورية الممكنة، وفي بيان أن طبيعة العلاقة بين العضوية البرلمانية والمسؤولية الحكومية ليست واحدة في جميع الأنظمة، دون أن يسمح بنقل الحل الفرنسي إلى النظام المغربي أو اعتباره أساساً لتجاوز الحجية الملزمة للاجتهاد الدستوري الوطني. وتؤكد هذه المقارنة أن المشرع المغربي جعل استقرار العضوية البرلمانية بعد التصريح بشغورها اعتباراً أساسياً، غير أن ذلك لا يعفي من ضرورة تحديد الأثر القانوني لحالة التنافي التي تنتهي قبل هذا التصريح.

وعلى مستوى التقييم القانوني، يبدو أن الصياغة الحالية للمادة 14 تمنح الاتجاه القائم على الاعتداد بالتعيين الحكومي أساساً نصياً قوياً، بالنظر إلى أن المشرع ربط التصريح بالشغور بواقعة تعيين النائب عضواً في الحكومة، ولم يشترط صراحة استمرار الصفة الحكومية إلى غاية صدور قرار المحكمة الدستورية. كما أن الاتجاه العام للاجتهاد الدستوري، وخاصة القراران رقم 141/21 ورقم 246/24، يجعل التعيين أساساً مباشراً للتصريح بالشغور، وهو ما يعزز القول بأن الواقعة المنشئة للتنافي تكتسب أهمية حاسمة في ترتيب الآثار المقررة قانوناً. غير أن هذا الترجيح النصي والاجتهادي لا يسمح بإغفال خصوصية النازلة الراهنة، لأن القرارات السابقة لم تكن بصدد حالة انتهت فيها المهام الحكومية قبل البت في طلب الشغور، ولم تتناول بصورة صريحة الطبيعة الكاشفة أو المنشئة للتصريح القضائي من زاوية أثر زوال سبب التنافي قبل صدوره. ولذلك فإن القول بأن النائبة فقدت عضويتها البرلمانية نهائياً بمجرد تعيينها، دون حاجة إلى تدخل المحكمة الدستورية، يبدو متجاوزاً لما تسمح به القراءة الدقيقة للمادة 14، بينما يظل القول بإمكان التصريح بالشغور رغم الإعفاء اللاحق أطروحة قانونية جدية تجد سندها في ظاهر النص وفي منطق الاجتهاد السابق، وتحتاج إلى حسم قضائي في ضوء خصوصية الوقائع.

ويكشف هذا الوضع عن حاجة فعلية إلى تطوير الاجتهاد الدستوري في اتجاه توضيح اللحظة القانونية التي يكتمل فيها أثر التنافي على الانتداب البرلماني، ومدى ارتباط هذا الأثر باستمرار الصفة الحكومية. فالقضاء الدستوري مدعو، عند عرض النازلة عليه، إلى تحديد ما إذا كانت المادة 14 قد أقرت سبباً موضوعياً نهائياً للشغور بمجرد التعيين، بحيث يكون تدخل المحكمة كاشفاً عن أثر ترتب منذ نشوء الصفة الحكومية، أم أن التصريح بالشغور يمثل مرحلة قانونية يتعين عندها تقدير جميع المعطيات المؤثرة في استمرار حالة التنافي. كما يتعين أن يشمل هذا التفسير طبيعة الأثر الزمني للتعيين والإعفاء، وحدود الاحتجاج بالقرار رقم 817/11 في الحالات التي لم يسبق أن صدر فيها تصريح نهائي بالشغور، ومدى انعكاس كل ذلك على استقرار الانتداب البرلماني وحماية الإرادة الانتخابية. وتكمن أهمية هذا الاجتهاد المنتظر في أنه قد يؤسس لقاعدة عامة تتجاوز النازلة الشخصية، وتحدد كيفية التعامل مع حالات التعيين الحكومي قصير المدة، بما يحول دون اختلاف تطبيق النصوص باختلاف الظروف السياسية أو سرعة استكمال الإجراءات.

إن المسألة، في جوهرها، تتعلق بضبط العلاقة بين واقعة دستورية تتمثل في اكتساب الصفة الحكومية، وبين أثر قانوني بالغ الأهمية يتمثل في إنهاء انتداب برلماني مستمد من الاقتراع العام. فالحرص على حماية استقلال البرلمان يقتضي عدم تحويل حالات التنافي إلى أوضاع قابلة للتجاوز عن طريق ترتيبات زمنية متعاقبة، مثلما أن حماية الشرعية الانتخابية تستوجب وضوح الأساس القانوني الذي يرتب فقدان المقعد، خاصة عندما تكون الصفة الحكومية قد انتهت قبل تدخل القضاء الدستوري. وتقتضي القراءة المنسجمة للدستور والقانون التنظيمي المحافظة على التوازن بين هذين الاعتبارين، من خلال إقرار أن التعيين الحكومي واقعة قانونية منشئة للتنافي، مع التمييز بين هذه الواقعة وبين اكتمال الأثر النهائي المتعلق بشغور المقعد، الذي أسند المشرع التصريح به إلى المحكمة الدستورية. ومن شأن هذا التمييز أن يمنع التوسع في الاستنتاجات المستمدة من الاجتهادات السابقة، ويحافظ في الوقت نفسه على فعاليتها في تأطير الحالات التي نشأت بشأنها.

وإذا كانت النازلة قد كشفت عن حدود التنظيم التشريعي الحالي، فإنها تفتح أيضاً نقاشاً حول مدى الحاجة إلى تدخل المشرع التنظيمي لتوضيح الآثار القانونية المترتبة على انتهاء المهام الحكومية قبل استكمال مسطرة التصريح بالشغور. فقد عالجت المادة 14 الحالة المعتادة التي ينتقل فيها النائب من المؤسسة التشريعية إلى الحكومة، ورتبت عليها مسطرة واضحة من حيث الجهة المختصة والنتيجة القانونية، لكنها لم تنظم صراحة جميع الفرضيات التي يمكن أن تنشأ عن تعاقب التعيين والإعفاء خلال فترة قصيرة. ويستوجب الأمن القانوني أن تكون القواعد المنظمة لفقدان العضوية البرلمانية محددة بصورة تسمح للنواب والمؤسسات والناخبين بمعرفة النتائج التي يرتبها الانتقال إلى المسؤولية الحكومية، دون أن يصبح مصير المقعد متوقفاً على اختلاف التفسيرات أو على توقيت الإجراءات. غير أن أي تدخل تشريعي محتمل ينبغي أن يحترم الحدود التي رسمها القرار رقم 817/11، ولا سيما عدم جواز إقرار نيابة برلمانية مؤقتة أو السماح باسترجاع المقعد بعد التصريح النهائي بشغوره، مع إمكانية توضيح المسطرة المتعلقة بالحالات التي ينتهي فيها سبب التنافي قبل صدور هذا التصريح، إذا كان ذلك منسجماً مع أحكام الدستور.

وخلاصة القول إن واقعة تعيين نائبة برلمانية عضواً في الحكومة ثم إعفائها بعد يومين تطرح إشكالاً دستورياً مركباً، يتصل بنشوء حالة التنافي، والأثر الزمني للتعيين والإعفاء، والطبيعة القانونية للتصريح القضائي بالشغور، وحدود حجية الاجتهادات السابقة. وإذا كانت المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 كما تم تغييره وتتميمه والاجتهادات الصادرة بشأنها تؤكد أن التعيين الحكومي هو الواقعة المنشئة للتنافي، فإن القرار رقم 817/11 يحسم بصورة واضحة نهائية الشغور بعد التصريح به، دون أن يقدم، بمفرده، جواباً صريحاً عن أثر زوال الصفة الحكومية قبل صدور القرار القضائي. وتبعاً لذلك، فإن الحسم في النازلة الراهنة يقتضي التمييز بين ثبوت حالة التنافي خلال الفترة التي اكتسبت فيها المعنية بالأمر الصفة الحكومية، وبين الجزم بفقدان عضويتها البرلمانية بصورة نهائية، مع استحضار أن الاختصاص الدستوري في التصريح بالشغور يعود إلى المحكمة الدستورية وفق المسطرة المقررة قانوناً.

وبذلك، فإن الرهان الحقيقي الذي تثيره هذه الواقعة يتجاوز مصير مقعد برلماني بعينه، ليضع القضاء الدستوري أمام مسؤولية تطوير تفسير منسجم للمقتضيات المنظمة للعلاقة بين العضوية البرلمانية والمسؤولية الحكومية، يضمن احترام مبدأ الفصل بين السلط، ويصون استقرار المراكز القانونية، ويحمي الإرادة الانتخابية، ويمنع أن تصبح آثار التعيين والإعفاء الحكوميين مصدراً لعدم اليقين بشأن وضعية المؤسسة التشريعية. ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الدستورية للنازلة تكمن في قدرتها على فتح نقاش حول الحدود الفاصلة بين نشوء التنافي واكتمال أثره النهائي، بما يسهم في تدقيق مفهوم الشغور البرلماني وتحصين ممارسته على ضوء دستور 2011 والاجتهاد القضائي الدستوري المغربي.