مول الكاريطة: البنية الخفية للضبط الترابي واليقظة الاستعلاماتية في المجال الحضري
منتدى العمق

مول الكاريطة: البنية الخفية للضبط الترابي واليقظة الاستعلاماتية في المجال الحضري

مدخل: ما وراء الاقتصاد غير المهيكل.. من طاولة «الديطاي» إلى الضبط الترابي

لا يستقيم فهم التنظيم المجالي للمدن والمراكز شبه الحضرية بالمغرب دون التوقف الملي عند ظاهرة بائع السجائر بالتقسيط، المعروف في التداول الشعبي والمخيال الحضري بـ«مول الكاريطة». فعند مداخل الأزقة («راس الدرب»)، أو بمحاذاة المساجد والمقاهي والمرافق العمومية، ينتصب هذا الفاعل الميداني فوق حيز مكاني لا يتعدى مترا مربعا، يروج فوقه السجائر بالتقسيط («الديطاي») إلى جانب سلع استهلاكية بسيطة. ولئن كان النظر السطحي يختزل هذا الحضور اليومي في كونه مجرد مظهر من مظاهر القطاع غير المهيكل أو احتلالا عفويا للملك العمومي الجماعي سعيا وراء «الطرف ديال الخبز»، فإن القراءة المتأنية من زاوية القانون الإداري وعلم الاجتماع السياسي تكشف عن حقيقة مغايرة تماما.

ذلك أن المقاربة الأمنية والترابية لظاهرة «الكاريطة» تضعنا وجها لوجه أمام حلقة قاعدية غير مرئية في منظومة الضبط الترابي وحفظ النظام العام. فـ«مول الكاريطة» لا يشتغل في فراغ مجالي أو مؤسساتي، بل يتموقع في نقطة تقاطع حساسة تلتقي عندها الرقابة المجتمعية الذاتية («الحضية»)، ومهام الشرطة الإدارية المحلية، والعمل الاستعلاماتي الميداني الذي تباشره مختلف الأجهزة الترابية والأمنية؛ بدءا من أعوان السلطة المحلية («المقدم» و«الشيخ») ورجال السلطة («القايد» و«الباشا» و«العامل»)، ومرورا بمصالح المديرية العامة للأمن الوطني (ولا سيما الاستعلامات العامة والشرطة القضائية)، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ووصولا إلى القيادة العليا للدرك الملكي في المجالات شبه الحضرية والضواحي.

وعليه، فإن استمرار هذا النشاط التجاري في المنطقة الرمادية للقانون يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التعاقد الضمني القائم بين الإدارة الترابية وهذا الفاعل الميداني: كيف يتحول بائع «الكارو بالتقسيط» إلى رافد لا ينضب للمعلومة الاستباقية؟ وما هي الآليات الميدانية التي تجعل منه أداة لحفظ الأمن العام والسكينة العامة داخل «الدرب»؟ بل كيف يفسر استثناؤه الوحيد من حملات تحرير الملك العمومي، في مقابل إقصائه التام من كافة البرامج الاجتماعية والاقتصادية الحكومية؟

التموقع المجالي في «راس الدرب» وهندسة الرقابة البصرية والسمعية

لا يخضع اختيار موقع «الكاريطة» للصدفة أو العشوائية، بل يحكمه منطق ميداني صارم يقوم على كشف المداخل والمخارج الرئيسية للتجمعات السكنية. فالتمركز الاستراتيجي عند فوهة الزنقة («راس الدرب») أو في المدارات الطرقية الفاصلة بين الأحياء يمنح البائع زاوية رؤية شاملة ومستمرة على مدار اليوم، تمتد من الساعات الأولى للصباح مع خروج العمال والموظفين إلى ما بعد منتصف الليل.

وتستمد هذه الحرفة أهميتها الرقابية والاستعلاماتية من خاصيتين ميدانيتين تنفرد بهما داخل النسيج الحضري المغربي. فمن جهة أولى، يتحقق لـ«مول الكاريطة» شرط المرابطة الزمنية المتواصلة في الفضاء العمومي؛ إذ على خلاف التاجر المستقر داخل محله («مول الحانوت») الذي تحجبه الجدران والسلع، أو الحرفي المنشغل بصنعته، يظل بائع السجائر متفرغا للرصد البصري والسمعي المباشر لحركة الشارع لساعات طويلة دون انقطاع. ومن جهة ثانية، تمنحه طبيعة سلعته قدرة فائقة على الاحتكاك المباشر بجميع الشرائح الاجتماعية؛ ذلك أن بيع السيجارة المفردة («كارو واحد») يستقطب إلى الطاولة نفسها فئات متباينة: الموظف، والعاطل، والطالب، والمكتري الجديد، وذوو السوابق القضائية المفرج عنهم حديثا، وسائقو سيارات الأجرة، فضلا عن الغرباء الوافدين على الحي («البرانيين») الذين يقصدون «مول الكاريطة» للاستفسار عن العناوين أو الأشخاص تحت ذريعة اقتناء سيجارة أو ولاعة («بريكه»). الأمر الذي يجعل من تلك الطاولة الخشبية مركزا لتجميع المعطيات الأولية حول الحركية السكانية والأمنية بالحي.

تقنيات التحري الميداني وشيفرات التواصل مع «المقدم» وضباط البحث

تتجاوز وظيفة «مول الكاريطة» حدود البيع العادي لتشمل ممارسة يومية للتحري الميداني التلقائي، وتصريف المعلومة عبر قنوات تواصل غير معلنة مع أعوان السلطة وعناصر الأمن. ففي فترات هدوء الحركة داخل الأحياء السكنية، يبرز الدور الرقابي للبائع في فرز العناصر الغريبة عن المكان («البراني»). وحين يتقدم شخص غير مألوف لاقتناء سيجارة بـ«الديطاي»، يعمد البائع المتمرس إلى إبطاء عملية البيع أو التلكؤ المقصود في البحث عن القطع النقدية الصغيرة («الصرف»)، بما يفتح له حيزا زمنيا يسمح بتدقيق النظر في ملامح الوافد، ولهجته المناطقية، وهيئته، ودرجة ارتباكه.

وبالموازاة مع ذلك، يعمد البائع إلى استدراج الغريب عبر عبارات تواصلية مألوفة في الدارجة المغربية لا تثير الريبة، من قبيل قوله بنبرة عفوية: «ما باينش ليا من هاد القنت أ الشريف، واقيلا كتسول على شي حد فالدرب؟ راه الناس فهاد الوقيتة كيكونوا قلال». وتشتغل هذه المبادرة اللفظية بمثابة فرز استعلاماتي أولي؛ فإذا أفصح الوافد عن بحثه عن شخص مبحوث عنه، أو سأل عن شقة معينة معروضة للكراء، أو بدا عليه التلكؤ والتهرب، يكون «مول الكاريطة» قد التقط المعطى الأساسي، وحدد أوصاف المعني بالأمر، وتوقيت دخوله، والوجهة التي سلكها داخل الزنقة، تمهيدا لإحاطة «المقدم» أو المصالح الأمنية المختصة علما بذلك.

وحفاظا على السرية المهنية وحماية لموقعه الاجتماعي داخل الدرب، يتفادى «مول الكاريطة» أي لقاءات علنية مطولة مع أعوان السلطة أو عناصر الشرطة بالزي المدني، مستعيضا عنها بآليات تواصل سريعة ومموهة. فحين يمر عون السلطة («المقدم») على دراجته النارية في جولته الاعتيادية داخل قطاعه الترابي، تكفي إشارة خفيفة بالعين أو إيماءة بالرأس من البائع نحو زقاق فرعي ليفهم «المقدم» أن هناك مستجدا يستوجب المتابعة، ليتم لاحقا ربط الاتصال الهاتفي في المساء لتفصيل المعطيات بعيدا عن الأنظار. أما مع عناصر الشرطة القضائية أو مصالح الاستعلامات العامة الذين يترددون على الحي بلباس مدني، فتمرر المعلومة في ثوان معدودة أثناء عملية اقتناء السيجارة وتسلم «الصرف»، إما بعبارة مقتضبة تحدد توقيت دخول الشخص المراقَب («راه دخل مع الجوج»)، أو عبر دس قصاصة ورقية داخل غلاف علبة سجائر فارغة («باكية خاوية») تتضمن رقم التسجيل الخاص بسيارة مشبوهة رابطت طويلا بالحي.

اقتصاد «الديطاي» وسلطة «كناش الكريدي» كآلية للرصد المالي والاجتماعي

يرتبط الدور الاجتماعي والأمني لـ«مول الكاريطة» ارتباطا عضويا بطبيعة الدورة الاقتصادية المصغرة التي يديرها، والتي تمنحه القدرة على الاستمرار والتأثير في محيطه. فبينما يظل هامش الربح القانوني في بيع علب السجائر لدى المحلات المهيكلة («الصاكا» والمقاهي) محدودا ومقننا، فإن تفكيك العلبة وبيعها بالتقسيط يرفع العائد المالي للبائع بنسبة تتراوح بين خمسة وعشرين وأربعين في المائة. ويتعزز هذا الهامش بترويج مواد مكملة ذات ربحية مرتفعة، مثل العلكة وأقراص النعناع («الفليو») التي توظف أيضا لتعويض نقص الفكة («الصرف»)، فضلا عن الولاعات والمناديل الورقية وأوراق اللف («النيبرو»). ولا تقتصر أهمية هذه المواد على عائدها المالي، بل تعد في الآن ذاته مؤشرا رصديا؛ إذ إن ارتفاع الطلب الليلي على أوراق اللف الطويلة والسجائر الرخيصة يمنح البائع قراءة ميدانية دقيقة حول حجم ترويج واستهلاك مخدر «الحشيش» بين شباب الزنقة.

وفضلا عن ذلك، تضم أغلب عربات «الكاريطة» مخزونا محدودا وغير معروض للعلن من السجائر المهربة («الكونتربوند») أو التبغ الممضوغ والمستنشق («الكالة» و«النفحة»)، يصرف حصريا للزبائن المعروفين («كليان الدرب»). وهنا بالذات تبرز معادلة الضبط الميداني والتسامح الإداري المشروط؛ فغض الطرف عن هذا النشاط المحدود الذي يؤمن للبائع قوت يومه («المعيشة»)، يقابله التزام قطعي من البائع بعدم التورط في ترويج المؤثرات العقلية والأقراص المهلوسة («القرقوبي») أو المخدرات الصلبة، بل والتبليغ الفوري عن أي عنصر يحاول ترويجها في محيط الحي أو المؤسسات التعليمية المجاورة.

وعلاوة على ما تقدم، يمسك «مول الكاريطة» سجلا ذهنيا أو ورقيا يعرف بـ«كناش الكريدي»، يدون فيه الديون الصغيرة لأبناء الحي. ويؤدي هذا التعامل الائتماني المصغر وظيفة مزدوجة؛ فهو من جهة يفرض نوعا من الهيبة والسلطة المعنوية للبائع على «ولاد الدرب» المدينين له بالمال، مما يحميه من أي اعتداء أو عربدة قرب عربته. ومن جهة أخرى، يتيح له تتبع التحولات المالية المفاجئة؛ فحين يعمد شاب عاطل عن العمل، اعتاد مراكمة ديون السجائر بالدراهم المعدودة، إلى تسديد دينه دفعة واحدة بأوراق نقدية من فئة مائتي درهم («زرقالاف»)، يسجل ذلك فورا كمؤشر يثير الشبهة حول مصدر هذه السيولة الطارئة. وفي المقابل، حين يحاول بعض الدخلاء على الحرفة استغلال طاولة السجائر كغطاء للوساطة غير المشروعة، أو الإقراض بالربا الصغير («التسبيق بالفايدة»)، أو التستر على ترويج الممنوعات، فإن منظومة الرقابة المتبادلة سرعان ما تكشفهم؛ إذ تعتمد السلطة المحلية والمصالح الأمنية على تعدد المصادر داخل الحي الواحد، مما يجعل البائع نفسه خاضعا للرصد والتقييم المستمرين.

حفظ الأمن العام والسكينة العامة والوساطة الجوارية

في المفهوم القانوني والإداري المغربي، يقوم النظام العام الجماعي والترابي على ثلاثية الأمن العام، والسكينة العامة، والصحة العامة. ويسهم «مول الكاريطة» بشكل غير مباشر ولكن فعال في تكريس شقي الأمن والسكينة داخل الأزقة السكنية. فوجوده الميداني المستمر يشكل ردعا وقائيا ضد جرائم الشارع، من سرقات بالخطف («الكريساج»)، واعتداءات جسدية، وتحرش، أو اقتحام للمنازل؛ إذ يدرك الجانح أن ارتكاب أي فعل جرمي في زقاق يرابط فيه «مول الكاريطة» يعني وجود شاهد عيان قادر على تحديد الهوية والأوصاف بدقة أمام الضابطة القضائية. وهذا المعطى يفسر شعور الساكنة — ولا سيما النساء والأطفال وكبار السن — بنوع من الأمان التلقائي في الأزقة التي تتوفر على بائع سجائر مستقر ومعروف بأخلاقه («مزيان ومعقول»).

وإلى جانب هذه الوظيفة الردعية، يضطلع البائع بدور الوساطة الاجتماعية الأولية داخل الحي؛ إذ يودع لديه السكان مفاتيح شققهم وأماناتهم البسيطة، ويستعين به موزعو البريد والمفوضون القضائيون وأعوان التبليغ للاستدلال على عناوين المطلوبين، كما يتدخل بحكم معرفته العائلية بسكان الدرب لاحتواء الخلافات الجوارية البسيطة («الصداع بين الجيران») قبل أن تتطور إلى نزاعات تستدعي تدخل القوات العمومية وتحرير محاضر رسمية.

التراتبية الاستعلاماتية: التمييز الميداني بين «المتعاون» و«العين» و«البركاك»

في القاموس الأمني والتداول الشعبي المغربي، لا يصنف جميع بائعي السجائر بالتقسيط في خانة واحدة، بل تفرزهم الممارسة الميدانية للسلطة الترابية والضابطة القضائية إلى ثلاث مراتب متمايزة من حيث طبيعة الارتباط وحدود المهام.

ففي المستوى القاعدي، نجد «البائع المسالم» (حافظ التوازن الإداري) الذي يقتصر ارتباطه على علاقة إدارية تقليدية مع «المقدم» و«القايد» داخل النفوذ الترابي للملحقة الإدارية. ويكون هاجسه الأساسي هو الحفاظ على موقعه («بلاصتو») وتأمين استقراره المعيشي. وفي إطار هذا التفاهم العرفي، يلتزم البائع بإشعار «المقدم» بالوقائع العلنية الظاهرة في الدرب، مثل انطلاق أشغال بناء بدون رخصة، أو وقوع شجار يخل بالسكينة العامة، أو انتقال مكتري جديد إلى الحي، دون أن ينخرط في أي مهام استعلاماتية معقدة.

ويرتقي فوقه في السلم الميداني صنف ثان يعرف بـ«العين» (المتعاون الميداني)، وهو فاعل يربطه تنسيق منتظم مع عون السلطة من جهة، ومع عناصر الشرطة القضائية أو الاستعلامات العامة أو الدرك الملكي من جهة ثانية. ويتميز «العين» بقدرة عالية على الملاحظة الاستباقية وتحليل السلوكيات؛ فهو يمد المصالح المختصة بمعطيات محينة حول تحركات الأشخاص المبحوث عنهم بموجب مذكرات بحث، وتوافد الغرباء المشبوهين، ونشاط مروجي المخدرات، مقابل تمتعه بحماية غير معلنة لمكانه التجاري وتسهيلات إدارية في قضاء مصالحه.

أما في قمة هذا الهرم الخفي، فيتموقع المخبر المعتمد المعروف في الدارجة المغربية والقاموس الميداني بـ«البركاك» (من فعل «برگگ» أي رصد وتجسس ونقل الأخبار خلسة). ويطلق هذا الوصف على المخبر المحترف الذي يرتبط بقنوات اتصال مباشرة وسرية مع ضباط الأبحاث الجنائية أو الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الدقيقة. ويتم توجيه هذا العنصر لرصد أهداف نوعية ذات خطورة أمنية بالغة، مثل مراقبة المشتبه في انتمائهم لخلايا إرهابية ومتطرفة، أو تتبع شبكات الجريمة المنظمة والاتجار الدولي في المخدرات. وفي حالات معينة، لا تكون «الكاريطة» سوى غطاء ميداني يتيح لهذا العنصر التمركز في نقطة جغرافية مستهدفة لأسابيع أو شهور دون إثارة انتباه المحيط.

بيد أن الإدارة الترابية والأجهزة الأمنية، إدراكا منها لاحتمال تسرب الحسابات الشخصية أو الوشايات الكيدية إلى الإخباريات الشفهية، لا تعتمد معطيات «مول الكاريطة» بشكل آلي، بل تخضعها لقاعدة «تقاطع المصادر» والمطابقة الميدانية الأفقية؛ حيث يقارن «المقدم» أو ضابط الشرطة القضائية المعلومة الواردة من بائع السجائر بالمعطيات المستقاة من فاعلين ميدانيين آخرين في الزنقة نفسها، كحارس السيارات الليلي («الگارديان»)، أو البقال («مول الحانوت»)، أو نادل المقهى («السرباي»). كما يخضع كل مصدر لتقييم تراكمي يشكل سجل موثوقيته؛ فالبائع الذي تثبت التحريات دقة معلوماته وخلوها من المبالغة أو الكيد، تكتسب تقاريره حجية ميدانية قوية لدى «القايد» أو مصالح الأمن والدرك. وتصرف هذه المعطيات وفق توزيع دقيق للاختصاص الترابي والنوعي: فالمعطيات ذات الطابع الإداري والعمراني والاجتماعي ترفع عبر قناة «المقدم» و«الشيخ» إلى مكتب «القايد» فقسم الشؤون الداخلية بالعمالة؛ في حين تحال المعطيات ذات الصبغة الجنائية أو الماسة بأمن الدولة مباشرة على مصالح الأمن الوطني في المجال الحضري، أو سرايا ومراكز الدرك الملكي في المجال القروي وشبه الحضري.

بنية «التقرير المسائي».. الرصد اليومي للحركية السكانية والأمنية والعمرانية

مع حلول المساء وخفوت حركة الراجلين، تتجمع لدى «مول الكاريطة» خلاصة رصد يوم كامل، تنقل في شكل إفادات شفهية مقتضبة أو اتصالات هاتفية مع «المقدم» أو عناصر الأمن، وتنتظم حول محاور أساسية تشكل عصب الضبط الترابي.

ويتصدر ضبط الحركية السكانية والكراء غير المصرح به قائمة الأولويات في هذا التقرير المسائي؛ حيث يرصد البائع أي عملية انتقال أو كراء لشقة أو غرفة مفروشة داخل الدرب، ويدقق في توقيت دخول المكتري الجديد وخروجه، ونوعية الأمتعة المنقولة، وطبيعة الزوار الذين يترددون عليه. وتعد هذه المعطيات ركيزة أساسية لتحيين سجلات السكان لدى الملحقة الإدارية، وتفعيل المراقبة الأمنية الاستباقية لمنع استغلال الأحياء الشعبية كملاذات آمنة للمبحوث عنهم أو للعناصر المتطرفة.

وبالموازاة مع ذلك، يواكب التقرير المسائي حالات الجنوح والعود الجنائي، فيرصد ظهور حالات الإدمان على المؤثرات العقلية («القرقوبي»)، ومحاولات اختراق الزنقة من طرف مروجي المخدرات («البزناسة»)، كما يتابع وضعية الأشخاص الذين غادروا المؤسسات السجنية حديثا للتأكد مما إذا كانوا قد اندمجوا اجتماعيا أم عادوا إلى نشاطهم الإجرامي (حالة العود). وهو ما يسمح بتوجيه الدوريات الأمنية لتوقيف المعنيين بالأمر بدقة جراحية دون إثارة الفوضى في الحي.

فضلا عن كون «مول الكاريطة» يلتقط المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الطارئة؛ من قبيل التغيرات غير المألوفة في النمط المعيشي لبعض القاطنين، كظهور علامات الثراء الفاحش والمفاجئ على أشخاص ليست لهم موارد مالية معروفة، بما يشكل خيطا أوليا للبحث في جرائم تبييض الأموال أو الاتجار غير المشروع، إلى جانب نقله لصورة دقيقة عن حالات العوز الشديد، أو التفكك الأسري، أو النزاعات العقارية والإرثية الحادة التي قد تفضي إلى جرائم دم. كما يسجل البائع في ذاكرته أو في قصاصات ورقية أرقام تسجيل السيارات الغريبة التي تتوقف لفترات طويلة في الدرب دون مبرر، ويرصد أي شخص غريب يطرح أسئلة مريبة أو يلتقط صورا للمنازل أو المرافق العمومية. ناهيك عن اضطلاعه، بحكم تواجده الليلي، بمراقبة مخالفات التعمير والبناء غير القانوني؛ إذ يرصد عمليات إدخال مواد البناء (الإسمنت، الآجر، الحديد) خلسة في ساعات متأخرة من الليل أو خلال عطلة نهاية الأسبوع لتشييد طوابق إضافية عشوائية («البني فالنوار»). وبمجرد إشعار «المقدم» في التقرير المسائي، تتدخل السلطة المحلية («القايد» مرفوقا بأعوان السلطة والقوات المساعدة) لمعاينة المخالفة وحجز المعدات وتحرير المحاضر القانونية بشأنها.

الاستثناء من حملات «تحرير الملك العمومي» ومفارقة الإقصاء من برامج الدعم الحكومي

ثمة مشهد ميداني دال يختزل الوضعية الاستثنائية لـ«مول الكاريطة» في معادلة السلطة والشارع بالمغرب، ويتجلى بوضوح أثناء الحملات الإدارية لتحرير الملك العمومي. فحين تستنفر الملحقات الإدارية والباشويات أجهزتها، وينزل «القايد» مرفوقا بأعوان السلطة وعناصر القوات المساعدة («المخازنية») وشاحنات الحجز («الفوريان») في حملات تمشيطية لتحرير الأرصفة والفضاءات العامة، يكون الجميع عرضة لطائلة الحملة دون تمييز؛ إذ تصادر عربات الخضر والفواكه، ويفر الباعة المتجولون («الفراشة») بسلعهم، وتحجز كراسي المقاهي وطاولاتها التي تجاوزت المساحة المرخص بها. الكل في الشارع معرض لعصف حملة تحرير الملك العام، إلا «مول الكاريطة»؛ فهو الاستثناء الوحيد الذي لا تطاله يد الحجز والمصادرة الفعلية. وحتى في الحالات التي يقتضي فيها البروتوكول الإداري أن يطوي طاولته الخشبية لدقائق ريثما يعبر الموكب الرسمي للسلطة المحلية، فإنه سرعان ما يعود لنصبها في «بلاصتو» المعتادة؛ ومرد ذلك بالأساس إلى إدراك السلطة الترابية أن وجوده المستمر فوق ذلك الرصيف يسهم بشكل حيوي في استمرار تقديم خدمات أمنية واستعلاماتية يومية لجميع الأجهزة دون استثناء.

غير أن ما يسترعي الانتباه في هذا الصدد هو تلك المفارقة الاجتماعية والسياسية الصارخة التي تحكم وضعية هذا الفاعل. فـ«مول الكاريطة»، على الرغم من عِظَم وجسامة الخدمات الأمنية التي يسديها لمنظومة حفظ النظام العام واستقرار الأحياء، لا يستفيد من أي برنامج اجتماعي أو اقتصادي رسمي؛ إذ لا تضعه الحكومة في حسبانها عند هندسة برامجها الاجتماعية أو الاقتصادية، ولا تناله حصة من السياسات العمومية الموجهة للفئات الهشة، سواء تعلق الأمر ببرامج الدعم المادي المباشر، أو أوراش الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى، أو آليات التمكين الاجتماعي. إنه حاضر بقوة في الحسابات الأمنية والترابية اليومية للدولة، لكنه غائب أو مغيب تماما عن قوائم المستفيدين من برامج الدعم الحكومي.

وفي التحليل العميق لسوسيولوجيا السلطة بالمغرب، لا يبدو هذا الإغفال الحكومي مجرد سهو إداري أو تقصير تقني، بل ينطوي في الغالب على منطق وظيفي مضمر؛ ذلك أن الحكومة وأجهزة الدولة تعلم جيدا حجم الأدوار الحساسة التي ينهض بها هؤلاء الباعة في استتباب الأمن وضبط المجال الحضري، وتدرك في الآن ذاته أن إدماجهم في برامج الدعم المادي أو تمكينهم من بدائل اقتصادية واجتماعية مريحة قد يغنيهم عن الحاجة، ويخرجهم من دائرة الهشاشة التي تجعلهم مرتهنين دوما لـ«التسامح الإداري» للسلطة المحلية. وبما مؤداه أن تقديم أي برنامج اجتماعي أو مساعدة مادية حكومية لهاته الفئة قد يؤدي فعليا إلى إتلاف وظيفتهم الأمنية وتعطيل حافزهم الميداني؛ فـ «مول الكاريطة» الذي يستغني بالدعم المالي أو ينتقل إلى نشاط مهيكل ومستقر لن يعود مضطرا للمرابطة في «راس الدرب» أربع عشرة ساعة في اليوم تحت الحر والقر، وحينها ستفقد الأجهزة الترابية والأمنية عينا مجانية يقظة لا تشتغل بهذه الكفاءة والولاء إلا وهي معلقة في تلك المنطقة الرمادية بين الحاجة الاقتصادية وحماية السلطة.

الموقع الوظيفي لـ«مول الكاريطة» في الهندسة السياسية والدستورية المغربية

إن قراءة ظاهرة «مول الكاريطة» من زاوية القانون الدستوري وعلم السياسة تكشف أننا لسنا أمام مجرد مخبر تقليدي، بل أمام آلية قاعدية تتكامل مع هندسة السلطة الترابية وفلسفة الحكم في المغرب. فالنموذج الأمني المغربي، كما كرسته الوثيقة الدستورية (ولا سيما الفصول المتعلقة بالحق في سلامة الأشخاص والممتلكات، ومؤسسات الأمن والحكامة الجيدة)، يرتكز على عقيدة الأمن الاستباقي والوقائي والأمن الروحي والمجتمعي. بيد أن هذه العقيدة الاستباقية لا يمكن أن تشتغل بكفاءة بالاعتماد حصريا على الوسائل التقنية والمكاتب المركزية؛ بل تحتاج إلى جذور ممتدة في عمق النسيج المجتمعي. وهنا يمثل «مول الكاريطة» أصغر خلية في جهاز الاستشعار المبكر للدولة، حيث يتيح للسلطة العمومية إعمال وظيفتها الوقائية لحماية النظام العام قبل تحول التهديدات الكامنة إلى أفعال مادية تخل بالأمن والاستقرار.

ومن الناحية القانونية الصرفة، يمارس «مول الكاريطة» نشاطه في وضعية غير سليمة قانونا، سواء من حيث الاحتلال المؤقت للملك العمومي بدون سند قانوني، أو من حيث ممارسة نشاط تجاري غير مقنن، فضلا عن مخالفة المقتضيات القانونية المتعلقة ببيع التبغ المصنع وترويجه بالتقسيط. غير أن النظام السياسي والإداري المغربي يدير هذه الوضعية عبر آلية «السلطة التقديرية للإدارة في حفظ النظام العام» وتغليب منطق «الملاءمة الأمنية والاجتماعية» على منطق «المشروعية الشكلية الصارمة». فالفاعل الترابي («العامل»، «الباشا»، «القايد») يوازن بين التطبيق الحرفي للنص القانوني وبين مقتضيات الحفاظ على السلم الاجتماعي والضبط الأمني. ومن خلال هذا «التسامح الإداري المشروط»، تنشأ علاقة تبعية وولاء وظيفي بين البائع وممثلي السلطة الترابية؛ إذ يدرك «مول الكاريطة» أن استمرار مصدر عيشه رهين بانضباطه التام وخدمته لاستقرار الحي، مما يحوله تلقائيا إلى عنصر محافظ يدافع عن النظام العام ويرفض أي فوضى أو انفلات أمني قد يحرج السلطة المحلية في الزنقة.

وعلاوة على ذلك، تضطلع وزارة الداخلية عبر أقسام الشؤون الداخلية بالعمالات والأقاليم بدور مركزي في رصد التحولات الاجتماعية والسياسية وتوجيه السياسات العمومية، وتعد التقارير اليومية التي يرفعها «المقدمون» و«الشيوخ» إلى «القياد» المادة الخام لهذه القراءة. ويشكل «مول الكاريطة» أحد المصادر الأساسية التي تغذي هذه التقارير بمؤشرات حقيقية وغير مصنعة حول المزاج الشعبي العام؛ فالنقاشات التلقائية التي تدور أمام عربته حول غلاء المعيشة («المعيشة غلات»)، وتدبير المرافق العمومية، والاحتقان الاجتماعي، والإضرابات، تنقل نبض الشارع الحقيقي إلى الإدارة الترابية. كما يؤدي في الأحياء الشعبية والهامشية وظيفة الرصد الميداني لأي محاولة للتعبئة السياسية أو الإيديولوجية خارج القنوات المؤسساتية والقانونية؛ فهو أول من يلتقط حركة توزيع المناشير السرية، أو عقد الاجتماعات غير المرخصة داخل الدور السكنية، أو تحركات العناصر التي تحاول استقطاب شباب الحي نحو التيارات المتطرفة أو الحركات الاحتجاجية غير المؤطرة، مسهما بذلك في تكريس احتكار الدولة لضبط وتأطير المجال العام.

المقومات المهنية لـ«مول الكاريطة» ومستقبل الظاهرة في ظل التحولات الحضرية

لا يستطيع أي بائع سجائر أن يحافظ على موقعه المزدوج بين ثقة «ولاد الدرب» وثقة الإدارة الترابية والأمنية ما لم يتحل بضوابط سلوكية صارمة فرضتها خبرة الميدان. وفي مقدمة هذه الضوابط ما يمكن تسميته بـ«التغابي الوظيفي» والحياد الظاهري («داير فيها ما فخباروش»)؛ إذ يقدم «مول الكاريطة» نفسه داخل الحي في صورة الرجل البسيط، المسالم، المنكب على تحصيل قوت يومه، الذي لا يتدخل فيما لا يعنيه، مما يجعل الجميع يتصرفون أمامه على سجيتهم دون حذر أو تكلف. يضاف إلى ذلك تمتعه بذاكرة بصرية وسمعية حادة تمكنه من ربط الوجوه بالأسماء والانتماءات العائلية، وتذكر التوقيت الزمني للوقائع بدقة تتفوق في كثير من الأحيان على كاميرات المراقبة؛ لأن الكاميرا توثق المشهد الصامت، بينما يلتقط البائع المشهد وسياقه وهوية أصحابه ونواياهم. وفوق هذا كله، يحرص البائع المتمرس على أقصى درجات التكتم وتفادي الاصطدام بالمحيط، مدركا أن انكشاف صفته كـ«بركاك» أو مصدر للمعلومة بشكل فج سيؤدي حتما إلى نبذه اجتماعيا ومقاطعته تجاريا، بل وقد يعرضه لاعتداءات انتقامية من طرف ذوي السوابق.

واليوم، وعلى الرغم من التجذر التاريخي لظاهرة «مول الكاريطة» في المدن المغربية، فإنها تواجه تحولات مجالية وتقنية متسارعة تعيد تشكيل أدوارها؛ فمن جهة، شرعت كبريات الحواضر المغربية (كالدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش) في إرساء منظومات المراقبة بالكاميرات في الشوارع الرئيسية والمدارات، غير أن الخبرة الأمنية تؤكد أن المراقبة التقنية لا تلغي الحاجة إلى العنصر البشري داخل الأزقة الضيقة والشعاب التي لا تصلها العدسات. ومن جهة ثانية، أدى امتداد السكن العمودي والإقامات المغلقة المحروسة إلى تراجع بنية «الدرب» التقليدي لصالح العمارات التي يتولى فيها حراس الأمن الخاص («السيكوريتي») مهام الرقابة عند البوابات؛ ومع ذلك، سرعان ما أعاد «مول الكاريطة» إنتاج تموقعه عند مداخل هذه التجمعات السكنية أو بجوار المقاهي المحيطة بها، متكيفا بمرونة لافتة مع التحول الديموغرافي والاجتماعي للطبقة الوسطى.

حاصل القول إن «مول الكاريطة» في المغرب يتجاوز بكثير صورته النمطية كبائع متجول في هامش الاقتصاد غير المهيكل. إنه يمثل نقطة التقاء دقيقة بين المجتمع والسلطة، وآلية قاعدية من آليات الضبط الإداري والأمني والسياسي للمجال الحضري. فبينما يضمن لنفسه استثناء حصريا من حملات تحرير الملك العمومي لكون وجوده يغذي مختلف الأجهزة الترابية والأمنية بخدمات استعلاماتية لا تنقطع، يظل في المقابل مقصيا من كافة البرامج الاجتماعية والاقتصادية الحكومية ومن سياسات الدعم المادي المباشر؛ في معادلة مضمرة تدرك فيها الدولة أن بقاء هذا الفاعل في دائرة الهشاشة والحاجة إلى «التسامح الإداري» هو وحده الكفيل بحماية وظيفته الأمنية من التلف، وضمان استمرار تلك العين اليقظة التي لا تنام، ترصد تحولات الزنقة، وتحرس استقرارها، وتنقل نبضها اليومي من خلف طاولة خشبية لا تتجاوز مترا مربعا.