الدكتور عفوري يوسف
وجهة نظر

لماذا يأتي التدقيق أحيانا بعد التعيين؟

في العلاقة بين سلطة التعيين، وعقلنة القرار السياسي، ومسؤولية المؤسسات

لا تقاس جودة القرار السياسي بسلامة الإجراءات التي أنتج بها فحسب، بل أيضا بمدى استناده إلى معطيات كافية، وبقدرته على تحقيق الغاية التي اتّخذ من أجلها. وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بتعيين أعضاء الحكومة، بالنظر إلى طبيعة المسؤوليات المسندة إليهم، واتساع آثار القرارات التي يتخذونها، وارتباط أدائهم بحسن سير المؤسسات والثقة في العمل الحكومي.

من هذا المنطلق، تطرح بعض حالات المغادرة المبكرة من المناصب الوزارية إشكالا يتجاوز الأشخاص المعنيين إلى طبيعة عملية الاختيار نفسها: هل يكفي احترام المسطرة الدستورية لإضفاء الجودة على قرار التعيين، أم أن هذه الجودة تستلزم، إلى جانب المشروعية الشكلية، تحضيرا مؤسساتيا قائما على التقييم والتحقق والاستباق؟

أعادت مغادرة نبيلة الرميلي وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بعد أسبوع من تعيينها في أكتوبر 2021، ثم إنهاء مهام ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بعد يومين من تعيينها في أكتوبر 2026، طرح هذا السؤال. ولا تسمح المدتان القصيرتان، في حد ذاتهما، بإثبات وجود خلل في إجراءات الاختيار، كما لا تبرران افتراض وحدة الأسباب في الحالتين. غير أنهما تتيحان مساءلة الكيفية التي يحضَّر بها القرار المتعلق بإسناد المسؤولية الحكومية، وحدود ما يمكن استباقه قبل صدوره.

أولا: المشروعية الدستورية وجودة القرار السياسي

يؤطر الفصل 47 من الدستور تعيين أعضاء الحكومة وإنهاء مهامهم، ضمن توزيع للاختصاصات الدستورية يحدد الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات المعنية بتشكيل الحكومة. غير أن تحديد الجهة المختصة باتخاذ القرار والإجراءات المنظمة له لا يستنفد، في حد ذاته، كل الأسئلة المتعلقة بجودته.

فهناك فرق بين مشروعية القرار من حيث صدوره وفق القواعد الدستورية، ورشادة القرار من حيث المعطيات والتقديرات التي يستند إليها. تتعلق الأولى باحترام الاختصاصات والمساطر، بينما تتصل الثانية بمدى كفاية المعلومات، وتقدير الالتزامات القائمة، واستحضار متطلبات المنصب قبل إسناده إلى صاحبه.

ولا يعني هذا التمييز أن كل قرار مستوفٍ للمسطرة الدستورية يكون بالضرورة ضعيفا من حيث التقدير، أو أن كل تغيير سريع في التشكيلة الحكومية يكشف عن قصور مؤسساتي. المقصود هو أن سلامة المسطرة لا تلغي مشروعية التساؤل عن جودة التحضير، مثلما لا تسمح المغادرة المبكرة، وحدها، بالحكم على ذلك التحضير.

وتتجلى أهمية هذا التمييز في أن القرار الحكومي لا يقتصر أثره على الشخص الذي أسندت إليه المسؤولية؛ فهو يؤثر أيضا في استمرارية التدبير، وانتظام اتخاذ القرار داخل القطاع المعني، وتوقعات الفاعلين المرتبطين به. ومن ثم، فإن تقييم جودة التعيين ينبغي ألا ينحصر في لحظة صدوره، بل أن يشمل كذلك مدى الاستعداد المؤسسي الذي سبقه.

ثانيا: حالة نبيلة الرميلي وسؤال الاستباق

في 7 أكتوبر 2021، عيّنت نبيلة الرميلي وزيرة للصحة والحماية الاجتماعية ضمن حكومة عزيز أخنوش. وبعد أسبوع، أعلن عن تعيين خالد آيت الطالب خلفا لها، إثر طلبها الإعفاء من أجل التفرغ لرئاسة مجلس جماعة الدار البيضاء، بالنظر إلى حجم الالتزامات المرتبطة بهذه المسؤولية، في سياق التحديات الصحية التي فرضتها جائحة كوفيد-19.

تكمن الدلالة التحليلية لهذه الواقعة في أن رئاسة مجلس جماعة الدار البيضاء لم تكن مسؤولية طرأت بعد التعيين الوزاري، بل كانت قائمة قبله. ولذلك، لا ينصب السؤال على مشروعية الجمع بين المسؤوليتين في حد ذاته، ولا على حق المعنية في طلب الإعفاء، وإنما على مدى استحضار حجم الالتزامات المرتبطة بهما عند تقدير ملاءمة التعيين.

إن مفهوم الاستباق المؤسساتي يكتسب هنا أهمية خاصة؛ فالمقصود به ليس التنبؤ بجميع الصعوبات المحتملة، وإنما تحديد المخاطر القابلة للتوقع، وتقدير انعكاساتها، قبل اتخاذ القرار. وحين تكون الالتزامات القائمة معلومة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان تقييم أثرها على التفرغ المطلوب قد حظي بما يكفي من العناية.

أما إنهاء مهام ماديحة خيير بعد يومين من تعيينها في أكتوبر 2026، فلا يتيح، في غياب تفسير رسمي معلن للأسباب، استخلاص نتيجة حاسمة بشأن طبيعة ما جرى قبل التعيين. ويقتضي التحليل المنضبط التمييز بين واقعة إنهاء المهام، التي أعلن عنها رسميا، وبين التفسيرات المتداولة لخلفياتها، التي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة.

وعليه، فإن القيمة التحليلية للمقارنتين لا تقوم على افتراض تماثل الحالتين، بل على استخدامهما مدخلا لطرح سؤال عام بشأن حدود التحقق السابق للتعيين، ومدى قدرة المؤسسات على تقليل احتمالات التراجع السريع عن قرارات كان بالإمكان الاستعداد لها بصورة أفضل.

ثالثا: التوازنات الحزبية وعقلنة الاختيار

تعد التوازنات الحزبية عنصرا بنيويا في تشكيل الحكومات ضمن الأنظمة التعددية؛ إذ يرتبط توزيع المسؤوليات بنتائج الانتخابات، وتركيبة الأغلبية، والتفاوض بين مكوناتها، ومتطلبات الانسجام السياسي. ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتبارات باعتبارها عائقا في ذاتها، لأنها جزء من منطق تشكيل الحكومة في النظام الدستوري.

لكن الإشكال يبدأ عندما يختزل الاختيار في قدرته على استيعاب التوازنات السياسية، دون إيلاء الاهتمام الكافي لمتطلبات المنصب والالتزامات المرتبطة به. فالتوافق بشأن توزيع الحقائب لا يضمن تلقائيا جودة جميع الاختيارات البشرية التي تترتب عليه.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى عقلنة القرار السياسي، بمعنى تعزيز استناده إلى معطيات ذات صلة، وتقديرات واضحة، وإجراءات تقلل من القرارات الارتجالية أو من الآثار التي كان بالإمكان استباقها. ولا تعني العقلنة إلغاء الاعتبار السياسي أو تحويل تشكيل الحكومة إلى عملية تقنية محضة؛ فالاختيار الحكومي يظل قرارا سياسيا في جوهره، لكن ذلك لا يمنع تحسين شروط إعداده.

كما أن مسؤولية جودة الاختيار لا يمكن اختزالها في جهة واحدة دون مراعاة الاختصاصات الدستورية الفعلية. فهي تقتضي النظر في الأدوار التي تضطلع بها الأحزاب في اقتراح المرشحين، وفي مسؤولية رئيس الحكومة المكلف بتشكيلها ضمن حدود اختصاصاته في رفع قائمة من الأسماء إلى الملك، وفي الممارسات التي تسبق الإعلان عن القرار. والغاية ليست توزيع اللوم بأثر رجعي، بل تحديد المساحات التي يمكن فيها تحسين جودة التحضير.

رابعا: نحو تدقيق مؤسساتي بضمانات واضحة

إن الدعوة إلى تطوير التدقيق السابق للتعيين لا تعني إقرار تحريات غير محدودة، ولا إخضاع المرشحين لأحكام مسبقة، ولا اعتبار كل معلومة متداولة سببا للإقصاء. بل تستدعي التفكير في إطار واضح يحدد طبيعة المعلومات ذات الصلة بالمسؤولية، ووسائل التحقق منها، والجهات المختصة بمعالجتها، وضمانات حماية الحقوق الفردية.

ويمكن أن يبدأ هذا المسار بتعزيز مسؤولية الأحزاب في تقييم مرشحيها، من حيث ملاءمة المسار والخبرة والالتزامات القائمة لمتطلبات المنصب. كما يمكن التفكير في إجراءات مؤسساتية موثقة للتحقق من المعطيات الجوهرية قبل التعيين، على أن تكون مستندة إلى أساس قانوني، ومتناسبة مع طبيعة المسؤولية، وخاضعة لضوابط تمنع التعسف أو التوظيف السياسي.

ولا ينبغي أن يتحول التحقق إلى وسيلة لتوسيع الاشتباه أو المساس بالحياة الخاصة، كما لا ينبغي أن تعامل الادعاءات غير المثبتة معاملة الأحكام القضائية النهائية. فالمأسسة الفعالة هي التي تجمع بين حماية المصلحة العامة واحترام الحقوق، وتستبدل التقدير غير المنضبط بإجراءات واضحة قابلة للمراجعة والتقييم.

ويكتمل هذا المسار بإرساء آلية للتعلم المؤسساتي من حالات التغيير السريع في المسؤوليات، لا بغرض افتراض وجود خطأ في كل حالة، وإنما لتحديد ما إذا كانت هناك جوانب قابلة للتحسين في التحضير للقرار. فالمؤسسات لا تتطور بمجرد قدرتها على تصحيح قراراتها، بل أيضا بقدرتها على تحويل التجارب إلى معرفة عملية تساعد على تحسين قراراتها اللاحقة.

خاتمة:

إن مغادرة نبيلة الرميلي وزارة الصحة بعد أسبوع، وإنهاء مهام ماديحة خيير بعد يومين من تعيينها، لا تكفيان وحدهما لإصدار تقييم شامل على منظومة التعيينات الحكومية. فلكل حالة ملابساتها، ولا يجوز أن تتحول قِصر المدة إلى دليل تلقائي على وجود خلل في الاختيار.

غير أن الواقعتين تتيحان إعادة التفكير في العلاقة بين السلطة التقديرية في التعيين، وجودة التحضير للقرار، ومسؤولية المؤسسات عن استباق ما يمكن استباقه. فاحترام القواعد الدستورية يظل شرطا أساسيا، لكنه لا يلغي أهمية تحسين الممارسات السابقة على التعيين، ولا يعفي من مساءلة جودة المعطيات التي يبنى عليها القرار.

إن تطوير التدقيق المسبق، متى استند إلى القانون واحترم الحقوق، لا ينتقص من سلطة التعيين، بل يمكن أن يعزز الثقة فيها؛ لأنه يربط ممارسة الاختصاص بتقدير أكثر وعيا بمتطلبات المسؤولية وآثارها. كما أن التعلم المؤسساتي من حالات المغادرة المبكرة لا يعني البحث عن مسؤول لإلقاء اللوم عليه، بل البحث عن سبل الحد من التغييرات التي يمكن تفاديها.

فالمسألة في نهاية المطاف ليست أن تكون المؤسسات قادرة على التراجع عن قرارها، بل أن تمتلك، قبل اتخاذه، ما يكفي من المعطيات والإجراءات التي تجعل اختياراتها أكثر استباقا وحكامة. ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر النقاش حول التعيينات الحكومية على من عيّن، ومن غادر، ومتى غادر؛ بل ينبغي أن يمتد إلى كيفية إعداد القرار، وحدود التدقيق المشروع، والسبل الكفيلة بتحويل الاختيار السياسي إلى قرار يستند إلى تقييم مؤسساتي مسؤول.