زيد الما زيد دقيق
منتدى العمق

زيد الما زيد دقيق

فاتورة الوقود تختصر للمستهلك ما تعجز عنه الخطب المالية المطولة؛ فهو يقيس أثر القرارات بما يدفعه في المحطة، وما ينفقه على النقل والغذاء. ومن هنا، يستحق مقترح رفع الضريبة على أرباح كبار مستوردي وموزعي المحروقات نقاشا يتجاوز الترحيب بالنسبة الجديدة إلى السؤال عن ضمانات حماية جيب المواطن.

يقترح مشروع مالية 2027 إخضاع الشركات المعنية لسعر ضريبي قدره 40% عندما يبلغ ربحها الصافي الجبائي 100 مليون درهم أو أكثر. والتعبير الدقيق هنا هو مقترح، لأن نفاذه يرتبط بإقرار النص النهائي. أما أساس الضريبة فهو الربح الخاضع لها، وليس رقم المعاملات، ولا ثمن اللتر الذي يؤديه المستهلك.

لتبسيط الفكرة، شركة تحقق ربحا جبائيا قدره 200 مليون درهم تؤدي، بسعر 40%، ضريبة تبلغ 80 مليونا، مقابل 70 مليونا بسعر 35%، إذا بقي الأساس نفسه. فالزيادة تخص مساهمتها من الأرباح. وارتفاع السعر الضريبي بخمس نقاط لا يعني حسابيا أن الوقود يجب أن يرتفع بخمسة في المائة.

لكن الفصل بين المكلف قانونا بالضريبة ومن يتحمل أثرها اقتصاديا يظل ضروريا. فقد تحاول شركة تعويض جزء من العبء برفع أسعارها إذا سمحت ظروف السوق بذلك. وهذه إمكانية تستدعي اليقظة، وليست نتيجة حتمية لكل ضريبة على الأرباح؛ إذ تتوقف على المنافسة، وسلوك المشترين، والتكاليف، وقدرة الفاعلين على فرض الأسعار.

وتزداد حساسية المسألة لأن المستهلك يحتاج إلى التنقل، ولأن الوقود يدخل في نقل السلع وتشغيل أنشطة كثيرة. وللتوضيح بمثال افتراضي، زيادة نصف درهم في اللتر تكلف أسرة تستهلك 100 لتر شهريا 50 درهما إضافية، أي 600 درهم سنويا، قبل أي أثر محتمل على تعريفة النقل وأسعار المشتريات.

وقد يبدو هذا المبلغ محدودا في حساب شركة، لكنه قد يزاحم لدى أسرة مصاريف الدواء أو الدراسة. كما أن المواطن الذي لا يملك سيارة ليس محصنا من الأثر؛ فقد تصله بعض الكلفة عبر الحافلة وسيارة الأجرة ونقل الخضر والمواد الغذائية. لذلك تتجاوز حماية المستهلك مراقبة لوحة الأسعار في المحطة.

وتوجد بالفعل آليات لمتابعة السوق؛ فمجلس المنافسة ينشر تقارير عن المحروقات، وأعلن في مارس 2026 تعزيز مراقبة انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية. والمطلوب تعزيز أثر هذه المتابعة، بإتاحة مؤشرات مفهومة للمواطن، والتدخل عند ثبوت الممارسات المخالفة، حتى ترتبط الشفافية بنتائج يمكن ملاحظتها في الأسعار. ويستحق المستهلك كذلك مسارا واضحا لتقديم الشكايات، ونشر حصيلة معالجتها، وتفسيرا علنيا للفوارق بين الأسعار والتكاليف، حتى تتحول المراقبة من معلومات يتداولها المتخصصون إلى حماية عملية يشعر بها المواطن في تعاملاته اليومية.

وتبدأ الحماية بنشر عناصر تكوين السعر: كلفة اقتناء المنتجات المكررة، وسعر الصرف، والنقل، والتخزين، والضرائب، وهوامش التوزيع. فالمقارنة مع سعر النفط الخام وحده قد تضلل المستهلك. والأجدى تقديم بيانات منتظمة تسمح بفهم أسباب الزيادة والانخفاض، والمدة المعقولة لانتقالهما، مع الفصل بين الهامش التجاري الخام والربح الصافي.

ثم تأتي المنافسة الفعلية، عبر تسهيل دخول فاعلين جدد، ومواجهة الاتفاقات غير المشروعة، وتمكين المستهلك من مقارنة الأسعار بسهولة. أما تسقيف الهوامش، فيستحق دراسة مستقلة تبين ضرورته وشروطه وآثاره، ضمن الإطار القانوني؛ فالسقف غير المدروس قد يضعف التزويد أو يحول دون دخول منافسين، بينما يحتاج المواطن إلى سعر عادل وإمداد مستقر.

وتقتضي العدالة الجبائية أيضا تدقيق المعاملات بين الشركات المرتبطة، ومواجهة التقسيم الصوري للأرباح بقصد تفادي العتبة. غير أن وجود شركات فرعية لا يشكل وحده دليلا على التهرب. المطلوب مراقبة تستند إلى الوقائع، تميز التنظيم الاقتصادي المشروع من التحايل، وتضمن مساهمة متكافئة دون اتهامات عامة أو استثناءات انتقائية.

ويبقى سؤال التوقيت مشروعا: كيف تصمم السياسة الجبائية لتواكب تحولات الأرباح، بدل أن تتأخر عنها؟ والجواب المفيد للمستهلك يستلزم تقييما دوريا منشورا يربط المداخيل الإضافية بأهداف واضحة، ومنها تحسين النقل العمومي وخفض كلفة التنقل، مع قياس الأثر الفعلي على الأسر، خصوصا أصحاب الدخول المحدودة.

هكذا يصبح رفع الضريبة خطوة نحو الإنصاف إذا اقترن بمنافسة وشفافية ورقابة فعالة. أما ترك المواطن يتلقى الزيادات المتعاقبة فيعيد إنتاج منطق «زيد الما زيد دقيق». فالنجاح ليس ارتفاع حصيلة الخزينة وحده، بل ضمان ألا تسترد الشركات مساهمتها من المستهلك، وألا تتحول العدالة الجبائية إلى غلاء جديد.