الكاتب الصحفي عبدالله الحسيني
منتدى العمق

فخ التغذية الرقمية.. كيف تحولت منصات التواصل إلى ساحة للوصفات المضللة؟

افتح أي تطبيق تواصل اجتماعي، ولن تحتاج أكثر من دقيقتين لتصل إليك نصيحة غذائية “عاجلة”: كوب من الماء الدافئ بالليمون يذيب الدهون، أو خلطة أعشاب تُنظّف الكبد خلال أسبوع، أو مكمل غذائي “طبيعي 100%” يعد بإنقاص الوزن دون حمية أو رياضة. الفيديو قصير، الموسيقى محمّسة، والتعليقات تمتلئ بعبارات الإعجاب. لكن خلف هذا البريق، تختبئ مشكلة تكبر يوما بعد يوم: فوضى نصائح التغذية الرقمية التي لم تعد تُربك فقط، بل باتت تُهدد صحة من يتبعها بثقة عمياء.

من يتحدث باسم “الخبير”؟

المشكلة لا تكمن في المحتوى وحده، بل في من يُنتجه. فمنصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” حوّلت أي شخص يملك هاتفا وجرأة كافية إلى “مدرب تغذية” أو “خبير صحة”، دون أي شهادة علمية أو تكوين أكاديمي يؤهله لذلك. كثير من هؤلاء يعتمدون على تجربتهم الشخصية، أو على ما شاهدوه في فيديو آخر، ثم يقدمونه للمتابعين كحقيقة علمية ثابتة.

أرقام تكشف حجم الفوضى

كشفت دراسة أسترالية حديثة أجراها باحثون من جامعة فلندرز، وحللت 300 مقطع فيديو عن التغذية ونمط الحياة الصحي على “تيك توك” و”إنستغرام”، أن نحو 78 بالمئة من صناع هذا المحتوى لا يحملون أي مؤهل معترف به في التغذية أو الصحة أو اللياقة البدنية. والأخطر أن الباحثين صنّفوا أكثر من ثلثي المعلومات المنشورة (68 بالمئة) بأنها مضللة أو غير دقيقة، فيما اعتُبر جزء منها ضارا بشكل مباشر. أرقام كهذه لا تدع مجالا للشك في أن ما “ينتشر بسرعة” ليس بالضرورة ما يستحق أن يُصدَّق.

وجوه الفوضى في واقعنا المغربي

في المغرب، تتخذ هذه الفوضى أشكالا مألوفة: “كريمات” و”أعشاب” توعد بتنحيف الخصر خلال أيام، وخلطات “ديتوكس” تُقدَّم كحل سحري قبيل استقبال رمضان أو فصل الصيف، وعصائر “تحرق الدهون” تُباع عبر بعض الصفحات التي لا تملك أي ترخيص صحي. المشترك بين كل هذه الوصفات أنها تعد بنتائج سريعة ومبهرة، وتعتمد على صور “قبل وبعد” يصعب التحقق من صحتها، بينما تتجاهل تماما الفروق الفردية في الحالة الصحية والعمر والأمراض المزمنة.

الثمن الصحي لثقة عمياء

اتباع نصيحة غذائية خاطئة ليس أمرا بلا عواقب. فالحميات القاسية وغير المتوازنة قد تؤدي إلى نقص حاد في الفيتامينات والمعادن، واضطرابات في الأكل قد تستمر سنوات، وتفاعلات خطيرة بين بعض “الأعشاب الطبيعية” وأدوية يتناولها المريض أصلا، خصوصا مرضى السكري والضغط الدموي. والأخطر من كل ذلك، أن الوهم بوجود حل سريع قد يدفع الشخص إلى تأجيل استشارة طبيب أو أخصائي تغذية حقيقي، في وقت كان يمكن فيه التدخل المبكر أن يُحدث فرقا كبيرا.

كيف تحمي نفسك من هذا الطوفان؟

المواجهة لا تتطلب مقاطعة مواقع التواصل، بل قليلا من الحذر والتمحيص:

• تحقق من صفة من يتحدث: هل هو أخصائي تغذية مسجل فعلا، أم مجرد “مؤثر” يسوّق لمنتج؟

• احذر من يَعدك بنتائج سريعة ومضمونة دون استثناء، فالجسم البشري لا يعمل بهذه البساطة.

• لا تستبدل استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية بفيديو مهما بلغ عدد مشاهداته.

• قبل تجربة أي “خلطة” أو مكمل، اسأل: هل هناك مصدر علمي موثوق يدعم هذا الادعاء؟

في النهاية، التغذية السليمة ليست سرا يُكتشف في فيديو من ثلاثين ثانية، بل معرفة تُبنى بالتدريج، وأحيانا بمرافقة مختص. وما دامت فوضى النصائح مستمرة على الشاشات، يبقى التفكير النقدي خط الدفاع الأول عن صحتنا.