اعتبرت مجلة “جون أفريك” أن الحكومة المغربية بقيادة المنصوري لن تحظى بفترة سماح، في ظل مواجهتها تحديات كبرى يتعين إنجازها خلال خمس سنوات، وتشمل الحفاظ على نمو اقتصادي مرتفع، وتوطيد الدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتنظيم كأس العالم 2030، وتدبير مرحلة جديدة من ملف الصحراء.
وأوضحت المجلة أن الملك محمد السادس حدد، في خطابه أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر، توجهات المرحلة، داعيا إلى تحقيق “توازن منسجم” بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، بما يضمن استفادة مختلف شرائح المجتمع من ثمار التنمية.
وأبرزت “جون أفريك” أن النمو الاقتصادي لم يعد كافيا وحده، مشيرة إلى استمرار الفجوة بين تطور البنية التحتية والاستثمارات وتعزيز مكانة المغرب إقليميا، وبين الواقع المعيشي لعدد من الأسر التي لا تزال لا تشعر بآثار هذا التحول. واعتبرت أن نجاح الحكومة سيقاس بقدرتها على تحويل المؤشرات الاقتصادية إلى فرص للشغل وتحسين المداخيل ومستويات المعيشة، خصوصا بالنسبة إلى الشباب الباحثين عن العمل والأسر التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات الصحية.
وأضافت المجلة أن الخطاب الملكي وضع الشباب في مقدمة السياسات العمومية، رابطا بين التعليم والتأهيل والإدماج المهني والارتقاء الاجتماعي والثقة في المؤسسات، معتبرة أن تقييم الأداء الحكومي لن يقتصر على عدد الطرق السيارة والمناطق الصناعية المنجزة.
وفي ما يتعلق بالدولة الاجتماعية، ذكرت المجلة أن الحكومة السابقة أرست أسسها من خلال توسيع التأمين الإجباري عن المرض، وتفعيل السجل الاجتماعي الموحد، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر. وأوضحت أن نحو أربعة ملايين أسرة استفادت، بنهاية سنة 2025، من مساعدات مالية مباشرة بلغت قيمتها التراكمية 51 مليار درهم، وشملت أكثر من 5.5 ملايين طفل.
وأشارت إلى أن الحكومة الجديدة مطالبة بتحسين فعالية هذه البرامج ومعالجة الاختلالات التي ظهرت خلال السنوات الأولى من تطبيقها، ومنها صعوبات الاستهداف وإقصاء بعض الأسر بسبب تغييرات محدودة في وضعيتها، فضلا عن التخوف من فقدان الدعم عند الالتحاق بالعمل النظامي. كما ذكرت أن تصحيحات أُدخلت خلال سنة 2026 لضمان عدم القطع المفاجئ للمساعدات بسبب التصريح لدى الضمان الاجتماعي.
ولفتت “جون أفريك” إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الحكومة، وعد خلال حملته الانتخابية بالرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي الشهري من 500 إلى 1000 درهم، مع مراعاة الدخل الحقيقي للأسر بشكل أفضل، معتبرة أن تمويل هذا الوعد وتنفيذه سيشكلان معيارا لتقييم الأداء الحكومي.
وسلطت المجلة الضوء على الجهوية المتقدمة واللاتمركز، مشيرة إلى انتقاد الملك التأخر في نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية إلى الجهات. وأوضحت أن المغرب يعرف تفاوتا بين مناطق مرتبطة بسلاسل القيمة العالمية وتستقطب الاستثمارات والسياح، وأخرى يواجه سكانها صعوبات في الولوج إلى الصحة والتعليم والنقل والخدمات الإدارية.
وأكدت أن تقليص هذه الفوارق يقتضي تحويل الجهات إلى مراكز فعلية لاتخاذ القرار الاقتصادي، وتمكينها من الاختصاصات والميزانيات اللازمة، بدل بقائها مستويات إدارية إضافية.
وبخصوص كأس العالم 2030، اعتبرت “جون أفريك” أن الاستعدادات للبطولة تسرع الاستثمارات في الطرق والسكك الحديدية والمطارات والملاعب والنقل الحضري والفنادق، لكنها حذرت من خطر “تأثير الواجهة”، المتمثل في تقديم صورة مبهرة عن المغرب للخارج، دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على الحياة اليومية للمواطنين.
وشددت على أن إرث المونديال سيقاس بما سيتركه من مرافق للنقل ومستشفيات مجددة وخدمات عمومية، وليس بالملاعب وحدها، مؤكدة أن الحكومة مطالبة أيضا بالتفكير في مرحلة ما بعد 2030.
وفي ملف الصحراء، أشارت المجلة إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، شكل منعطفا بجعل مخطط الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات. واعتبرت أن الانتقال إلى مفاوضات جوهرية بشأن التسوية قد يطرح الحاجة إلى بناء مؤسسات جهوية تتوفر على اختصاصات وميزانيات وتمثيلية سياسية وآليات للتنسيق مع الدولة المركزية.
وأضافت أن الجهوية المتقدمة قد تسهم في تقليص الفوارق وتقريب القرار من المواطنين، كما يمكن أن تشكل الأقاليم الجنوبية نموذجا لتدبير ترابي أوسع، بما يجعل ملف الصحراء عاملا مسرعا لإصلاح هيكلة الدولة.
وخلصت “جون أفريك” إلى أن المغرب عزز خلال 25 عاما مقومات قوته الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية، وبدأ بناء دولة اجتماعية قادرة على حماية الفئات الهشة، غير أن التحدي المقبل يتمثل في تشغيل محركي النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي بالتوازي، مع خلق فرص الشغل وتحسين التعليم والصحة وفعالية الدعم وتمكين الجهات من صلاحيات حقيقية.
واعتبرت المجلة أن الرهان الأكبر خلال السنوات الخمس المقبلة يتمثل في ضمان استفادة المغاربة من ثمار التنمية، محذرة من أن ارتفاع الانتظارات بوتيرة أسرع من النتائج قد يحول النجاحات الوطنية إلى مصدر للإحباط لدى الفئات التي لا تزال تنتظر تحسنا ملموسا في أوضاعها.