عجز بـ 1.8 مليون برميل ونمو الواردات بـ 32.6%.. الفاتورة الطاقية تضغط على التوازنات الخارجية للمغرب
اقتصاد

عجز بـ 1.8 مليون برميل ونمو الواردات بـ 32.6%.. الفاتورة الطاقية تضغط على التوازنات الخارجية للمغرب

تواجه فاتورة الطاقة بالمغرب ضغوطاً متجددة في ظل استمرار التقلبات الحادة التي تعرفها الأسواق العالمية، وتزايد المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة وسلاسل الإمداد، في ظل ارتفاع واردات المنتجات الطاقية.

ويبرز التقرير الاقتصادي والمالي المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن هذه التطورات تنعكس على التوازنات الخارجية للمغرب، بالنظر إلى اعتماده الهيكلي على استيراد المحروقات لتلبية حاجياته من الطاقة، حيث سجلت واردات المنتجات الطاقية ارتفاعاً بنسبة 32,6% عند متم غشت 2026، وهو تطور ساهم بشكل ملموس في زيادة الواردات الإجماليةن ولا يعزو التقرير الضغوط المسجلة إلى ارتفاع الأسعار وحده، بل يربطها أيضاً بالتكاليف المرتبطة بالنقل والتأمين والتكرير، التي قد تعرف بدورها زيادات إضافية بفعل التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي تطال سلاسل الإمداد العالمية.

النفط.. تقلبات سعرية تعكس هشاشة أسواق الإمداد

سجلت أسعار النفط تقلبات ملحوظة خلال سنة 2026، إذ بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 104 دولارات للبرميل خلال الفصل الثاني، قبل أن يتراجع إلى 83 دولاراً في يوليوز، ثم يرتفع مجدداً إلى 91 دولاراً في غشت. وفي 9 شتنبر، بلغ السعر 114 دولاراً للبرميل، بزيادة قدرها 68% مقارنة بأدنى مستوى سجله في أوائل يوليوز، وبانخفاض قدره 21% مقارنة بأعلى مستوى بلغه في أبريل.

ووفق المعطيات التي أوردها التقرير نقلاً عن الوكالة الدولية للطاقة، تراجعت المخزونات النفطية العالمية بمقدار 69 مليون برميل خلال يوليوز، وبنحو 410 ملايين برميل منذ بداية النزاع في الشرق الأوسط. كما ظل إنتاج منطقة الخليج، رغم انتعاشه، أقل بنحو 8 ملايين برميل يومياً من مستواه المسجل قبل الحرب.

وفي ما يتعلق بآفاق السوق، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة تراجع الطلب العالمي على النفط بمقدار 1,6 مليون برميل يومياً خلال سنة 2026، بفعل الاضطرابات في مضيق هرمز وارتفاع الأسعار وصعوبات الإمداد، قبل أن ينتعش بمقدار 2,4 مليون برميل يومياً سنة 2027، كما تتوقع انخفاض متوسط العرض العالمي بمقدار 4,3 ملايين برميل يومياً سنة 2026، يعقبه ارتفاع بمقدار 8,3 ملايين برميل سنة 2027، ليصل إلى 110,3 ملايين برميل يومياً.

وتظل توقعات الأسعار، بحسب التقرير، رهينة بتطور الوضع الجيوسياسي وحركة الملاحة البحرية. فالتهدئة المستدامة وإعادة فتح الممرات البحرية قد تسرّعان تراجع الأسعار، في حين يمكن أن يؤدي استمرار صعوبات الملاحة أو وقوع هجمات جديدة إلى زيادة الضغوط على مخزونات النفط الخام والمنتجات المكررة. وفي هذا الإطار، تتوقع الوكالة تسجيل عجز في سوق النفط بنحو 1,8 مليون برميل يومياً خلال الفصل الثالث من سنة 2026، قبل تحسن مرتقب في نهاية السنة.

الغاز الطبيعي.. ارتفاع الأسعار وتفاوت بين الأسواق

لم تقتصر الضغوط على النفط، بل شملت أيضاً أسواق الغاز الطبيعي، التي سجلت ارتفاعاً في الأسعار مع استمرار تفاوتات مهمة بين المناطق. ووفق بيانات البنك الدولي الواردة في التقرير، ارتفع سعر الغاز الأوروبي من 15,17 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في يونيو إلى 18,06 دولاراً في يوليوز، ثم إلى 21,11 دولاراً في غشت.

وفي المقابل، بلغ سعر الغاز الطبيعي المسال المستورد في اليابان 13,94 دولاراً في غشت، مقابل 11,79 دولاراً في يونيو، بينما تراجع سعر الغاز الأمريكي «هنري هوب» إلى 2,77 دولاراً. ويبرز هذا التباين اختلاف مستويات التعرض للقيود اللوجستية بين الأسواق، ولا سيما في أوروبا وآسيا.

وبالنسبة إلى البلدان المستوردة للطاقة، يحدد التقرير أبرز المخاطر في انتقال ارتفاع الأسعار إلى تكاليف النقل والإنتاج، وتدهور شروط التبادل التجاري، وتفاقم الضغوط التضخمية. أما بالنسبة إلى المغرب، فيظل تقلب أسعار النفط عاملاً مؤثراً في الفاتورة الطاقية والتكاليف المرتبطة بغاز البوتان، مع ارتباط انتقال أثر هذه التقلبات بآليات تحديد الأسعار وأدوات التأمين ضد المخاطر وسعر الصرف.

غير أن التقرير يدعو، من خلال عرضه لهذه التطورات، إلى أخذ عوامل أخرى بعين الاعتبار عند تقييم العجز التجاري، إذ لا يرتبط تطوره بارتفاع فاتورة الواردات الطاقية وحدها، بل يعكس أيضاً الجهود المبذولة في مجال الاستثمار وتحديث النسيج الإنتاجي الوطني، فارتفاع واردات الطاقة وسلع التجهيز والآلات والمدخلات يرفع، على المدى القصير، الضغط على الميزان التجاري والاحتياجات من العملة الأجنبية، وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن واردات التجهيز والمدخلات الضرورية للنشاط الاقتصادي قد تتيح، على المدى المتوسط، مكاسب في الإنتاجية وتعزز القدرة التصديرية للاقتصاد الوطني.

ويضع التقرير ارتفاع الفاتورة الطاقية ضمن مجموعة من القنوات التي تنتقل عبرها تطورات الاقتصاد العالمي إلى الاقتصاد المغربي، وتشمل تكاليف الاستيراد والضغوط التضخمية وتقلبات أسعار الصرف، وتزداد أهمية هذه القنوات في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن آفاق النمو العالمي، إلى جانب الاضطرابات التي تعرفها أسواق المواد الأولية ومسارات الإمداد.