يحيى التوزاني
منتدى العمق

حين تعتلي التفاهة المنصات ويستدرج القطيع

لم تعد التفاهة مجرّد استثناء عابر في فضائنا الرقمي، ولا السفاهة نزوة تصدر عن بعض الحمقى ثم تنطفئ؛ لقد تحوّلتا إلى ظاهرة متغوّلة، تمدّ أذرعها في كل اتجاه، وتزاحمان العلم والأدب والفكر، حتى غدا صاحب العقل الرصين غريبًا في سوق لا يُكافأ فيها المرء على ما يقدّم من نفع، بل على مقدار الضجيج الذي يُحدثه، وعدد الأفواه التي ينجح في إضحاكها، ولو كان ثمن ذلك كرامته وكرامة الآخرين.

يا لها من مفارقة موجعة! أمّةٌ كانت تتباهى بعلمائها وأدبائها وفلاسفتها، فإذا ببعض فضاءاتها الرقمية تمنح الصدارة لمن لا يحسن تركيب جملة مفيدة، ولا يملك من المعرفة إلا جهلًا واثقًا بنفسه، ولا من الأدب إلا قاموسًا متخمًا بالبذاءة، ولا من الحضور إلا قدرةً عجيبة على استفزاز الغرائز واستدراج العقول إلى مستنقع الابتذال.

لقد أصبحنا أمام مشهد مقلوب: التافه نجم، والوقح مؤثّر، والعالم متّهم، والمثقف مهمّش، وصاحب الرسالة الجادة مطالبٌ بأن يعتذر عن جديّته في زمن صار فيه الضحك على كل شيء دليلًا على خفة الروح، ولو كان ذلك الشيء كرامة إنسان أو وجع أمة أو حرمة دين!

أولًا: جاهلٌ يعتلي المنصّة وقطيعٌ يصفّق

أخطر ما في هذه الظاهرة ليس أن يتكلم الجاهل؛ فالجهل قديم، وإنما أن يتحوّل الجهل إلى سلطة، وأن يجد الجاهل من يصفّق له، ويقتفي أثره، ويستأذنه في مواقفه، ويستمدّ منه معاييره في الحكم على الناس والأشياء.

يخرج أحدهم على متابعيه بعبارات سوقية، وإشارات مبتذلة، وخصومات مفتعلة، فيحصد آلاف المشاهدات، ثم تتضخم أرقامه حتى يتوهّم أنه صار مرجعًا في الحياة، وأن كثرة المتابعين شهادة علم، وأن تصفيق الجماهير صكّ براءة من الجهل وسوء الخلق.

وما علم المسكين أن الجماهير قد تجتمع حول المهرّج، لكنها لا تمنحه بذلك صفة الحكيم؛ وأن الضجيج قد يملأ الساحات، لكنه لا يصنع حقيقة؛ وأن عدد الذين يضحكون لك لا يقيس بالضرورة عدد الذين يحترمونك.

والمؤلم أن بعض هؤلاء لا يكتفي ببيع تفاهته، بل يحوّل متابعيه إلى مصدر للربح، يستدرّ عواطفهم، ويستثير حماستهم، ويبتزّ إعجابهم بطلب الهدايا الرقمية والتبرعات، حتى يصبح المشهد أشبه بمسرحية رديئة يدفع الجمهور ثمن تذكرتها، ثم يخرج منها وقد خسر ماله ووقته وشيئًا من احترامه لعقله.

أيّ إفلاس هذا الذي يجعل الإنسان يتسوّل المال باسم الشهرة، ويستثمر في سذاجة الآخرين باسم المحبة، ثم يتباهى بما جمعه وكأنه حقّق إنجازًا حضاريًا؟!

ليس العيب في الهدايا التي تُقدَّم برضا أصحابها، ولا في كل من يربح من صناعة المحتوى، وإنما العيب حين تتحوّل العلاقة بين صانع المحتوى وجمهوره إلى استغلالٍ للعاطفة، وتسليعٍ للكرامة، وتجارةٍ في الوهم.

ثانيًا: حين يصبح الجسد بضاعةً والحياء خسارةً تجارية

وفي زاوية أخرى من هذا السوق، يقف من اختار أن يجعل من جسده مسرحًا للاستعراض، ومن الإيحاءات الجنسية وسيلةً للصيد، ومن مكبوتات المتابعين سلّمًا للصعود نحو الشهرة والمال.

لا حديث عن موهبة، ولا أثر لفن، ولا رسالة تحمل معنى؛ إنما استثارة متواصلة للغرائز، وتسويق محسوب للمفاتن، وتلاعب رخيص بضعف النفس البشرية، وكأن الإنسان لم يُخلق بعقل وروح وكرامة، بل بمجموعة من الشهوات ينبغي الضغط عليها حتى تفتح خزائن المال وتفيض الهدايا.

وهنا لا بد من قول كلمة صريحة: ليست الحرية أن تجعل من كل شيء فيك سلعة، وليست الجرأة أن تخلع عن خطابك ثوب الحياء، وليست الشهرة أن تتحوّل إلى مادة للاستهلاك العابر في عيون الغرباء.

إن الجسد ليس عيبًا، والجمال ليس جريمة، لكن تحويل الإنسان إلى واجهة للإغراء، واختزال حضوره كله في قدرته على استثارة الغرائز، يكشف أزمةً في تصور الكرامة الإنسانية قبل أن يكشف أزمةً في المحتوى الرقمي.

والمفارقة أن بعض هذه الحسابات تحصد أرقامًا خيالية، بينما تقف محتويات تربوية وثقافية وعلمية أمام أبواب الاهتمام متواضعة الحضور، لا لأن العلم فقد قيمته، بل لأن جزءًا من الجمهور بات يريد لذّةً سريعة بلا جهد، ومتعةً بلا تفكير، وإثارةً لا تترك وراءها سوى الفراغ.

ثالثًا: مهرّجون بلا فنّ، وضحكٌ يقتل الذوق

أما بعض من انتسبوا إلى عالم الفكاهة، فقد اختزلوا الفن في الصراخ، والسخرية في الإهانة، والإضحاك في تقليد الحركات البذيئة، أو النيل من الناس في أشكالهم ولهجاتهم وأعراضهم.

وكأن الكوميديا لم تعرف يومًا فنانين يصنعون البهجة من ملاحظة دقيقة، أو ينتقدون عيوب المجتمع بذكاء، أو يضحكوننا من غير أن يجرحوا أحدًا، أو يرفعون الذوق العام بدل أن يهبطوا به إلى القاع.

الفكاهة فنّ، والفن يحتاج إلى موهبة وذكاء وحسّ إنساني؛ أما أن تتخذ من الوقاحة سلّمًا، ومن التنمّر مادةً للضحك، ومن إذلال الآخرين وسيلةً لاستجداء التفاعل، فذلك ليس إبداعًا، وإنما عجزٌ عن الإضحاك إلا بالانحدار.

إن الضحك الذي يحتاج إلى كسر خاطر إنسان، أو التشهير بامرأة، أو إهانة فقير، أو تحقير ضعيف، ليس انتصارًا للفكاهة، بل هزيمة للأخلاق متخفّية في ثوب النكتة.

ليس كل من أضحك الناس فنانًا، كما أن ليس كل من ملأ الشاشة حضورًا يستحق أن يحتلّ مكانًا في الوعي.

رابعًا: حين يتحوّل الدين إلى طُعم، والسنة إلى ساحة للمزايدة

ولعلّ أشدّ المشاهد إيلامًا أن تتسلّل هذه التفاهة إلى المجال الديني؛ فتُتخذ المقدسات مادةً لجمع المتابعين، وتتحوّل السنة النبوية إلى ساحة للمهاترات، ويُختزل العلم الشرعي في مقاطع مستفزّة، وأحكام متعجّلة، وخصومات لا تنتهي.

يخرج بعضهم إلى الناس وكأنه امتلك مفاتيح الحقيقة وحده، فيوزّع التبديع والتضليل، ويطعن في العلماء والدعاة، ويجعل من المخالف خصمًا ينبغي إسقاطه، لا إنسانًا يمكن مناقشته بالحجة والأدب.

وآخرون يتناولون الأحاديث والأحكام بلا تأصيل ولا فهم للسياق، يقتطعون النصوص من مواضعها، ويقدّمون للناس أحكامًا مثيرة للجدل، لأنهم يعلمون أن الخصومة الدينية تجلب التفاعل، وأن الغضب يرفع المشاهدات، وأن الانقسام يمنح صاحب المقطع فرصةً جديدة للظهور.

وهنا تصبح الكارثة مضاعفة؛ لأن المتاجرة بالتفاهة قد تفسد الذوق، أما المتاجرة بالدين فقد تفسد الوعي وتشوّه صورة الإسلام في أعين الناس.

ليس الدفاع عن السنة النبوية صراخًا في وجه المخالف، ولا نصرة الدين في إهانة الخلق، ولا علامة العلم أن تتسع قائمة خصومك، ولا دليل الغيرة على الشريعة أن تجعل من أعراض العلماء والدعاة مادةً يومية للتشهير.

إن الدين أمانة، والعلم مسؤولية، والكلمة الشرعية ليست طُعمًا لاصطياد المتابعين، والسنة النبوية أرفع من أن تتحوّل إلى سلعة في مزاد المشاهدات.

ومن حق الناس أن يسألوا، وأن يناقشوا، وأن ينقدوا؛ لكن من حق الحقيقة أيضًا ألا تُختزل في مقطع مبتور، وألا تُحاكم بمنطق الأكثر صراخًا، وألا يصبح الدين رهينةً لخوارزميات تبحث عن الإثارة ولو على حساب الحكمة والإنصاف.

خامسًا: من المسؤول عن هذا الانحدار؟

قد يكون من السهل أن نلقي اللوم كله على المنصات الرقمية، وأن نتهم خوارزمياتها بأنها رفعت الرديء وخفضت الجيد، لكن الحقيقة أوسع من ذلك.

فالمنصة تعرض، وصانع المحتوى ينتج، والمعلن يمول، والجمهور يختار، وكل مشاهدة وإعجاب ومشاركة قد تسهم في منح محتوى ما مزيدًا من الانتشار.

حين نشارك مقطعًا مهينًا بدعوى السخرية منه، قد نكون قد منحناه انتشارًا إضافيًا. وحين نتابع شخصًا فقط لنراقب فضائحه، قد نكون قد أسهمنا في تحويل فضيحته إلى مشروع مربح. وحين نمنح المحتوى الهابط وقتنا كل يوم، ثم نتساءل عن اختفاء المحتوى الهادف، فإننا ننسى أننا جزء من معادلة العرض والطلب.

إن الخوارزميات لا تعمل في فراغ؛ إنها تتأثر بما يجذب الانتباه، وبما يطيل زمن المشاهدة، وبما يثير التفاعل. ولذلك فإن مقاومة التفاهة لا تكون بالشكوى وحدها، وإنما بإعادة الاعتبار للاختيار الواعي، ودعم المحتوى النافع، ومكافأة أصحاب المواهب الحقيقية بالمتابعة والنشر والتشجيع.

ولا يعني ذلك أن كل محتوى ترفيهي تافه، أو أن كل مشهور فارغ، أو أن كل من يربح من منصاته مستغلّ؛ فبين هؤلاء من يقدّم فنًّا راقيًا، وعلمًا نافعًا، وتجارب إنسانية تستحق التقدير. وإنما حديثنا عن ظاهرةٍ جعلت من الابتذال طريقًا مختصرًا إلى الشهرة، ومن الجهل سلعةً رائجة، ومن استغلال الجمهور مهارةً يتباهى بها أصحابها.

وأخيرًا: من يحرّر عقولنا من عبودية التفاهة؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ليس أن تنتشر فيه التفاهة، بل أن يفقد القدرة على تمييزها؛ وليس أن يتصدّر المشهد جاهل، بل أن يصبح الجهل في نظر الناس ذكاءً، والوقاحة شجاعةً، والاستعراض نجاحًا، والثرثرة علمًا، والقدرة على حشد الجماهير دليلًا على امتلاك الحقيقة.

عندها لا نكون أمام أزمة محتوى فحسب، بل أمام أزمة معايير، وأزمة تربية، وأزمة ذوق، وأزمة وعي.

فما جدوى أن نعلّم أبناءنا القراءة إذا كانت المنصات تكافئ من لا يقرأ؟ وما جدوى أن نغرس فيهم الحياء إذا كانت الوقاحة طريقًا إلى المال؟ وما جدوى أن نربّيهم على احترام العلماء إذا كانت الشتيمة تمنح صاحبها آلاف المتابعين؟ وما جدوى أن نحدّثهم عن قيمة الوقت إذا كانوا يرونه يتسرّب كل ليلة في متابعة أشخاص لا يضيفون إلى أرواحهم شيئًا؟

إننا لا نحتاج إلى إغلاق الهواتف، ولا إلى إعلان الحرب على الترفيه، بل نحتاج إلى استعادة زمام عقولنا، وإلى أن نتذكّر أن المتابعة موقف، وأن المشاركة مسؤولية، وأن الشهرة لا تمنح صاحبها قيمةً لم تكن فيه، وإنما قد تكشف ما كان يخفيه غياب المحاسبة.

فلنمنح العالم النافع فرصةً ليُسمع صوته، ولنتوقف عن تمويل الانحدار من حيث لا نشعر، ولنعلم أبناءنا أن الإنسان لا يُقاس بعدد الذين يعرفونه، بل بما يعرفه، وبما ينفع به، وبما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.

فليس كل من تصدّر المشهد يستحق الصدارة، وليس كل من امتلك جمهورًا امتلك رسالة، وليس كل من جمع المال جمع القيمة، وليس كل من هزّ شاشات الناس حرّك فيهم عقلًا أو أيقظ فيهم ضميرًا.

ويا حسرةً على زمنٍ قد يُهمل فيه صاحب الفكر لأن صوته هادئ، ويُحاصر فيه صاحب الرسالة لأن خطابه لا يثير الغرائز، بينما يُفتح الباب على مصراعيه لمن يبيع الوهم في عبوات براقة، ويُقدّم السخف في صورة بطولة، ثم يقف مزهوًّا أمام جمهوره، لا يسأل نفسه ماذا صنع بعقولهم، ولا ماذا ترك في أرواحهم، ولا بأي وجه سيواجه ضميره حين تنطفئ الأضواء وتُغلق الشاشات.

إن الحضارات لا تسقط حين يكثر فيها الجهلاء فحسب، بل حين يتوقف العقلاء عن مقاومة الجهل، وحين يصمت أصحاب الذوق أمام الابتذال، وحين يصبح التصفيق للتفاهة أعلى من صوت الحقيقة.

فاحذروا أن تمنحوا التافهين من أعماركم ما لم يستطيعوا أن ينتزعوه من عقولكم؛ فبعض الشهرة لا يصنعها الإبداع، وإنما يصنعها جمهورٌ نسي أن من حقه أن يختار، وأن من واجبه أحيانًا أن يُدير ظهره.

أحيانًا، يكون أعظم نقدٍ للتفاهة ألّا نمنحها مشاهدة، وأصدق انتصارٍ للوعي ألّا نشارك في صناعة الأصنام من ورق.