انتقد برلمانيون من الأغلبية والمعارضة الاختلالات التي ما تزال تطبع منظومة التعليم العالي بالمغرب، محذرين من استمرار التفاوتات المجالية في توزيع المؤسسات الجامعية، وضعف المنح الجامعية، والاكتظاظ، وتعثر مشاريع إحداث نوى جامعية بعدد من الأقاليم، ومطالبين وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بتسريع إصلاح الخريطة الجامعية وضمان تكافؤ الفرص بين الطلبة، خاصة المنحدرين من المناطق القروية والجبلية والبعيدة.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الاثنين، دعا النائب البرلماني عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية العياشي الفرفار إلى الانتقال من تشخيص أزمة الجامعة إلى اتخاذ قرارات عملية لتجاوزها، مشيدا بصراحة الوزير في عرض الاختلالات، لكنه اعتبر أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على التعليم العالي، بل يجب أن يشمل البحث العلمي والابتكار، باعتبارهما رافعتين أساسيتين للتغيير وتحقيق التنمية المستدامة.
وحذر الفرفار من اختزال إصلاح الخريطة الجامعية في منطق توزيع المؤسسات بين المجالات الترابية، أو تحويلها إلى موضوع للتنافس السياسي، مشددا على أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بمكان وجود الجامعة، بل بمكانتها وقدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار وتكوين كفاءات تستجيب لحاجيات سوق الشغل.
وقال إن الأسر المغربية أصبحت تلجأ إلى القروض من أجل تمويل تعليم أبنائها، وهو ما يفرض توفير مؤسسات جامعية ذات جودة وقادرة على المنافسة، معتبرا أن التصنيفات الدولية للجامعات المغربية تثير الإحراج، كما وصف تسجيل الجامعات المغربية 63 براءة اختراع بأنه رقم مخجل، داعيا إلى جعل البحث العلمي والابتكار في صلب الإصلاح، وربط الجامعة بأولويات السيادة الوطنية، خصوصا في أبعادها الغذائية والمائية والصناعية والطاقية.
وفي السياق ذاته، أثار النائب البرلماني عن فريق التقدم والاشتراكية محمد قاشا إشكالية ضعف المنحة الجامعية وغياب مؤسسات للتعليم العالي في عدد من الأقاليم، مستحضرا وضعية جهة درعة تافيلالت وإقليم تنغير، حيث تواجه الأسر والطلبة صعوبات في متابعة الدراسة الجامعية.
ودعا قاشا الوزير إلى الإسراع بإعداد المخطط المديري للتعليم العالي، بما يضمن العدالة المجالية والتوازن والإنصاف في توزيع الخدمات والموارد والفرص بين الجهات، انسجاما مع مقتضيات القانون الجديد للتعليم العالي الصادر في فبراير 2026، مؤكدا ضرورة الاستجابة لانتظارات المناطق التي تعاني نقصا في المؤسسات الجامعية، تفاديا لاستمرار الفوارق بين المجالات الترابية.
من جهته، دعا النائب البرلماني محمد التايكي عن فريق العدالة والتنمية إلى إحياء مشروع إحداث 47 نواة جامعية سبق أن أقرته حكومة سعد الدين العثماني، معتبرا أن تقريب الجامعة من المناطق القروية والجبلية والبعيدة من شأنه الحد من الهدر الجامعي وتمكين أبناء هذه المناطق من متابعة دراستهم دون تحمل أعباء التنقل والإقامة.
واستحضر المتحدث وضعية جهة درعة تافيلالت، التي قال إنها موزعة بين جامعتي ابن زهر ومولاي إسماعيل، معتبرا أن عدم توفرها على جامعة مستقلة يطرح سؤال الإنصاف المجالي. كما أثار إشكالات بكلية ورزازات، مشيرا إلى أن نحو 40 قاعة ظلت مغلقة بعد زلزال 8 شتنبر 2023، وفق ما ورد في مداخلته، وهو ما انعكس على ظروف الدراسة وتوقيت الحصص. وتحدث أيضا عن تسجيل نحو 700 طالب في شعبة الاقتصاد والتدبير لم تُفتح بالكلية، ما اضطرهم، بحسب قوله، إلى متابعة الدراسة بتارودانت وإنجاز الإجراءات الإدارية هناك.
أما النائب البرلماني خالد العجلي عن الفريق الحركي، فركز على ضعف قيمة المنحة الجامعية وصعوبات الولوج إلى المؤسسات، معتبرا أن المنحة تحولت بالنسبة إلى الطلبة إلى “محنة جامعية”، في ظل عدم مواكبة قيمتها لارتفاع تكاليف المعيشة. وأشار إلى أن المنحة لم تعرف زيادة منذ سنة 2019، وأن قيمتها اليومية لا تتجاوز 17 درهما، وفق ما جاء في مداخلته.
وحذر العجلي من انعكاس تأخر صرف المنح على التحاق الطلبة بمؤسساتهم الجامعية، خاصة في ظل اقتراب الامتحانات، كما أثار إشكالية ارتباط الاستفادة من المنحة بالدعم الاجتماعي للأسر، داعيا إلى معالجة هذه الاختلالات باعتبارها من المداخل الأساسية للحد من الهدر الجامعي.
بدورها، شددت البرلمانية رجاء مسو، عن الفريق الاشتراكي، على أن توسيع الخريطة الجامعية ينبغي أن يواكبه توزيع عادل للمؤسسات والتخصصات بين مختلف جهات المملكة. وأشارت إلى أن توسع جامعة ابن زهر وإحداث مؤسسات في تيزنيت وتارودانت واشتوكة آيت باها لم ينهيا مشكل الاكتظاظ، في ظل استمرار استقبالها طلبة من زاكورة ودرعة تافيلالت والأقاليم الجنوبية.
واعتبرت مسو أن الطالب المغربي لا ينبغي أن يتحمل كلفة انتمائه الجغرافي، مؤكدة أن الحديث عن تكافؤ النتائج يظل غير مكتمل ما لم تتوفر للطلبة فرص انطلاق متكافئة وظروف مناسبة لمتابعة الدراسة، ودعت إلى جعل الجامعة رافعة للعدالة المجالية والتنمية المحلية واللاتمركز.
من جانبها، أثارت البرلمانية اعتماد الزاهيدي، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، وضعية النوى الجامعية التي قالت إنها أُلغيت في عدد من المناطق، معتبرة أن ذلك يساهم في تعميق صعوبات ولوج الفتيات إلى التعليم العالي، خصوصا في المناطق البعيدة عن الجامعات.
واستشهدت بوضعية عدد من الجماعات التابعة لعمالة الصخيرات تمارة، مشيرة إلى أن بعض الطالبات يضطررن إلى قضاء ساعات طويلة في التنقل لمتابعة دراستهن بجامعة محمد الخامس، رغم أن المسافة لا تتجاوز 40 كيلومترا في إحدى الحالات التي عرضتها، داعية إلى إعادة النظر في قرار إلغاء أكثر من 33 نواة جامعية، والعمل على إحياء المشاريع المرتبطة بها، كما طالبت بالحفاظ على مشاريع الأحياء الجامعية وتنفيذها.
وفي مداخلة أخرى، طالب الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي بتحديد رؤية واضحة وجدولة زمنية لتنزيل إجراءات توسيع الخريطة الجامعية، مشيرة إلى حاجة إقليم إفران إلى نواة جامعية تتيح لأبنائه متابعة الدراسات العليا، وتخفف الأعباء التي تتحملها الأسر بعد حصول أبنائها على شهادة البكالوريا.
كما دعت المجموعة النيابية لتحالف اليسار إلى وضع استراتيجية واضحة لإنهاء التفاوتات المجالية في التعليم العالي، معتبرة أنه لا يعقل أن تضم جامعة واحدة خمس جهات، أو أن تظل مدن تتوفر على مؤسسات جامعية تابعة لجامعات في مدن أخرى، في حين تستمر مدن أخرى، من بينها قصبة تادلة، في غياب مؤسسات جامعية.
وأكدت المجموعة أن توسيع الخريطة الجامعية لا يمكن أن يحقق أهدافه دون توفير شروط المواكبة، من قبيل السكن الجامعي والنقل والإطعام والمنح، إلى جانب تحسين أوضاع الأساتذة وربط التخصصات الجامعية بالمؤهلات الاقتصادية للمناطق، مستحضرة أمثلة مرتبطة بالسينما في ورزازات والفوسفاط في بن جرير.