عزيز مومني
منتدى العمق

نحو وعي مجتمعي مسؤول وتنمية حقيقية بالمغرب: الوحدة والتكافل والعدالة والعمل الصالح

يقتضي بناء مغرب قوي ومتقدم ومتماسك ترسيخ ثقافة المواطنة المسؤولة، وتوحيد الصفوف، وتعميق الاستقلال الوطني، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية الضيقة. ويتطلب ذلك تعاون مختلف الفاعلين، من مسؤولين ومنتخبين وموظفين ومثقفين وعلماء وفاعلين مدنيين ومواطنين، من أجل تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة بالمدن والقرى والجهات، في إطار من الاحترام المتبادل والعدالة والكرامة الإنسانية.

وتُعدّ الوحدة المجتمعية من أهم شروط التقدم، دون أن تعني إلغاء الاختلاف أو مصادرة حرية التعبير؛ فالمطلوب هو اختلاف التنوع والتخصص وتكامل الاجتهادات، لا اختلاف التضاد والتشاحن والتنازع. وفي هذا السياق، يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. كما قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، متفق عليه. ومن ثم، فإن تعزيز استقلال المغرب وصيانة مصالحه الوطنية يقتضيان تقوية الجبهة الداخلية، ونشر الوعي، وترسيخ الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وتدبير الاختلاف بالحوار والحكمة والمسؤولية.

ومن مقتضيات الإصلاح الحقيقي أن تُبنى السياسات العمومية على الإنصات إلى نبض الشارع، واحترام كرامة المواطنين، والاستجابة لمطالبهم المشروعة، مع مراعاة المصلحة الوطنية والالتزامات القانونية. ويشمل ذلك الإنصات إلى المواقف الشعبية الرافضة للتطبيع مع إسرائيل، وفهم دوافعها السياسية والأخلاقية والإنسانية، والتعامل معها بجدية ومسؤولية. كما ينبغي أن تتجه التشريعات والسياسات نحو تحقيق العدل وصيانة الحقوق وخدمة الصالح العام، وأن تستلهم القيم القرآنية والنبوية في المجتمع المسلم، مع مراعاة الدستور والمؤسسات والضوابط القانونية المؤطرة للتشريع.

وفي المجال التنموي، لن تتحقق نهضة المدن والقرى والجهات بمجرد تشخيص الاختلالات أو انتقاد المسؤولين، بل بتكامل المسؤولية الفردية والجماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، وترشيد الموارد، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوفير فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. وينبغي كذلك عدم إغفال المكتسبات والمنجزات القائمة، بل تثمينها والبناء عليها، دون أن يحجب ذلك أوجه القصور والحاجات التي ما تزال تنتظر المعالجة. فالنظرة المتوازنة تجمع بين تقدير الإيجابيات والنقد البنّاء، وبين الاعتراف بالمجهودات والمطالبة بتحسين الأداء.

ويظل نشر المعرفة والثقافة والوعي والتدين الصحيح ركيزة أساسية في هذا المسار؛ إذ يتعين على العلماء والدعاة وطلبة العلم والمثقفين والإعلاميين والفاعلين المدنيين تكثيف جهودهم في الواقع والفضاء الرقمي، لتقريب المعرفة من مختلف فئات المجتمع، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والأمانة والنزاهة والتسامح. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وقال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، متفق عليه. وتقتضي هذه التوجيهات أن يكون الاحترام المتبادل واجبًا أخلاقيًا في العلاقات اليومية، وفي المؤسسات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وأن يُنبذ السب والقذف والتشهير وخطاب الكراهية.

ومن المنظور الإسلامي، لا ينبغي أن تستغرق الدنيا الإنسان استغراقًا ينسيه غايته الأخروية، بل عليه أن يجعلها مجالًا للعمل والإصلاح والكسب المشروع وخدمة الناس، وطريقًا إلى مرضاة الله. قال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. فالمسلم الحق يجمع بين أداء الفرائض واجتناب المحرمات، والتقرب إلى الله بالنوافل من الصلاة والصيام والصدقة، والتحري في المشتبهات، والإحسان إلى الخلق، والإخلاص في العمل. كما يحسن استثمار وقته، وترشيد استعمال الإنترنت، والابتعاد عن الاستهلاك الرقمي المفرط، وملء أوقات الفراغ بالقراءة والتعلم والرياضة وصلة الرحم والعمل النافع، والمسارعة إلى الخيرات قبل فوات الأوان.

ولا يمكن أن تترسخ هذه القيم دون مراجعة ذاتية مستمرة؛ فإصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الفرد، كما أن إصلاح المؤسسات يقتضي مسؤولية المسؤولين والمواطنين معًا، كلٌّ بحسب موقعه واختصاصه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. ولذلك، فإن كل فرد مطالب بأن يؤدي واجباته بإتقان، ويحترم حقوق غيره، ويسهم بما يستطيع في معالجة المشكلات المحيطة به، بدل الاكتفاء بالشكوى أو تحميل الآخرين كامل المسؤولية.

وخلاصة القول، إن الطريق نحو مغرب أكثر عدلًا وتقدمًا واستقلالًا يمر عبر وحدة الصف، وتدبير الاختلاف بالحوار، وتغليب المصلحة العامة، والإنصات للمواطنين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق التنمية المجالية، ونشر المعرفة والتدين الصحيح، وترسيخ الاحترام والتعاون على الخير. وحين تتحول هذه المبادئ من شعارات إلى سلوك يومي وممارسات مؤسساتية قابلة للتقييم، يصبح التغيير الإيجابي أكثر واقعية واستدامة، وتغدو المواطنة الصالحة والعمل الصالح جناحين متكاملين لبناء مجتمع متماسك، ودولة قوية، وحياة كريمة في الدنيا، ورجاء الفوز برضوان الله في الآخرة.