تُعدّ التنمية الثقافية والعلمية إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية البشرية والترابية بمدينة خريبكة، لما لها من دور في تنمية الرأسمال البشري، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير قدرات الشباب على الإبداع والابتكار والمساهمة في معالجة القضايا المحلية. ولا يقتصر تحقيق هذه التنمية على توفير البنيات والتجهيزات، بل يستلزم أيضًا بناء دينامية ثقافية ومعرفية مستدامة تشارك فيها مختلف مكونات المجتمع.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تنظيم الجمعيات الفاعلة بخريبكة، على مدار السنة، ندوات وورشات فكرية وتربوية وعلمية تتناول قضايا المجتمع الراهنة، بما يسهم في نشر المعرفة وتوسيع دائرة المشاركة الثقافية بين مختلف فئات الساكنة. كما يمكن للمجلس العلمي المحلي أن يضطلع بدور مكمّل من خلال تنظيم لقاءات تربوية ودينية وتثقيفية داخل الفضاءات الثقافية، بما يعزز الحوار البنّاء ويربط المعرفة بالقيم والسلوك اليومي.
ومن جهة أخرى، يستدعي بناء مجتمع قارئ ومبدع تشجيع المؤسسات التعليمية على ترسيخ ثقافة الاجتهاد وحب القراءة لدى التلميذات والتلاميذ والطلبة، مع تنظيم مسابقات ثقافية بين تلاميذ الإعداديات، وأخرى بين تلاميذ الثانويات، مع مراعاة تكافؤ الفرص والتنافس بين المتعلمين المنتمين إلى المستوى الدراسي نفسه. فمثل هذه المبادرات تساعد على اكتشاف المواهب وتنمية القدرات الفكرية واللغوية وتعزيز الثقة بالنفس.
وتتطلب التنمية العلمية كذلك تعبئة الكفاءات المحلية من أساتذة التعليم العالي ورجال التعليم وحاملي الشهادات العليا، وتشجيعهم على نشر مقالات علمية وفكرية رصينة في تخصصاتهم عبر المجلات الإلكترونية والمنصات الإعلامية ذات الانتشار الواسع. كما ينبغي توظيف مجموعات التواصل الاجتماعي، وخاصة مجموعات فيسبوك وواتساب المحلية، في تداول الأفكار الهادفة والمبادرات المعرفية، بدل الاقتصار على المحتويات العابرة أو النقاشات محدودة الأثر.
ولا يمكن بناء هذه الدينامية دون التصدي للهدر المدرسي والجامعي، وتشجيع الشباب والكبار على استكمال مساراتهم التعليمية، باعتبار التعليم استثمارًا في الإنسان وفرصة لتوسيع إمكاناته المهنية والاجتماعية. ويقتضي ذلك أيضًا تعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة والجامعة والجمعيات والفاعلين المحليين لتذليل الصعوبات التي تحول دون مواصلة الدراسة والتكوين.
ومن منظور الجغرافية البشرية، تكتسب هذه المقترحات أهميتها من ارتباطها بالمجال المحلي وبكيفية استثمار موارده البشرية والمؤسساتية. لذلك، فإن إشراك الباحثين والكتاب وأساتذة التعليم العالي والفاعلين الترابيين في تشخيص موضوعي لمشكلات مدينة خريبكة، واقتراح حلول واقعية لها، يمكن أن يسهم في ربط المعرفة العلمية بصناعة القرار المحلي، وتحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى قوة داعمة للتنمية الترابية.
وخلاصة القول، إن بناء تنمية ثقافية وعلمية مستدامة بخريبكة يقتضي الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى العمل التشاركي المنتظم، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها وتوظيفها في خدمة المجتمع. فمدينة تستثمر في القراءة والتعليم والبحث والحوار والإبداع، إنما تستثمر في رأسمالها البشري، وتوسّع آفاق تنميتها، وتعزز قدرتها على مواجهة تحديات الحاضر وبناء مستقبل أفضل.