درجت الكتابات السياسية سواء الاكاديمية أو حتى الصحفية على تحليل الأنظمة السياسية ومؤسساتها بدل الغوص في مكونات الحياة السياسية ومظاهرها النظام السياسي أشمل من الحياة السياسية إذا نظرنا إلى المفهومين من زاوية علم السياسة، لكن العلاقة بينهما ليست علاقة ترادف. فإذا كان النظام السياسي هو الإطار الأوسع الذي تنتظم داخله ممارسة السلطة في الدولة ويشمل المؤسسات الدستورية، الملكية، الحكومة، البرلمان، القضاء، الأحزاب، الإدارة، قواعد تداول وممارسة السلطة، والعلاقات بين هذه المؤسسات، إضافة إلى القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تحكم العملية السياسية، فأما الحياة السياسية تشمل الحركة والتفاعلات التي تجري داخل هذا النظام كالانتخابات، ، والحملات الانتخابية، والاحتجاجات، والنقاشات العمومية، وتحولات الرأي العام، والتنافس الحزبي والترحال الحزبي، العلاقة بين الدولة والأحزاب والمجتمع، وغيرها.ففي الحالة المغربية، مثلاً، عندما ندرس النظام السياسي المغربي فإننا ندرس طبيعة الملكية، موقع الملك في الدستور، الحكومة والبرلمان، الأحزاب، المؤسسات الدستورية، وموازين السلطة. أما عندما ندرس الحياة السياسية المغربية فنحن نركز على كيفية اشتغال هذه المؤسسات والأحزاب فعلياً: الانتخابات، التحالفات، الصراعات الحزبية، الاحتجاجات، سلوك الناخبين، الخطاب السياسي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
1-الحياة السياسية أوسع من المشهد السياسي
يركز المشهد السياسي عادة على ما هو ظاهر ومؤسسي:الملك ـ الحكومة ـ البرلمان ـ الأحزاب ـ الانتخابات ـ النقابات ـ النخب.أما الحياة السياسية بالمعنى السوسيولوجي الواسع فتشمل: الفاعل السياسي ، و المواطن ، و المجتمع ،و التفاعلات اليومية ، و الرموز السياسية، واللغة السياسية ،و السخرية السياسية، و الاحتجاج ، الصمت و اللامبالاة و وسائل التواصل.وبهذا المعنى، المحكوم ليس موضوعاً للحكم فقط، وإنما منتجاً للسياسة أيضاً.فإذا جعلنا موضوع الدراسة هو النظام السياسي، فإن مركز التحليل سيكون غالباً الدولة ومؤسساتها وتوزيع السلطة والعلاقات بين الفاعلين الرسميين.أما الحياة السياسية بالمعنى الواسع، فينبغي أن تشمل أيضاً:علاقة المحكوم بالحاكم؛و تمثلات المواطنين للسلطة؛ وقبول السلطة أو رفضها أو التفاوض معها؛ والمشاركة والامتناع عن المشاركة؛ والاحتجاجات؛ والسخرية والنكتة السياسية؛ والشائعات السياسية؛و التعليقات والميمات والمحتوى السياسي في شبكات التواصل؛و طرق التعبير غير المؤسسية عن الغضب أو الرضا؛ واللامبالاة السياسية والعزوف الانتخابي؛و الثقافة السياسية اليومية؛وحتى أشكال المقاومة الرمزية التي لا تتحول إلى فعل سياسي مؤسسي.وهنا يصبح المواطن ليس مجرد ناخب يظهر مرة كل أربع أو خمس سنوات، وإنما فاعل سياسي يومي، حتى عندما لا ينتمي إلى حزب ولا يشارك في الانتخابات. كما أن السخرية السياسية تكشف شيئاً لا تستطيع الأرقام الانتخابية وحدها كشفه. فقد تكون هناك مؤسسة تحظى رسمياً بالاحترام، لكن السخرية المتداولة حولها تكشف مسافة نفسية أو رمزية بين المواطن والمؤسسة.وقد تكون هناك قرارات حكومية تبدو ناجحة في الخطاب الرسمي، بينما تكشف النكتة والميم والتعليق الشعبي عن عدم الرضا أو عدم الثقة أو فقدان المصداقية.لذلك يمكن النظر إلى السخرية السياسية باعتبارها نوعاً من «التصويت الرمزي» أو التعبير السياسي غير المؤسسي، مع الحذر من مساواتها دائماً بالموقف السياسي الفعلي.
2-الحياة السياسية من الحاكم إلى المحكوم
عندما يتم تحويل المنظور السياسي من النظام السياسي إلى الحياة السياسية ، يصبح السؤال ليس فقط:كيف يحكم الحاكم؟ بل أيضاً:كيف يستجيب المحكوم للحكم؟ وكيف يفسره، ويتفاعل معه، ويقبله، ويرفضه، ويسخر منه، ويتفاوض معه، ويتجاوزه أحياناً؟
وهنا ننتقل من دراسة السياسة باعتبارها مؤسسات للسلطة إلى دراسة السياسة باعتبارها علاقة اجتماعية مستمرة بين السلطة والمجتمع.وهذا المنظور يسمح، مثلاً، بوضع السخرية السياسية، النكتة، الميمات، العزوف الانتخابي، الاحتجاج، والهجرة أو الرغبة في الهجرة ضمن حقل واحد: أشكال تعبير المحكوم عن علاقته بالدولة والسلطة، مع اختلاف دلالات كل شكل.وبالتالي، فإن «الحياة السياسية» بالمعنى الواسع قد تكون بالفعل أرحب من «النظام السياسي»؛ لأن النظام يصف بنية السلطة، بينما الحياة السياسية تتيح دراسة بنية السلطة وتفاعلات المجتمع معها.وهذه النقطة تفتح أيضاً سؤالاً أعمق: هل يمكن اعتبار «المحكوم» فاعلاً سياسياً حتى عندما لا يمارس السياسة عبر المؤسسات الرسمية؟
3- وسائل التواصل الاجتماعي و وإعادة النظر في مفهوم السياسة
يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي تفرض إعادة النظر في مفهوم السياسة نفسه، وليس فقط توسيع مفهوم المشاركة السياسية.فالسياسة لم تعد تُمارس حصراً عبر المؤسسات التقليدية؛ أي الحزب، البرلمان، الانتخابات، النقابة، أو الاحتجاج في الشارع. الفضاء الرقمي أصبح فضاءً سياسياً موازياً تتشكل فيه المواقف والاتجاهات والضغوط والتعبئة.فالمشاركة السياسية التقليدية كانت تقاس أساساً بـ: التصويت والترشح؛ والانخراط في الأحزاب والنقابات؛ وحضور الاجتماعات والتظاهرات؛و تقديم العرائض والاحتجاج.أما اليوم، فأصبح المواطن يستطيع أن يمارس فعلاً ذا دلالة سياسية من خلال: نشر محتوى سياسي؛ والتعليق وانتقاد المسؤولين؛وإطلاق حملات رقمية؛ وتوقيع العرائض إلكترونياً؛ وتنظيم التعبئة حول قضية معينة؛و الضغط على الحكومة أو الأحزاب؛ و مقاطعة منتجات أو خدمات لأسباب سياسية…وهنا تظهر نقطة مهمة: المواطن قد يكون فاعلاً سياسياً من دون أن يكون عضواً في حزب أو نقابة أو جمعية. ونتيجة لذلك تغيرت علاقة «المحكوم» بالسلطة فالمحكوم لم يعد فقط متلقياً للخطاب السياسي، بل أصبح منتجاً وموزعاً ومعلقاً ومفسراً وأحياناً موجهاً للخطاب السياسي.وبالتالي يمكن إعادة تعريف الحياة السياسية، فبدلاً من تعريفها باعتبارها:”مجموعة الأنشطة والتفاعلات المرتبطة بممارسة السلطة داخل المؤسسات السياسية.” يمكن توسيعها إلى:”مجموع التفاعلات والممارسات التي تتصل بالسلطة والشأن العام، سواء تمت داخل المؤسسات السياسية أو خارجها، وفي الفضاء المادي أو الرقمي.” وهذا التعريف الأخير يسمح بإدخال المواطن، والسخرية، والاحتجاج، والعزوف، والشبكات الاجتماعية، والميمات، والحملات الرقمية إلى صلب دراسة الحياة السياسية، وليس اعتبارها ظواهر هامشية.غير أن تكريس هذا المنظور الموسع للحياة السياسية أو للسياسة ، عادة ما تواجهه عدة عوائق ابستمولوجية ومفاهيمية ومادية :
-العوائق الابستمولوجية
يتمثل في الدراسات الاكاديمية التقليدية والسائدة التي ما زالت تشكل عائقا فكريا وابستمولوجيا وماديا أما توسيع تدريس العلوم السياسية.فالمشكلة ليست في دراسة الدولة والأحزاب والانتخابات والمؤسسات؛ فهي تظل جوهرية. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح النموذج الوحيد لتعريف ما هو سياسي.فالمدرسة التقليدية تنطلق غالباً من سؤال:
من يحكم؟ وكيف تُمارس السلطة؟ وبالتالي يكون مركز التحليل هو الدولة، والمؤسسات، والنخب، والأحزاب، والانتخابات.لكن التحولات الاجتماعية والرقمية تفرض أسئلة إضافية: كيف يتفاعل المواطن مع السلطة؟ كيف ينتج خطاباً سياسياً؟ كيف يؤثر في الأجندة السياسية؟ كيف يستخدم السخرية أو المقاطعة أو الحملات الرقمية؟ وكيف تتحول مشاعر عدم الرضا إلى فعل سياسي؟هنا ينتقل الاهتمام من السياسة بوصفها مؤسسات إلى السياسة بوصفها ممارسة اجتماعية.
– العوائق المفاهيمية
تتجسد هذه العوائق في المفاهيم التقليدية مثل:الدولة ـ السلطة ـ الحزب ـ الانتخابات ـ البرلمان ـ النخبة ـ المشاركة السياسية. فهي وإن كانت لا تزال ضرورية في أي تحليل سياسي ، لكنها أصبحت غير كافية وحدها لفهم ظواهر مثل: المؤثر السياسي، المواطن الرقمي، الميم السياسي، الهاشتاغ، الحملات الرقمية، صناعة الترند، السخرية السياسية، التعبئة الشبكية، والضغط الإلكتروني.وبالتالي فالمطلوب ليس التخلي عن المفاهيم القديمة، وإنما إعادة توسيعها وإعادة تعريف حدودها.
– العوائق المادية والمؤسساتية
وهذا جانب مهم غالباً ما لا يحظى بما يكفي من الاهتمام. فتوسيع العلوم السياسية يتطلب: تخصصات ومقررات جديدة؛ وتكوين الباحثين في تحليل البيانات الرقمية؛ و أدوات لدراسة الشبكات الاجتماعية؛ وأرشفة المحتوى الرقمي. بالإضافة إلى خلق تعاون أكاديمي بين العلوم السياسية وعلم الاجتماع والإعلام وعلوم البيانات. بالإضافة إلى تخصيص تمويلاً للبحث في الظواهر السياسية الجديدة. أي أن المسألة ليست مجرد تغيير في الأفكار، بل تحتاج إلى إعادة تهيئة البنية الجامعية والبحثية نفسها.
إذ أن هناك مفارقة مهمة تتجلى في أن موضوع السياسة قد يكون قد توسع أسرع من العلوم السياسية الأكاديمية نفسها.فالمواطن أصبح يمارس السياسة في فضاءات جديدة، بينما لا تزال بعض المناهج الجامعية تنظر إلى المشاركة السياسية أساساً من خلال: الحزب و الانتخابات و التصويت ، و النقابة ، والاحتجاج في الفضاءات العمومية.بينما يمكن أن يكون المواطن نفسه، في الفضاء الرقمي:ناخباً و منتجاً للمحتوى و ساخراً و ناشطاً و مؤثراً و منظماً لحملة و صانعاً للرأي العام.وهذا يعني أن التحول الرقمي لم يغير فقط أدوات السياسة، بل غيّر موضوع السياسة ذاته وحدود الفاعل السياسي.
وهكذا ، فإن استمرار اختزال السياسة في مؤسسات الحكم والفاعلين السياسيين الرسميين قد يشكل عائقاً إبستمولوجياً أمام استيعاب التحولات الجديدة في ممارسة السياسة، ولا سيما انتقال جزء متزايد من الفعل السياسي إلى المجتمع والفضاء الرقمي.» . ففي الحالة المغربية تحديداً، يمكن أن يؤدي هذا المنظور إلى إعادة دراسة الشباب، والعزوف الانتخابي، والسخرية السياسية، والاحتجاجات، والميمات، وحركات التواصل الاجتماعي، والعلاقة اليومية بالمؤسسات والسلطة باعتبارها أجزاء من الحياة السياسية، وليس مجرد ظواهر اجتماعية أو إعلامية تقع خارج اختصاص العلوم السياسية. وفي هذا السياق يشكل العزوف الانتخابي والذي بلغ نسبة متدنية في انتخابات 23 شتنبر 2026إحدى الظواهر التي تطرح تحدياً تفسيرياً أمام الدراسات السياسية التقليدية، ليس بسبب غياب الاهتمام الأكاديمي بها، وإنما بسبب تعدد أبعادها وتشابك محدداتها الاجتماعية والنفسية والمؤسساتية. فإذا كانت المقاربات الكلاسيكية قد سعت إلى تفسير السلوك الانتخابي انطلاقاً من الانتماءات الحزبية والطبقية والإيديولوجية، فإن تحولات العلاقة بين المواطن والسياسة تفرض تجاوز هذه المحددات نحو فهم أعمق لمعاني الامتناع عن التصويت ودوافعه.فالعزوف لا يعبر بالضرورة عن اللامبالاة السياسية، كما لا يمكن اعتباره، في جميع الحالات، شكلاً من أشكال الاحتجاج الواعي؛ إذ قد ينتج عن فقدان الثقة في الأحزاب، أو ضعف الشعور بالفاعلية السياسية، أو عدم الاقتناع بالعرض الانتخابي، أو تفضيل أشكال بديلة من المشاركة والتعبير. ومن ثم، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي الانتقال من تفسير التصويت باعتباره اختياراً بين الأحزاب إلى تحليل الامتناع ذاته باعتباره سلوكاً سياسياً واجتماعياً متعدد الدلالات.وبهذا المعنى، لا يمثل العزوف الانتخابي مجرد مشكلة في تعبئة الناخبين، بل يشكل مدخلاً نقدياً لإعادة التفكير في حدود الوساطة الحزبية، وفي طبيعة التمثيل السياسي، وفي قدرة المؤسسات الانتخابية على استيعاب التحولات التي تعرفها علاقة المواطنين بالشأن العام. وهنا نصل إلى سؤال أبعد: هل نحن أمام توسع في موضوع العلوم السياسية فقط، أم أمام انتقال من «علم سياسة يدرس السياسة» إلى «علم سياسة يدرس كيف يصنع المجتمع السياسة أيضاً»؟ وهذا هو الرهان الإبستمولوجي الحقيقي.