بعد النجاح المميز للجمع العام لحركة التوحيد والإصلاح، والذي أكد من جديد على علو كعب الحركة في ترسيخ الديمقراطية الداخلية، وكذا رفعها السقف عاليا في التداول السلس على المسؤوليات بين الجيل نفسه وبين الجيل المؤسس والأجيال اللاحقة، كما وقع في الجمع العام الأخير بانتخاب الصديق العزيز الدكتور محمد البراهمي، لكن بقدر اعتزازنا بهذا، بقدر انشغالي ببعض الأمور والإشكاليات. بعد تقليب النظر، رأيت من المفيد تقاسمها رغبة في فتح نقاش حولها.
1- الحركة، بقدر قدرتها على ترسيخ تفردها التنظيمي، بقدر الحاجة الملحة لإعادة بعث روح تجديدية جديدة في الفكر والنظر التصوري، فكل المؤشرات الوطنية والدولية، وكذا طبيعة التحديات، هي فرص سانحة لإعادة تجديد العقل النظري للحركة من خلال طرح تصورات في أمور هي من صميم أسباب وجود الحركة، كفلسفة حضور الدين في الحياة العامة، ليس كطقس تعبدي فردي، بل كفلسفة حياة وكمرجعية صلبة للدولة والمجتمع، وكذا علاقة الدولة بالدين وتدبيرها لهذا الورش المهم، ومساءلة هذا “التأميم” الذي صارت تنحوه الدولة، وتضييق مساحات التجديد وضيق مساحات اشتغال العلماء، وخطورة هذا على المستوى البعيد. كما أنه من المفيد دائما الحرص على التوازن بين فكر الحركة وحركة الفكر، مما قال الدكتور الريسوني، فلعل أهم ميزة لحركتنا التوحيد والإصلاح هي الدينامية الفكرية وقدرتها على الإنتاج الفكري.
2- بقدر افتخارنا بالتجديد القيادي للحركة، بقدر ضرورة الانتباه إلى مغبة السقوط في فخ الجندرة بتفسيراتها الما بعد حداثية المتعسفة، وكذا التشبيب القسري، عبر اعتبارهما نقيضا موضوعيا للقيادة التاريخية وحضورها، مما يؤدي للتخلي بغير وعي عن قيادات صارت مراجع في مجالاتها، فلا حركة مجتمعية بلا زعامات وقيادات، والتجديد لم يكن يوما نقيضا لترصيد حضور القيادات التاريخية والاستفادة من خبرتها الفكرية والنظرية، بل أكثر من هذا، الاستفادة من حضورها الرمزي وما تتيحه للهيئات من قوة في المواقف والتصورات على حد سواء. فمن وجهة نظري، لا أتصور كيف يخلو المكتب التنفيذي (معذرة، لم أستسغ بعد التسمية الجديدة/المكتب الوطني)، من العلامة الريسوني والأساتذة الحمداوي والطلابي وأبي زيد والشوباني… فحضور هؤلاء لا ينبغي البتة أن يقاس بالجهد التنظيمي التقني، بل بالحضور المعنوي والخبرة الصلبة التي حازوها على مر السنين، فالحركة في حاجة للاستفادة من خبرة هؤلاء ونقلها للأجيال اللاحقة، ولا بد من تأمين عملية النقل القيادي الجيلي عبر حضور هؤلاء في مثل هذه المحطات المفصلية، وأشبه هذا بسياقة سيارة فارهة بدون تأمين بحجة أن الطريق سالكة، لكن من الحكمة استحضار التاريخ الذي لم يقع، والاستعداد لبعض الإكراهات والمحن الكبرى التي تحتاج لحضور هذه القيادة وخبرتها.
3- إذا كانت القيادات التاريخية قد أوصلت المشروع لما هو عليه اليوم من حضور وتوسع، فالمسؤولية التاريخية تقع على الأجيال الشابة لاجتراح مسارات جديدة والتسلح بالشجاعة الفكرية في اقتحام العقبات وفتح مسارات جديدة في التفكير والنظر للقضايا والإشكالات التي تجابهها الحركات ذات الخلفيات الأيديولوجية والمرجعية، وكذا التسلح بالشجاعة وعدم الركون للسهل في التدافع مع قضايا ذات حساسية، والاستفادة من شجاعة الشباب في اقتحام بعض العقبات.
4- من خلال الاطلاع على بعض مخرجات الجمع العام، وبالنظر لبروفايلات المكتب الوطني، يتضح غلبة نفس المؤهلات والكفاءات التي تكاد تكون متقاربة بين عدد معتبر من قيادات الحركة، فبقدر حاجتها لقيادات تنظيمية، فالحاجة أيضا ماسة لقيادات ذات خلفية علمية وفكرية للعب أدوار إنتاج الأفكار والتصورات، وهذا لا يعني أبدا التنقيص من هؤلاء الإخوة ومن كفاءتهم، بل الغرض هو التنبيه لضرورة التوازن بين طبيعة البروفايلات القيادية، كما أن الحركة، بانحسار قدرتها على اجتراح المسارات والأفكار، من شأنه خلق نوع من “الهروب” لعدد من الطاقات والكفاءات التي تتقاسم مع الحركة هم الإصلاح، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى أن يكون الحزب أكثر إغراء من الحركة في هذا الأمر.