تتجه الأنظار داخل مجلس جماعة الدار البيضاء نحو الاتفاقيات التي ربطت الجماعة بالشركة الوطنية لإنجاز وتدبير المنشآت الرياضية “سونارجيس”، بعدما طالب منتخبون بإخضاعها لافتحاص مالي ومحاسباتي شامل، بالتزامن مع إنهاء العلاقة التعاقدية مع الشركة والتوجه نحو إسناد تدبير عدد من المرافق الرياضية إلى الشركة الجهوية للمنشآت الرياضية للدار البيضاء “كازا ريجون سبور”.
وتأتي هذه المطالب في سياق إعادة ترتيب منظومة تدبير المنشآت الرياضية بالعاصمة الاقتصادية، وما يرافقها من تساؤلات بشأن حصيلة التجربة السابقة، ومدى احترام الالتزامات المتبادلة بين الجماعة والشركة، فضلا عن ضرورة الوقوف على الوضعية المالية للعقود التي جرى إبرامها خلال السنوات الماضية، وتحديد مختلف المسؤوليات المرتبطة بتنفيذها.
وأفادت معطيات عرضت خلال أشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر لمجلس جماعة الدار البيضاء بأن عددا من المنتخبين شددوا على ضرورة عدم الاكتفاء بإنهاء الاتفاقيات مع “سونارجيس”، بل يتعين، بحسبهم، إخضاع مختلف الجوانب المالية المرتبطة بها لتدقيق مستقل، بما يسمح بتقييم مستوى تنفيذ بنود العقود، والتحقق من سلامة العمليات المالية المرتبطة بتدبير المرافق الرياضية المعنية.
واعتبر هؤلاء المنتخبون أن الانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبير المنشآت الرياضية يقتضي تصفية الملفات السابقة على أساس واضح وشفاف، من خلال الاستعانة بمكتب متخصص في الافتحاص المالي والمحاسباتي، تكون مهمته فحص الاتفاقيات المنتهية، ومراجعة الالتزامات التعاقدية، وتحديد مدى احترام الأطراف المعنية لمقتضياتها، قبل استكمال إجراءات نقل مهام التدبير إلى الشركة الجهوية الجديدة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير عرض أمام أعضاء المجلس الجماعي أن لجنة التتبع، بعد دراستها للنقط المرتبطة بإلغاء الاتفاقيات المبرمة مع شركة “سونارجيس”، أوصت بإنهاء هذه العقود، مع انتداب مكتب محاسباتي متخصص للتدقيق في الجوانب المالية المرتبطة بها.
وتكتسي هذه التوصية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المرافق الرياضية التي شملتها الاتفاقيات، وما تتطلبه من موارد مالية وتدبيرية، فضلا عن ارتباطها بالخدمات المقدمة للرياضيين والجمعيات والأندية، وبحاجيات الساكنة إلى فضاءات رياضية تستجيب لشروط الجودة والسلامة والصيانة المستمرة.
ولا يقتصر الرهان، وفق التوجه الذي عبّر عنه المنتخبون المطالبون بالافتحاص، على معرفة الوضعية المالية للعقود فحسب، وإنما يمتد إلى تقييم مدى تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، والتحقق من أوجه صرف الموارد المرتبطة بالتدبير، ورصد أي اختلالات محتملة قد تكون أثرت على مردودية المرافق المعنية أو على جودة الخدمات المقدمة داخلها.
وسجل التقرير ذاته أن أعضاء لجنة التتبع وقفوا على ما وصفوه بعدم التزام الشركة بعدد من المقتضيات الواردة في الاتفاقيات المبرمة مع المجلس الجماعي، والمتعلقة بتدبير وتسيير المنشآت الرياضية. واستندت اللجنة إلى هذه الملاحظات في صياغة توصيتها بإنهاء العلاقة التعاقدية، مع الدعوة إلى إخضاع الجوانب المالية المرتبطة بها للتدقيق.
ومن شأن الافتحاص المرتقب، في حال تفعيله، أن يوفر معطيات دقيقة بشأن مستوى تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وأن يساعد المجلس الجماعي على تكوين صورة واضحة عن الحصيلة المالية والتدبيرية للمرحلة السابقة، بعيدا عن الاكتفاء بالملاحظات العامة أو التقييمات غير المدعومة بمعطيات محاسباتية مفصلة.
ويرى المنتخبون المطالبون بهذا الإجراء أن إخضاع الاتفاقيات السابقة للافتحاص يندرج ضمن ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، المنصوص عليه دستوريا، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتدبير مرافق عمومية تستفيد من موارد الجماعة أو ترتبط خدماتها بالمصلحة العامة.
ويطرح هذا التوجه أسئلة بشأن الكيفية التي جرى بها تتبع تنفيذ الاتفاقيات السابقة، ومدى انتظام آليات المراقبة والتقييم، فضلا عن طبيعة التقارير التي كانت تُرفع إلى الجهات المعنية حول وضعية المنشآت الرياضية ومستوى صيانتها وتدبيرها.
كما يفتح مطلب الافتحاص المجال أمام تقييم أوسع لنموذج التدبير المعتمد، من خلال مقارنة الالتزامات الواردة في العقود بالنتائج المحققة على أرض الواقع، وتحديد مكامن القصور التي ينبغي تجاوزها في المرحلة المقبلة، حتى لا تنتقل الاختلالات المحتملة من مرحلة إلى أخرى دون معالجة واضحة.
وفي المقابل، تظل نتائج الافتحاص، في حال إنجازه، هي الفيصل في تحديد طبيعة الملاحظات المسجلة وحجمها، ومدى ارتباطها بتنفيذ الالتزامات المالية أو التدبيرية، مع ضرورة التمييز بين أوجه القصور الإداري والاختلالات المحاسباتية وأي مسؤوليات أخرى قد تكشف عنها عملية التدقيق.
وتتزامن هذه المطالب مع إحداث الشركة الجهوية للمنشآت الرياضية للدار البيضاء “كازا ريجون سبور”، بمبادرة من والي جهة الدار البيضاء–سطات، لتتولى تدبير المنشآت الرياضية الكبرى بمدينة الدار البيضاء وباقي تراب الجهة، في تحول يروم إعادة تنظيم تدبير هذه المرافق وإسنادها إلى إطار جهوي جديد.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه السلطات والمنتخبون إلى تجاوز الإشكالات المرتبطة بتدبير المنشآت الرياضية، والبحث عن صيغة أكثر نجاعة في استغلالها وصيانتها وضمان استمرارية خدماتها، خصوصا في ظل تنامي الحاجة إلى فضاءات رياضية مؤهلة تستجيب لمتطلبات الأندية والجمعيات والممارسين.
وكان مجلس جماعة الدار البيضاء قد صادق على مجموعة من الاتفاقيات المتعلقة بإبداء الاهتمام بتأهيل وتدبير واستغلال وصيانة عدد من المنشآت الرياضية، في إطار توجه يرمي إلى إسناد مهام تسييرها إلى الشركة الجهوية الجديدة، بما يجعل هذه الأخيرة أمام مسؤولية تدبير مرافق ذات أهمية كبيرة داخل النسيج الحضري للعاصمة الاقتصادية.
كما أن التدقيق المالي من شأنه أن يشكل مدخلا لتفادي أي غموض بشأن مصير الالتزامات السابقة، وضمان عدم تأثير الانتقال بين الشركتين على استمرارية الخدمات أو على مصالح الجماعة والمرتفقين. ويكتسي هذا الجانب أهمية إضافية بالنظر إلى تعدد المنشآت المعنية وتنوع وظائفها، وما يفرضه ذلك من تنسيق بين الجماعة والشركة الجديدة وباقي المتدخلين.