هكذا، وبدون سابق إنذار، وقع ما لم يخطر على بال أحد، لقد فقد السيد “بنكيران” شهوة الكلام، والعجيب أنه صرح بذلك في مؤتمر حركة التوحيد والإصلاح بدون مقدمات أو توضيحات؛ لاشك أن أمرا جللا قد حدث، أمرا لا يدعو فقط للتساؤل والاستغراب؛ وإنما يدعو أيضا للقلق والحيرة. فالرجل الذي لا يملك رصيدا في البنك، ولا يملك شقة تأويه إذا طردته زوجته المصون، ولا يملك سيارة فارهة سوى تلك التي أهداه إياها جلالة الملك، ولا يملك مدارس خصوصية تُدِر عليه عشرات الملايين كل شهر، وكل ما يملكه لسان حاد يتكون من ثمانية عشر عضلة أو يزيد، لم يعد يجد في هذا اللسان تلك الشهوة التي كان يجدها وهو يراقصه يمنة ويسرة، ليقصف به العدو والحبيب على حد سواء، وما حادثة “اِلزم بيتك” إلا واحدة من عشرات الأمثلة التي سطرها التاريخ بمداد من الخيانة والعار.
تعددت الروايات وتشعبت القراءات، فهناك من رأى بأن غضبةً طالت “بنكيران” وجعلته يتوارى عن الأنظار إلى حين أن تهدأ العواصف، وهناك من ذهب إلى أن ذخيرته أوشكت على النفاد؛ لذا فهو يدّخرها ليوم أسود تكون فيه أجدى وأنفع، وهناك من ربط اختباءه بخرجته غير الموفقة التي هاجم فيها صديق دربه ورفيق رحلته السيد “سعد الدين العثماني”، حيث إنها أكلت نصيبا غير يسير من شعبيته التي بالكاد أحياها في حملته الانتخابية الأخيرة، الشيء الذي أصابه بالإحباط، وجعله يدخل في نوبة اكتئاب حادة، بدا أثرها واضحا على محياه وهو يلقي كلمته في مؤتمر الحركة “الدعوية”.
أعتقد أن جميع القراءات تملك نصيبا من الصواب؛ إلا أنني أرى أن كلمة رئيسة الحكومة، السيدة “فاطمة الزهراء المنصوري”، وهي ترد على الأسطوانات المشروخة والسرديات المتآكلة التي بنى عليها حزب العدالة والتنمية أمجاده، ومشاهدة السيد “بنكيران” لها، جعلت الدم يتجمد في عروقه، وجعلت نبضات قلبه تتسارع إلى حد لا يطيقه كهل في سنه؛ ذلك أنه فطن، بعد فوات الأوان، إلى أن زمن استحياء “أخنوش” في البرلمان، أو خجله، أو تعاليه عن الرد، أو حتى عجزه عن مسايرة محترفي العدالة والتنمية في الكلام، قد ولى من غير رِجعة، وجاءت بدلا منه امرأة خبيرة بالقانون الدستوري، ومتمرسة في العمل السياسي، والأهم من ذلك كله أنها ابنة الشعب، تعرف جيدا حيل المحتالين وفخاخ النصابين، وتعرف جيدا كيف تتعامل معهم، وهو ما يجعل “العدالة والتنمية” نمرا من ورق، وأسدا بلا أنياب، كما يجعل قرار اصطفافه في المعارضة قرارا أبله لا طائل من ورائه.
واهم من يظن بأن ما يقض مضجع بنكيران هو أن تتدهور أحوال الشعب، أو تفشي الفقر والظلم والفساد؛ إنما أشد ما يخشاه أن تبدأ الحكومة في تنفيذ وعودها والوفاء بالتزاماتها؛ لأنه لم يعهد لهذه الأعراف الجديدة مثيلا، ولم يهيئ لها جوابا، إذ ستجرده من كل “الأسلحة” التي توعد بها الحكومة، وستحرمه من بناء سرديات التشكيك والتخوين وتيئيس المواطنين من العمل السياسي، وهو ما عبر عنه وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية السيد “فوزي لقجع” تحت مسمى “خطاب التضليل”.
والحال أن جميعنا يتذكر ما قاله “بنكيران” حينما لم ينفذ شيئا مما وعد به بعد مائة يوم من تنصيبه: “ما أفسدته الحكومات السابقة في عقود من الزمن، لن يصلحه حزب العدالة في مائة يوم”، وهو كان بذلك يطلب، بطريقة غير مباشرة، من الشعب أن يصبر عليه بضعة عقود.