تزامن انعقاد أعمال القمة الثامنة عشرة لمجموعة “البريكس” في العاصمة الهندية نيودلهي ( 12 و13 سبتمبر 2026) مع سياق دولي مشتعل كاد يحجب بزخمه الإعلامي الطابع المؤسساتي الهادئ للقمة؛ إذ طغت على شاشات الأخبار العالمية ووسائل الإعلام الكبرى ملفات ملتهبة تصدرتها جولات الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتصعيد العسكري المحموم المحيط بمضيق هرمز وباب المندب. هذا التزامن الدراماتيكي حوّل بوصلة التغطية الإعلامية الغربية نحو طبول الحرب وجيوسياسية النفط التي قفزت بأسعاره فوق عتبة المئة دولار للبرميل، مما منع القمة من نيل التسويق الإعلامي المكثف. ومع ذلك، فإن هذا الحجب الإعلامي السطحي لم يغير من حقيقة أن النظام الاقتصادي العالمي قد تجاوز بالفعل عتبة الانتظار، ودخل في صلب مرحلة انتقالية تاريخية محققة منذ مطلع عام 2024؛ وهو العام الذي شهد الانعطافة الحاسمة بالتوسع التاريخي الأبرز للمجموعة وانضمام خمس دول وازنة دفعة واحدة للتكتل، ليتكرس واقع جديد لم تعد فيه الهيمنة الأحادية قدراً محتوماً لدول الجنوب العالمي.
لقد غدا البريكس اليوم واقعاً هيكلياً قائماً، بعد أن تمدد جغرافياً وديموغرافياً ليضم إحدى عشرة دولة بكامل العضوية وعشر دول شريكة، وهو ما جعله يهيمن على ما يقارب نصف الكتلة البشرية للكوكب، ويستأثر بنحو أربعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق حسابات تعادل القوة الشرائية، متجاوزاً حصة السبع الكبار التي تقهقرت إلى تسعة وعشرين بالمئة. هذا الثقل الرقمي المترسخ بات يفرض نفسه عبر الأذرع التنفيذية التي تشكل العمود الفقري للتكتل؛ وفي مقدمتها بنك التنمية الجديد، الذي يطرح نفسه حالياً كبديل تنموي فاعل يمنح القروض لدول الجنوب دون شروط سياسية أو هيكلية مجحفة، مستنداً إلى رأس مال مصرح به يبلغ مئة مليار دولار، بالتوازي مع ترتيب الاحتياطي الطارئ الذي يعمل كشبكة أمان مالي ضد صدمات السيولة العالمية. ورغم أن الدوائر الغربية تحاول التقليل من هذا الأثر بالإشارة إلى اعتماد هذه المؤسسات جزئياً على السيولة المقومة بالدولار، فإن التكتل يفرض على الأرض تقويضاً متسارعاً للامتياز الفائق للعملة الأمريكية؛ إذ تحولت أكثر من ثمانين بالمئة من تجارة الطاقة البينية إلى العملات المحلية كاليوان والروبل والدرهم والروبية، مما يعني أن استراتيجية “تعدد العملات” غدت نظاماً تجارياً موازياً يفتت حتمية الاعتماد المطلق على الدولار.
هذا الحراك المتسارع لمجموعة البريكس أحدث هزات ارتدادية عميقة في قلب القارة الأوروبية، واضعاً هياكلها الاقتصادية والاجتماعية أمام مرآة الحقيقة الجيوسياسية؛ فمن الناحية الاقتصادية، أدى انتقال مركز ثقل النمو العالمي نحو قوى البريكس المتمثلة في الهند وإندونيسيا والصين إلى محاصرة القوى التقليدية مثل ألمانيا وفرنسا في فخ الركود وتراجع التنافسية الصناعية، فضلاً عن فقدان بروكسل السيطرة على خطوط إمداد الطاقة والمواد الخام الحيوية، وانحسار طموحات “اليورو” كعملة احتياط دولية مهيمنة أمام صعود منصات الدفع الرقمية البديلة. ولم تقتصر هذه التداعيات على الأرقام الحسابية، بل تُرجمت اجتماعياً إلى ضغوط تضخمية حادة أجبرت الحكومات الأوروبية على تبني سياسات تقشفية قاسية نالت من نموذج “دولة الرفاه” التقليدي، مما عمق من تآكل الطبقة الوسطى ورفع من معدلات الإحباط الجمعي لدى الناخبين. هذا المناخ المأزوم غذى مباشرة موجات الاستقطاب السياسي وصعود التيارات الشعبوية واليمين المتطرف، بالتوازي مع ظاهرة “الهجرة العكسية للعقول والشركات الناشئة” التي بدأت تهاجر ببطء نحو المراكز التكنولوجية والبحثية الصاعدة في آسيا والمناطق المرتبطة بـ “البريكس بلس”، والتي تخلت فيها الدول الناشئة عن العقلية التابعة وباتت تجتذب الاستثمارات النوعية.
وفي موازاة الانكفاء الأوروبي، تحولت القارة الإفريقية إلى المسرح الأبرز لحرب نفوذ صامتة أعاد البريكس تفكيك قواعدها التقليدية؛ ففي مقابل النموذج الغربي التاريخي المرتكز على الإرث الاستعماري القديم والمنح المشروطة بإملاءات صندوق النقد الدولي والوصاية السياسية، بات البريكس يطرح نفسه في إفريقيا كـ “خيار استراتيجي بديل” متحرر من عقلية التبعية. ويتجلى هذا التفوق ميدانياً في تربع الصين كشريك تجاري أول للقارة، ويتجلى هذا التفوق ميدانياً في تربع الصين كشريك تجاري أول للقارة الإفريقية دون انقطاع منذ عام 2009، مدفوعة بتبادل تجاري بيني قياسي حقق مع نهاية العام الماضي قفزة تاريخية بلغت 348 مليار دولار أمريكي، تستأثر فيه بكين بربع واردات القارة السمراء، إلى جانب تغلغل روسي أمني ملأ الفراغ الفرنسي المتهاوي في دول الساحل، إلى جانب التدفقات التمويلية المرنة لبنك التنمية الجديد نحو مشاريع البنية التحتية والموانئ والتعدين. هذا النموذج القائم على “شراكة الجنوب-الجنوب” دفع دولاً إفريقية محورية مثل مصر وإثيوبيا لانتزاع العضوية الكاملة، ونيجيريا وأوغندا لتثبيت صفة الشريك؛ وهي ديناميكية لا تعني بالضرورة قطيعة إفريقية كاملة مع الغرب، بقدر ما تعكس ذكاءً استراتيجياً تستخدم فيه العواصم الإفريقية زخم البريكس كأداة مناورة قوية لتحسين شروط تفاوضها، وكسر الاحتكار الغربي لخياراتها التنموية والأمنية.
ولم يكن المغرب بمعزل عن هندسة هذا المشهد الجيو اقتصادي؛ إذ تبنت الرباط تموضعاً براغماتياً ذكياً يقوم على التأني وتنويع الشراكات الاستراتيجية دون الانجرار وراء العضوية الرسمية. وتترجم لغة الأرقام الرسمية لعام 2026 هذا النجاح، حيث قفزت المبادلات التجارية مع الصين لتتجاوز عتبة 15.66 مليار دولار، مواصلة نموها للعام الرابع عشر على التوالي. والأهم من لغة التجارة هو تحول المغرب إلى منصة جاذبة لأقطاب التكتل، تجسّد في استقطاب استثمارات صينية متكاملة لبطاريات السيارات الكهربائية تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، تُوّجت بتشغيل المصنع الضخم لشركة ‘غوشن هاي تيك’ بالقنيطرة باستثمار يبلغ 6.5 مليارات دولار. ويمتد هذا الاختراق الاستراتيجي إلى الهند والبرازيل اللتين باتت صادرات المغرب من الفوسفاط تناهز معهما عتبة 5 مليارات و3 مليارات دولار على التوالي لضمان أمنهما الغذائي، فضلاً عن شراكة الطاقة والحبوب القائمة مع روسيا والتي تدر بالتبادل بين 1.5 إلى ملياري دولار. ومن خلال هذه الشبكة المعقدة، استطاع المغرب توظيف واقع التعددية القطبية القائم كـ ‘جسر لوجستي وصناعي’ يربط دول الجنوب بالأسواق الغربية، محافظاً على قراره السيادي دون الاضطرار لدفع فواتير صراع المحاور.
هذا التحول من طور “الطموح” إلى طور “الواقع المفروض” هو تحديداً ما جعل التكتل يواجه في عام 2026 أعنف اختبار بنيوي وجيوسياسي منذ نشأته جراء الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فلم تعد الأزمة مجرد تهديد خارجي، بل أصبحت حرباً مباشرة على دولة عضو بكامل العضوية، مما وضع أدوات البريكس أمام محك حقيقي كشف في جانب منه أن التكتل ليس حلفاً عسكرياً على غرار “الناتو”، ولن يتدخل عسكرياً لحماية أعضائه. كما ظهر تباين واضح في مواقف القوى الكبرى داخله نتيجة التزاماتها السابقة؛ فبينما أدانت روسيا والصين والبرازيل الضربات الغربية بقوة، اتخذت الهند موقفاً حذراً لحماية شراكاتها الاستراتيجية مع واشنطن، في حين تعقدت الحسابات السياسية للتكتل جراء التوترات الأمنية الإقليمية التي مست مصالح دول خليجية أعضاء كالإمارات العربية المتحدة، مما حال دون صياغة مواقف سياسية موحدة تجاه أزمات المنطقة. وحتى على الصعيد التجاري، بدت كوابح الردع المالي الأمريكي واضحة، حيث اضطرت بعض الأسواق الكبرى في التكتل لامتثال حذر تجاه العقوبات الثانوية لضمان سلامة قطاعاتها الحيوية.
لكن القيمة المضافة الحقيقية للبريكس بوصفه نظاماً قائماً ومكتملاً، تجلت في قدرته على احتواء تداعيات هذه الحرب من خلال “هيكله البراغماتي المرن والممتص للصدمات”. فلم يعد بإمكان الغرب عزل إيران مطلقاً، لأن البريكس وفر شبكة ربط بديلة؛ حيث تحولت قمم واجتماعات التكتل إلى المنصة الدولية الوحيدة القادرة على جمع القادة الإيرانيين والخليجيين تحت سقف واحد لتخفيف حدة التوتر وحفظ أمن الملاحة الخليجية بعيداً عن الإملاءات الغربية. واقتصادياً، استطاع التحالف امتصاص صدمة قفزة أسعار النفط من خلال تكثيف الصين وروسيا للشراء المباشر والتسويات الفورية بالعملات المحلية، وهو ما جرّد سلاح الحصار والمنع الغربي من فاعليته التقليدية.
إن مجموعة البريكس لم تعد مشروعاً للمستقبل، بل هي القوة التعديلية التي أعادت تشكيل الحاضر بالفعل وفرضت واقع التعددية القطبية. لقد تخلى التكتل عملياً عن شرط التوافق الأيديولوجي أو السياسي التام بين أعضائه، مستبدلاً إياه بـ “براغماتية مرنة” تتيح لكل دولة المناورة وتحقيق مصالحها بين الشرق والغرب، لتؤسس بالتبعية لنظام اقتصادي عالمي جديد يتسع لتطلعات دول الجنوب، ولم تعد فيه قواعد اللعبة حكراً على القوى التي صاغت اتفاقية بريتون وودز قبل ثمانية عقود.