أولويات البرنامج الحكومي… كما يريدها المواطن
وجهة نظر

أولويات البرنامج الحكومي… كما يريدها المواطن

قدمت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري ، بصفتها رئيسة للحكومة المغربية التي ستتولى تدبير شؤون البلد ما بين 2026/2031، أول برنامج حكومي يقدم من لدن امرأة منذ الاستقلال، وطبعا لن يكون البرنامج بتاء التأنيث وحده الاستثناء، بل اعترفت السيدة الرئيسة أن الولاية الحكومية الحالية تأتي في ظرفية مغايرة داخليا وخارجيا، حيث المناخ الإقليمي والصراعات الدولية، وتصاعد خطاب الحرب بدل السلم في العديد من الأقطار، وانتعاش إعلام الاحتجاجات في سياق دولي متوتر. كلها شروط لابد أن تحكم “فلسفة الخطاب” الذي صاغته الأغلبية الحكومية وهي طبعا واعية كل الوعي بهذه الظرفية، ودرجة تأثيرها على الرأي العام الداخلي وعلى القضايا الوطنية وانشغالات وهموم المواطنين والمواطنات.

وقد يبدو لكل متصفح، منذ الوهلة الأولى، أن البرنامج الحكومي يسعى في شموليته للحفاظ على مسار الإصلاحات الكبرى التي باشرتها الدولة المغربية، وفي الآن ذاته، تسعى إلى استكمال ورش الدولة الاجتماعية. وطبعا سيكون التوازن بينهما تحديا كبيرا، لكون الرصيد الحكومي سيتأرجح لا محالة بين محاولة الوفاء بالوعود الانتخابية أمام مجتمع يراهن على تحقيق الحاجيات اليومية من تعليم وصحة وشغل، والتخلص من ثقل الأسعار المرتفعة، والتي أدى المواطن العادي وحده ثمنه، وتابعات هذه الوضعية غير المسبوقة، وفي الوقت نفسه، ستسعى الحكومة لضخ المزيد من التمويلات تخدم إتمام المشاريع الكبرى، التي تطمح الدولة عبرها لتحقيق تنافسية إقليمية ودولية، لاسيما ونحن مقبلون على تنظيم تظاهرة دولية وما يقتضي ذلك من توفير بنية تحتية تحتاج ميزانيات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها “ضخمة”، لاسيما مع المستوى المالي والاقتصادي للمملكة في ظل الإكراهات العالمية الآنية والمستقبلية.

وهنا، سيكون سؤالنا الأساس: كيف تلقى المغاربة الأولويات الكبرى للبرنامج الحكومي؟ خصوصا تلك التي تلامس حياتهم اليومية المباشرة، وماهي تأويلاتهم وطموحاتهم لتلك الأولويات؟ هل عبر البرنامج فعلا عن طموحات المغاربة أم أنه ظل بعيدا عن انتظاراتهم، طبعا حسب فهمهم وتأويلهم لمضامين البرنامج؟

أولا: تثبيت المكتسبات عير إصلاح كلفة المعيش اليومي للمواطن: أكثر ما يخاف منه “المواطن العادي”، ويقصد بالمواطن العادي، ذاك الذي لا يهتم بسلم الأولويات السياسية أو النقاشات التي تفرز المنتخب أو القوانين التي قد تعدل وتلك التي ستبقى بلا تغيير، لكنه يهتم بسلم المعيشة اليومية، وهو الذي سيعرف “الدورة الجديدة للمشاريع التنموية” باعتبارها فرصة سانحة لإعادة ترتيب الضرورات من لدن الحكومة الجديدة، لتضع غلاء المعيشة وأثمنة المحروقات و التعليم والصحة في هرم الدورة وعبرها إلى القضايا التنموية الأخرى. وخير ما فعل الخطاب المجسد في البرنامج هو التركيز على ما بات يعرف مؤخرا بـ “الأثر الاقتصادي والاجتماعي” للإصلاحات، لأن معضلة التدبير الحكومية التي تناوبت على “يوم المواطن البسيط” كانت مجرد شعارات عابرة ، نادرا، ما تترك أثرا أو تغييرا ملموسا في حياته اليومية. وهو هو ذاته الخطاب سينقلنا من مجرد ” تعميمات قانونية” أو ترسانة تشريعات لا تحظى بأي دور على مستوى الواقع، لذا، سيكون طموح المواطن هو ” تجويد الولوج إلى الخدمات الأساسية هو أنجع ما يمكن انتظاره في أولوية ” تثبيت المكتسبات”.

ثانيا: إصلاح وتيرة التشغيل الشباب كما وكيفا: من أكثر الفئات ترديدا لمقولة ” الإصلاحات الحكومية مجرد شعارات” هي فئات الشباب، والتي يعلم الجميع أنها الفئة الأكثر تعبيرا عن أولوياتها، والأكثر امتلاكا لجرأة قول “لا” بدل “نعم” حينما تفتضي الظرفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية” ذلك، بمعنى هي الأكثر صراحة، وبالتالي الأكثر تعبيرا عن مصداقية وصدق الواقع التنموي، وما عبرت عنه في أحداث “جيل Z” و “هروب سبتة” الجماعي لدليل على أن الحكومة الحالية تحتاج إلى معالجة مغايرة لمطالب الشباب، سواء على مستوى الخطاب التنموي الذي ينتجه المدبر المركزي والجهوي والمحلي، أو على مستوى الحوار الذي يعقده هؤلاء مع الفئات الشبابية، فلا يكفي الرفع من نسبة المدمجين في الشغل، بل أيض سيكون السؤال: أي شغل؟ وبأية شروط؟ وبأية استدامة؟ وهنا ستنتفي لغة الأرقام والكم لصالح الكيف، فما يطلبه شباب اليوم، لا يرتبط بالشغل فقط، بل بنوعيته، وهنا سيكون المطلب الأساس هو تقوية مداخل التكوين، التي لن ترتبط فقط بالمهام التقليدية أو حتى بنوع المعارف والقدرات وكيفية بنائها بيداغوجيا وديداكتيكيا، بل بتطوير أساليب المواكبة ومتابعة علاقة الشباب أصلا بالمجتمع، وجعل هذا الأخير يمتلك إمكانيات جديدة لمخاطبة الأجيال الجيدة وليس العكس، وهنا ستكون مهام الحكومة هو إعادة هيكلة كافة المؤسسات الساهرة على إدماج الشباب، بدأ من الأسرة، مرورا بالمدرسة، وصولا إلى سوق الشغل الذي مازال يتخبط في تحديات لن تزيد الشباب الباحث عن الشغل إلا هروبا من الواقع نحو حلول يقترحها من تلقاء ذاته باسم الاستقلالية.

ثالثا: تخليص خطاب التنمية الترابية المندمجة والدولة الاجتماعية من شعارات التعميم: يلمس المواطن أن صيحات التنمية الترابية المندمجة مجرد تغيير للشعارات من أجل التهرب من أزمة التراب crise du territoire، أي تلك الأزمة التي تتناسل جراء التعثرات المتكررة والمرتبطة فيما بينها( تعليم، صحة، شغل، التواصل بين الفعلين، التنسيق، النقل والتنقل، القرب أو البعد من المركز، الحرية، الكرامة، مدى حضور المسؤول المحلي، …)، ليدرك حسب هذا الخطاب الذي يحمل في نظره مفاهيم “ضخمة”( التراب، التنمية المندمجة، التأهيل الترابي، العدالة المجالية، …” آلية ناجعة في تأجيل حل المشكلات الترابية عير خلق خطاب جديد، يتم تداوله في انتظار صعود خطاب إصلاحي آخر دون أثر يذكر. لذا، سيكون التحديث الأكبر أمام الحكومة كامنا في أجرأة هذا الخطاب المفعم “بالبعد العلمي” في معالجة قضايا التراب، لكنها تحتاج أيضا نظرة إصلاحية تفكك كل عنصر تنموي على حدة في سياق الكل، ولاشك أن تركيز البرنامج الحكومي على العديد من التوجيهات الملكية السامية سيكون مدخلا مهما إذا ما امتلكت جل القطاعات المدبرة للشأن الترابي أدوات عملية لبلوغ “الأثر” المراد تحقيقه. وهذا يقتضي أولا عدم تعميم نفس الخطاب بنفس الحاجيات على كافة التراب الوطني، فما سيعنيه الاندماج الترابي في سلسلة الإصلاح التنموي في جهة درعة تافيلالت مثلا، ليس هو ذاته الخطاب، وليست هي ذاتها الحاجيات، وليست نفسها الأولويات في جهة الرباط سلا القنيطرة، والأمر يسري على مقارنات عدة، وربما هذا التناول الشمولي، والرغبة في خلق “التجانس الترابي في معالجة الأولويات” هو كرس الذي مغرب السرعات المختلفة.

رابعا: نحو اقتصاد اجتماعي موجه لكافة الشرائح الاجتماعية: إلى حدود الدقائق الأخيرة من الولاية الحكومية السابقة، ستتفق أغلب الفئات المجتمعية على الصعيد الوطني، على كون الاقتصاد الوطني موجه في شموليته نحو خدمة مصالح طبقة معينة، لا علاقة لها بالمجتمع في تلبية حاجياته الاقتصادية اليومية، لذا، فمفاهيم مثل: السيادة المالية، مناخ الأعمال، الابتكار، التمويل الرقمي، الاستدامة المالية، وغيرها من المفاهيم المروجة داخل خطاب الأإصلاح الاقتصادي ببلدنا، لا يرى فيها المواطن إلا دليلا على تقوية المسافة الفاصلة بين تدبير أزمته المالية اليومية وبين مدبر مالي مركزي أو جهوي لا يعرف حق المعرفة ما تواجهه الأسر في “قفته اليومية”، و سببته الزيادات المتتالية في الأسعار من استنزاف لجهوده التدبيري من أجل خلق موازنة آنية بين متطلبات المعيش اليومي والتمدرس والصحة والدواء وتحمل أعباء العائلة الممتدة، لذا، فمدخل الإصلاح الذي يحقق سيادة المواطن قبل “السيادة المالية للدولة”، هو تحسين الوضعية المالية لأرباب الأسر عن طريق مراقبة الجشع الذي يسكن ملاك المواد الاستهلاكية ذات الأهمية القصوى في حياة المواطن وعيشه اليومي. وطبعا يدرك المواطن أن هذه الوضعية التي كانت مادة خام وملائم في الحملات الانتخابية، يجب ألا تكون بعد تقديم البرنامج الحكومي محط مزايدات بين الأغلبية والمعارضة، أو فرصة لتصفية الحسابات السياسوية التي لن تساهم إلا في تأجيل فرصة الإصلاح الفعلي والواقعي للمنظومة الاقتصادية التي تمس “جيب الأسرة المغربية” بشكل مباشر.

خامسا: السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي في خدمة المواطن: قد لا لا يختلف كل مهتم بهذا البعد الاستراتيجي وضمان السيادة الوطنية في كون كل ما ينجز على هذا المستوى يخدم المواطن لا محالة، لكن واقع المواطن ورتابة مواجهة المشاكل ذاتها، تجعله ينغمس في محاولة إصلاح الحاضر أكثر ما يراهن فعليا على المستقبل. صحيح أن التحديات الإقليمية والدولية في السيادة الغذائية والصحية والمالية والتقنية تقع على عاتق الدولة وعلى مسؤوليتها في ضمان مستقبل الأمة وتجنيبه ويلات المنزلقات العالمية، ولن يتم ذلك إلا عبر محابة الهشاشة التي قد تلحق الدولة جراء صعف مناعتها السياسية والاقتصادية والثقافية والمالية، لكن المواطن يرى في الوقت ذاته، أن هذا الخوف لن يكون منبعه سوى إهمال موقع هذا المواطن في العيش الكريم والعدالة والديموقراطية وربط المسؤولية والمحاسبة والحكامة في تدبير المشترك، أكان رصيدا ماليا، أو ترابا أو ثقافة أو هوية، لأن كل ذلك بمثابة إرث مشترك لا يحق لأحد المتاجرة فيه باسم المواطنين. كأن حال لسان المواطن يلخص كل ذلك في كون: لا سيادة مائية أو غذائية أو طاقية أو مالية، … بعيدا عن خدمة المواطن، فسيادة المواطن وحدها أساس سيادة الدولة.

تلكم القضايا الكبرى التي لمستها الحكومة في برنامجها الذي حاول، من خلال مضامينه وفقراته أن يستمد قوته من مرجعيات عدة، قوامها التوجيهات والخطب الملكية السامية، النموذج التنموي( هذا النموذج الذي أُهمل، مع الأسف، إبان الولاية الحكومية السابقة رغم أهميته باعتباره مشروعا، اجتمعت في إنتاجه، طاقات وطنية لا يستهان بها)، إلى جانب تقييم الولاية السابقة، ومرجعية التوافق الحاصل بين برامج الأغلبية الحكومية، وهي آلية تبدو ناجعة منهجيا وسليمة سياسيا وتدبيريا، لكن النجاح الأكبر للحكومة الحالية، سيقاس في مدى قدرتها على تحويل كل هذه المرجعيات إلى سلوك إصلاحي يومي يخلص الأمة المغربية من أعطاب الفساد المالي والإداري عبر تخليق الحياة العامة فعلا، وليس قولا، تفعيل الجهوية كعمل تنموي يومي وليس مجرد خطابات وشعارات لا تجد لها طريقا إلى المواطن في ترابه المحلي، ثم ضبط إيقاع الإصلاحات لتلائم طموحات المغرب الحاضرة والمستقبلية.