رسالة مفتوحة إلى نائب رئيس المجلس الجماعي بتيفلت: بأي حق تتهم المرحوم آيت إيدر بالعمالة؟
وجهة نظر

رسالة مفتوحة إلى نائب رئيس المجلس الجماعي بتيفلت: بأي حق تتهم المرحوم آيت إيدر بالعمالة؟

السيد نائب رئيس المجلس الجماعي بتيفلت،

كان الأولى بكم مناقشة جدول أعمال الدورة والانشغال بقضايا سكان المدينة، بدل وصف المرحوم محمد بنسعيد آيت إيدر بـ”العميل”. فحين يطلق منتخب اتهاماً بهذه الخطورة في حق شخصية طبعت تاريخ المغرب بمواقفها السياسية والنضالية، يصبح من المشروع أن نسأله: ما الدليل الذي تستندون إليه؟

لسنا أمام اختلاف عابر حول برنامج سياسي أو قرار تدبيري، بل أمام اتهام يمس وطنية رجل ارتبط اسمه بالمقاومة وجيش التحرير، وبمسار طويل من العمل السياسي والدفاع عن الديمقراطية والحقوق والحريات.

المرحوم آيت إيدر.. مواقف لا تمحوها الاتهامات

السيد نائب الرئيس،

لم يكن المرحوم محمد بنسعيد آيت إيدر مجرد اسم في سجل الحياة السياسية المغربية، بل كان مناضلاً خاض تجربة المقاومة وجيش التحرير، وواصل مساره في العمل السياسي والمعارضة، مدافعاً عن الديمقراطية والحقوق والحريات، ومعبّراً عن مواقفه السياسية رغم ما عرفته تلك المرحلة من تضييق واعتقال ونفي.

ومن أبرز مواقفه التاريخية أنه أثار داخل البرلمان سنة 1984 قضية معتقلي تزمامارت، في وقت كانت فيه هذه القضية محاطة بصمت ثقيل وحساسية سياسية كبيرة. فقد اختار طرح ملف المعتقلين أمام المؤسسة التشريعية، مطالباً بكشف الحقيقة بشأن أوضاعهم، في وقت كان فيه الخوض في هذا الملف محفوفاً بالمخاطر السياسية.

كان ذلك موقفاً سياسياً وحقوقياً بارزاً، لأن إثارة قضية تزمامارت لم تكن أمراً سهلاً في سياقها آنذاك. وهو ما يجعل اختزال مسار الرجل في وصف “العميل” أمراً يستدعي تقديم دليل واضح يبرر هذا الاتهام الخطير.

إن استحضار هذه المحطات لا يعني أن المرحوم آيت إيدر فوق النقد أو أن تجربته السياسية معصومة من الخطأ، بل يعني أن تقييم الشخصيات التاريخية ينبغي أن يقوم على الوقائع والمعرفة، لا على إطلاق الأحكام.

الاختلاف حق.. والتخوين مسؤولية

قد تختلفون مع المرحوم آيت إيدر سياسياً، وقد تنتقدون مواقفه واختياراته، وهذا حق مشروع. لكن الاختلاف لا يمنح أحداً الحق في التشكيك في وطنية الآخرين من دون حجة.

هناك فرق واضح بين نقد المواقف السياسية وبين اتهام أصحابها بالعمالة. الأول نقاش مشروع، أما الثاني فادعاء خطير يستوجب أدلة تتناسب مع خطورته.

وكان الأولى بكم، بصفتكم منتخباً، مناقشة جدول أعمال الدورة وقضايا المدينة، بدل الانشغال بإطلاق أوصاف لا تقدم شيئاً لسكان تيفلت، ولا تسهم في حل مشكلاتهم اليومية.

فالمنتخب مسؤول عن خطابه كما هو مسؤول عن تدبير الشأن العام. ومعرفة تاريخ الوطن ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لمن يتولى مسؤولية تمثيل المواطنين داخل مؤسسة منتخبة.

سؤال واضح ومسؤولية سياسية

السيد نائب رئيس المجلس الجماعي بتيفلت،

لسنا نطالبكم بالاتفاق مع المرحوم محمد بنسعيد آيت إيدر، ولا بتبني أفكاره أو الدفاع عن اختياراته السياسية. نطالبكم فقط بتوضيح الأساس الذي استندتم إليه في وصفه بالعميل.

إن كانت لديكم أدلة تدعم هذا الاتهام، فاعرضوها أمام الرأي العام. وإن كان الأمر يتعلق بخلاف سياسي، فناقشوا مواقفه بالحجة والمعطيات، بعيداً عن التخوين والتجريح.

فالوطنية ليست حكراً على من يوزع أحكامها، والتاريخ لا يُختزل في اتهام عابر، والمسؤولية الانتخابية تبدأ من مسؤولية الكلمة.

أما المرحوم محمد بنسعيد آيت إيدر، فسيظل مساره النضالي والسياسي موضوعاً للنقاش والتقييم، شأنه شأن كل الشخصيات العامة. لكن النقاش المسؤول يقتضي الإنصاف والاحتكام إلى الوقائع، لا إطلاق اتهامات خطيرة من دون دليل معلن.

رسالة أخيرة

السيد نائب الرئيس؛

الوطنية ليست صكّاً يوزّعه السياسيون، والتاريخ ليس ملكاً لمن يرفع صوته أكثر، والمنصب الانتخابي ليس حصانةً من المساءلة. تذكّروا أن الكلمات التي تُقال في لحظة قد تبقى شاهدة على صاحبها طويلاً، وأن احترام تاريخ الوطن يبدأ بالتواضع أمام رجاله، لا بالتطاول عليهم.