عزيز مومني
منتدى العمق

رؤية إصلاحية لبناء مجتمع خريبكي راقٍ وصالح ومصلح

إن إصلاح واقع مدينة وإقليم خريبكة مسؤولية جماعية تتطلب الوعي والإرادة والعمل المتواصل، وتستوجب الانتقال من انتقاد الاختلالات إلى اقتراح الحلول والمساهمة الفعلية في التغيير الإيجابي. فالتنمية الحقيقية لا تتحقق بالمشاريع المادية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى إصلاح السلوكيات، وترسيخ القيم النبيلة، ومحاربة مختلف أشكال الفساد.

وتبدأ هذه الرؤية بإتقان أصحاب المهن والحرف لأعمالهم، وأداء الجميع واجباتهم بأمانة وإخلاص ومسؤولية، مع التصدي لأساليب الغش والخداع والكذب بوسائل مشروعة ومسؤولة. كما ينبغي أن تستشعر الساكنة أن الفضاء العام والطرق والشوارع ملك مشترك يستحق من العناية والمحافظة على النظافة ما تستحقه المنازل الخاصة، مع تشجيع جمعيات الأحياء على تنظيم حملات التشجير وتحسين البيئة، ولا سيما بالأحياء الشعبية.

ومن الضروري أيضًا نشر ثقافة الاحترام المتبادل والكلمة الطيبة والقول الحسن داخل الأحياء والجماعات الترابية، ومحاربة السب والشتم والتنابز بالألقاب والكلام النابي وكل سلوك يمس كرامة الآخرين. ويقتضي حسن التعامل الجمع بين الأخلاق الرفيعة والقدرة على وضع حدود واضحة في العلاقات الإنسانية، بما يحفظ الكرامة ويمنع الاستغلال والتجاوزات. كما ينبغي التصدي للسلوكيات المخالفة للشرع والقانون، وتوثيق الاختلالات والإبلاغ عنها عبر القنوات القانونية، مع تجنب التشهير والإساءة إلى الأشخاص.

وفي السياق نفسه، من المفيد بناء علاقات تعاون مع الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين والسياسيين والدينيين والجمعويين، ورجال الإعلام والتعليم، ممن يشهد لهم بالنزاهة والجدية والحرص على المصلحة العامة. ويمكن لهذا التعاون أن يثمر مبادرات نافعة ومقترحات عملية تسهم في معالجة المشكلات المحلية، إلى جانب تقديم أفكار بناءة إلى الأحزاب السياسية وشبيباتها وجمعيات المجتمع المدني، وتشجيعها على الاضطلاع بأدوارها الإصلاحية.

ويظل الإعلام الرقمي بدوره مجالًا مهمًا لنشر الوعي والمعرفة والثقافة؛ إذ يمكن للمشاركة الإيجابية في مجموعات الفيس بوك والواتساب المحلية، وكتابة المقالات التوعوية والتحفيزية، وتسليط الضوء على السلوكيات الحسنة والممارسات الضارة، أن تسهم في بناء رأي عام واعٍ بحقوقه وواجباته. والمطلوب هو تشجيع التصرفات التي تحترم الشرع والقانون والمصلحة المشتركة، وانتقاد الاختلالات بموضوعية، مع تقديم بدائل واقعية بدل الاكتفاء بالشكوى والتذمر.

أما البعد الديني والأخلاقي، فيمثل ركيزة أساسية لهذه الرؤية؛ فاستجابة الساكنة لنداء الصلاة وإقبالها على المساجد فرصة لتعزيز التعاون على البر والتقوى، وتشجيع الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، في الواقع والإنترنت. فالإصلاح يبدأ من النفس، ثم يمتد إلى الأسرة والجيران والأصدقاء والعائلة، ويتسع ليشمل المجتمع كله. وليس المطلوب أن يكون الإنسان صالحًا في سلوكه الشخصي فحسب، بل أن يسهم كذلك في الإصلاح، وفق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابط الحكمة والرفق واحترام القانون.

وتقتضي هذه الرؤية ترسيخ قيم العفة والحياء والاستقامة والتقوى والصدق والإخلاص ومراقبة الله، إلى جانب الاحترام المتبادل والمعاملة الحسنة والرقي الفكري والإبداع والإيثار والتعاون. كما تستلزم أن يؤدي كل فرد واجباته أولًا، ثم يطالب بحقوقه بالوسائل المشروعة، لأن بناء مجتمع متوازن يقتضي الجمع بين المسؤولية الفردية والمطالبة الجادة بالحقوق.

وفي المحصلة، تحتاج خريبكة إلى استنبات قدوات مجتمعية صالحة ومصلحة، تتميز بعلو الهمة وبعد النظر والطموح، وتعمل على تفكيك أسباب الفساد واختلال التدبير بأساليب ذكية وحكيمة وسلمية وقانونية. فالإصلاح المستدام لا يقوم على الشعارات أو المواجهات الانفعالية، وإنما على الوعي والتنظيم والتعاون والاستمرارية، وعلى تحويل الأفكار الإيجابية إلى مبادرات ملموسة.

إن خريبكة التي ننشدها هي مدينة يتقن فيها الإنسان عمله، ويحترم فيها القانون والآخر، وتصان فيها البيئة والكرامة، وتنتشر فيها المعرفة والقيم النبيلة، ويتعاون فيها المواطنون والفاعلون من أجل المصلحة العامة. وتحقيق هذه الغاية يبدأ بخطوة صادقة من كل فرد، ويتعزز بتضافر جهود الجميع، حتى يصبح الإصلاح ثقافة مجتمعية راسخة لا مجرد أمنية عابرة.