أدخلت الاستقالة التي قدمتها نبيلة الرميلي من رئاسة مجموعة الجماعات الترابية للتوزيع بجهة الدار البيضاء سطات مكونات الأغلبية المسيرة في حالة استنفار سياسي، بعدما تحولت عملية اختيار خلف لها على رأس هذه المؤسسة إلى بؤرة خلاف حاد بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، في تطور يكشف حجم التباينات التي باتت تطبع العلاقة بين مكونات التحالف المحلي بالعاصمة الاقتصادية.
وبحسب المعطيات المتوفرة لدى جريدة “العمق المغربي”، فإن سباق خلافة الرميلي لم يعد مجرد إجراء تنظيمي يقتضي انتخاب رئيس جديد، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الأحزاب المشكلة للأغلبية بالتفاهمات السابقة التي قامت عليها تحالفاتها، خصوصا في ما يتعلق بتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسات المنتخبة.
وفي الوقت الذي تشبث فيه التجمع الوطني للأحرار بأحقيته في الاحتفاظ برئاسة المجموعة، برزت تحركات من جانب الأصالة والمعاصرة لإعادة ترتيب موازين القوى، بما يتيح له الظفر بهذا المنصب.
وتعود خلفية الاستقالة إلى حالة التنافي المرتبطة بتعدد المسؤوليات الانتدابية، وفق المعطيات المتداولة بشأن الجمع بين العضوية البرلمانية ورئاسة مجالس ترابية، وهو ما دفع الرميلي إلى التخلي عن رئاسة مجموعة التوزيع، مع احتفاظها برئاسة مجلس جماعة الدار البيضاء.
وقد فتح هذا الشغور الباب أمام تنافس سياسي بين حلفاء الأمس، في وقت كانت فيه الترتيبات الأولية توحي بإمكانية استمرار الأحرار في تدبير هذه المؤسسة، بالنظر إلى التوافقات السابقة داخل الأغلبية.
وفي هذا السياق، أفادت المصادر ذاتها بأن محمد بوسعيد، المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عقد لقاء مع عبد الرحيم بنضو، المنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة، بهدف احتواء الخلاف والتوصل إلى صيغة توافقية تضمن استمرار التحالف المحلي وتجنب انتقال التوتر إلى باقي المؤسسات المنتخبة.
غير أن المباحثات، وفق المعطيات المتوفرة، لم تسفر عن اتفاق بشأن هوية الرئيس المقبل، بعدما رفض بوسعيد المقترحات التي من شأنها نقل رئاسة المجموعة من الأحرار إلى حزب آخر.
ووفق المصادر نفسها، فقد طرح بنضو صيغة لتسوية الخلاف تقوم على منح التجمع الوطني للأحرار منصب النيابة الأولى، إلى جانب منصب كاتب المجلس، مقابل إسناد الرئاسة إلى الأصالة والمعاصرة.
وكان هذا المقترح يرمي إلى إيجاد مخرج سياسي يحفظ التوازن بين الطرفين، ويتيح إعادة توزيع المسؤوليات داخل المجموعة، غير أن تمسك كل طرف بموقفه جعل فرص التوافق تتراجع، وأبقى المفاوضات رهينة حسابات سياسية تتجاوز مجرد تدبير منصب شاغر.
وفي المقابل، تحرك حزب الأصالة والمعاصرة لتأمين أغلبية انتخابية قادرة على دعم مرشحه أحمد بريجة، من خلال فتح قنوات التنسيق مع عدد من الأحزاب السياسية، من بينها الاستقلال والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن هذه الاتصالات قد تمنح الحزب إمكانية تجميع الأصوات اللازمة للظفر بالرئاسة، حتى في ظل استمرار الخلاف مع حليفه داخل الأغلبية، وهو ما ينذر بإعادة رسم التحالفات داخل مجموعة التوزيع.
وأمام هذه التطورات، اتجهت التنسيقية الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار، أمس الثلاثاء، إلى سحب تزكيتها لحليمة فكري، التي سبق أن أعلن الحزب دعمه لها لخلافة الرميلي، مع التلويح بالانسحاب من سباق الرئاسة، احتجاجا على ما اعتبره خرقا من جانب الأصالة والمعاصرة لبنود ميثاق الأغلبية المتفق عليه.
ويعكس هذا القرار انتقال الخلاف من مرحلة التفاوض حول توزيع المسؤوليات إلى مرحلة الاحتجاج السياسي، بما قد يضع مستقبل التفاهمات بين الحزبين على المستوى المحلي أمام اختبار صعب.
وتطرح هذه المواجهة أسئلة بشأن قدرة الأغلبية المسيرة بالدار البيضاء على الحفاظ على تماسكها، في ظل تزايد التنافس حول مواقع المسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة. فبينما يعتبر الأحرار أن رئاسة مجموعة التوزيع تدخل ضمن التوازنات التي جرى الاتفاق عليها مسبقا، يرى البام أن التحالفات تظل خاضعة لإمكانية إعادة التفاوض حول المناصب، وهو اختلاف في تأويل التفاهمات قد يتحول إلى مصدر توتر يمتد إلى ملفات أخرى داخل مجلس المدينة والمجالس التابعة له.
ولا تتوقف أهمية هذا الصراع عند هوية الرئيس المقبل، بل تتصل أيضا بمستقبل تدبير مجموعة الجماعات الترابية للتوزيع، باعتبارها مؤسسة معنية بملف حيوي يرتبط بالخدمات الأساسية والتنسيق بين الجماعات المعنية. فاستمرار التجاذبات السياسية قد يعقد عملية الانتقال إلى قيادة جديدة، ويضع مكونات الأغلبية أمام مسؤولية الفصل بين الحسابات الحزبية ومتطلبات ضمان استمرارية عمل المؤسسة.