من المثير للاهتمام أن مدونة السير المغربية لا تترك استعمال المنبّه الصوتي أالكلاكسون دون ضوابط؛ فالمادة 43 من المرسوم رقم 2.10.420 تمنع استعماله داخل التجمعات العمرانية إلا في حالة خطر وشيك، كما تمنع استعماله المتواصل إلا في حدود الضرورة. في حين يتحول فيه هذا المنبه الصوتي أو الكلاكسون في فضاءات المدن بالمغرب خاصة شوارع الدارالبيضاء إلى صوت شبه دائم: سائق يضغط عليه بمجرد تغير إشارة المرور، وآخر يستعمله للتعبير عن الغضب، وثالث يطلقه لتنبيه سيارة أمامه رغم أن الطريق مزدحم ولا توجد إمكانية فعلية للتقدم. وقد يستعمله البعض للتعبير عن الاحتجاج أو لفرض الأسبقية، بدل الاكتفاء بوظيفته الأساسية في التنبيه عند الضرورة. مما حول هذا السلوك إلى سلوك يومي بكل ما يترتب عنه من تداعيات اجتماعية وبيئية في تناقض تام مع روح المواطنة
1-الكلاكسون من وسيلة للتنبيه إلى سلوك يومي
يمكن تناول ظاهرة استعمال الكلاكسون في المغرب باعتبارها أكثر من مجرد ظاهرة مرتبطة بالسير والجولان؛ فهي مدخل لفهم العلاقة بين الفرد والفضاء العام، وبين الاستعجال الشخصي واحترام حق الآخرين في الراحة والأمان.
وهكذا يمكن تفسير إكثار استعمال الكلاكسون من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:
-ثقافة الاستعجال المتمثل في الرغبة في الوصول بسرعة، حتى عندما تكون حركة السير مكتظة ولا تسمح بأي تقدم.
-ضعف الصبر في الفضاء العام من خلال اعتبار تأخر الآخرين عائقاً شخصياً يستوجب الضغط عليهم بالمنبه.
-تحويل الطريق إلى مجال للتنافس من خلال استعمال المنبّه لفرض الأسبقية أو التعبير عن عدم الرضا، وكأن الطريق ملكية خاصة للسائق.
-الازدحام وضعف تنظيم السير في بعض المواقع: وهي عوامل موضوعية قد تزيد من التوتر وتكرار استعمال المنبّه.
-التطبيع مع الضجيج ، فعندما يصبح الكلاكسون جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية، يقل شعور مستعمله بأنه يتسبب في إزعاج الآخرين.
و هكذا ، فمن المهم التمييز بين استعمال الكلاكسون لتفادي حادث محتمل، وهو استعمال وظيفي مشروع، وبين استعماله المتكرر للتعبير عن الغضب أو الضغط على الآخرين. حيث تبرز المسألة الأعمق: هل نتعامل مع الطريق باعتبارها فضاءً مشتركاً تحكمه قواعد متساوية، أم باعتبارها مجالاً يسعى فيه كل فرد إلى فرض إرادته على الآخرين؟ إذ يمكن تناول ظاهرة استعمال الكلاكسون في المدن المغربية باعتبارها أكثر من مجرد سلوك مرتبط بالسياقة؛ فهي تكشف عن جانب من ثقافة التواصل في الفضاء العام، وعن علاقة السائقين بالقانون والوقت والآخرين. فالكلاكسون الذي وُضع أساساً للتنبيه إلى خطر محتمل، أصبح في بعض السياقات وسيلة للتعبير عن الاستعجال والاحتجاج وطلب المرور، بل وأحياناً للتعبير عن الغضب أو فرض الحضور في الطريق. وهكذا يمكن التمييز بين عدة استعمالات للكلاكسون في الشارع المغربي:
*التنبيه الوقائي: من خلال تحذير سائق أو راجل من خطر وشيك، وهو استعمال وظيفي ومشروع.
*طلب إفساح الطريق: من خلال تنبيه السائق الذي أمامك إلى التحرك، حتى عندما لا يكون هناك خطر يستدعي ذلك.
*التواصل غير اللفظي: باستعمال إشارات صوتية قصيرة للتفاهم بين السائقين، أو لجذب انتباه شخص ينتظر على جانب الطريق.
*الاحتجاج والغضب: من خلال إطلاق الكلاكسون بشكل متواصل للتعبير عن الاستياء من سلوك سائق آخر.
*فرض الأسبقية: باستعمال الصوت للضغط على الآخرين وإجبارهم على إخلاء الطريق، وكأن ارتفاع الصوت يمنح صاحبه حق المرور.
من خلال هذه الحالات وحالات مشابهة ، يظهر بان استعمال الكلاكسون من طرف السائقين المغاربة لا يؤدي وظيفة واحدة؛ بل يصبح بمثابة لغة اجتماعية غير مكتوبة، تختلف دلالاتها بحسب المكان والتوقيت وسلوك مستعملي الطريق. مما يكشف أن الإفراط في استعمال الكلاكسون يعكس ثقافة للسياقة لا تتضمنها قوانين تعلم السياقة وضوابطها. ويمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال أربعة أبعاد مترابطة:
1. الاستعجال وضعف القدرة على الانتظار، ففي بعض حالات الازدحام، يستعمل السائق الكلاكسون بمجرد توقف حركة السير، حتى عندما يكون سبب التوقف خارجاً عن إرادة السائقين. وهنا يتحول المنبّه إلى وسيلة لتفريغ التوتر، بدل أن يكون أداة لتجنب الخطر. وقد تناولت مادة صحفية منشورة على موقع SNRT News هذه العلاقة بين استعمال الكلاكسون والضغط والغضب في حركة السير بالمدن المغربية.
2. التواصل الذي يتحول إلى ضغط على الآخرين ، حيث قد يستعمل السائق الكلاكسون للتعبير عن طلبه المرور، لكن تكرار الإشارات الصوتية أو إطالتها قد يحول التواصل إلى ضغط وإزعاج. وفي هذه الحالة، لا يعود الكلاكسون مجرد رسالة إلى السائق الآخر، بل يصبح وسيلة لمحاولة فرض الإرادة عليه.
3. ضعف احترام الفضاء المشترك ، فالطريق فضاء عمومي يتقاسمه السائقون والراجلون وسائقو الدراجات. واحترام هذا الفضاء يقتضي إدراك أن حرية الفرد في استعمال الطريق تنتهي عندما تتحول إلى مضايقة غير مبررة للآخرين. لذلك، يمكن ربط الإفراط في استعمال الكلاكسون بمسألة أوسع هي مدى ترسخ ثقافة المواطنة في السلوك اليومي.
4. الفجوة بين القانون والممارسة حيث تنص المادة 43 من المرسوم رقم 2.10.420 المتعلق بقواعد السير على منع استعمال المنبه الصوتي داخل التجمعات العمرانية إلا في حالة خطر وشيك، كما تمنع استعماله المتواصل إلا عند الضرورة. وتؤكد المادة 44 ضرورة الاقتصار ليلاً على الحالات القصوى.
من هنا ، يمكن طرح هذا السؤال من زاوية سوسيولوجية هل أصبح الكلاكسون بديلاً عن التواصل الحضاري أو الاجتماعي؟. فالتواصل السليم بين السائقين يقوم على توقع سلوك الآخرين، واحترام الأسبقية، واستعمال الإشارات في مواضعها، والتحلي بالصبر عند الازدحام.أما حين يصبح الكلاكسون وسيلة دائمة للتعبير عن الغضب أو الاستعجال، فإننا نكون أمام نمط من التواصل يطغى عليه رد الفعل الفوري، بدل التفاعل القائم على احترام القواعد المشتركة.ومع ذلك، لا ينبغي تعميم هذا الحكم على جميع السائقين المغاربة، ولا اختزال الظاهرة في نقص الوعي الفردي؛ إذ يمكن أن تسهم فيها أيضاً كثافة المرور، وضيق بعض الطرق، وضعف تنظيم حركة السير، والضغط المرتبط بالتنقل اليومي.
2-الافراط في استعمال الكلاكسون من التوتر الفردي إلى التوتر الجماعي
تظهر خطورة ظاهرة الافراط في استعمال الكلاكسون عندما يتكرر هذا السلوك يومياً، فيتحول الضجيج إلى جزء مألوف من الحياة الحضرية، لكنه يظل مصدراً للضغط والانزعاج. فداخل المنازل: قد يتداخل ضجيج الطريق مع الراحة والنوم والعمل أو الدراسة، خاصة في المنازل القريبة من المحاور المرورية. كما قد يؤدي إطلاق الكلاكسون بين مستعملي الطريق بنبرة عدائية إلى ردود فعل متبادلة، فيتحول خلاف بسيط حول الأسبقية إلى مواجهة لفظية. أما في المجال العام، فقد يصبح الهدوء استثناءً، ويضطر الأفراد إلى التكيف مع ضجيج لا يملكون السيطرة عليه. بينما على المستوى الاجتماعي، فقد يساهم تكرار هذه التجارب في تطبيع السلوك المزعج، بحيث يعتبر بعض السائقين إطلاق المنبه باستمرار أمراً عادياً، حتى عندما لا تقتضيه السلامة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المدن المغربية الكبرى؛ إذ خلصت مراجعة علمية منشورة سنة 2026 إلى أن الضجيج البيئي يمثل تحدياً صحياً وحضرياً في المغرب، وأن التعرض له يتفاوت بين الأحياء بحسب كثافة المرور والبنية العمرانية وظروف السكن. وهكذا فإن الإفراط في استعمال الكلاكسون لا يرفع مستوى الضجيج فحسب، بل قد يخلق حلقة متبادلة من التوتر: سائق متوتر يطلق المنبه، وآخر يشعر بالاستفزاز فيرد بعصبية، ثم ينتقل التوتر إلى بقية مستعملي الطريق والسكان. ومن هنا، يصبح الحد من هذه الظاهرة جزءاً من حماية الصحة النفسية، وتحسين جودة البيئة الحضرية، وترسيخ ثقافة التعايش والمواطنة في الحياة اليومية بالمغرب.
3. الكلاكسون بوصفه مرآة لثقافة المواطنة
يمكن ربط الإفراط في استعمال الكلاكسون بثلاثة مظاهر من السلوك اليومي:
-ضعف احترام المجال المشترك ، حيث أن السائق يفكر في رغبته في المرور، دون أن يراعي بالضرورة ظروف الآخرين أو حقهم في الهدوء.
-التعبير عن السلطة الفردية ، حيث يتحول الصوت المرتفع إلى وسيلة للضغط والاحتجاج وفرض الحضور.
-تراجع الضبط الذاتي ، حيث لا يكفي وجود القانون؛ إذ يتطلب احترام الفضاء العام أن يمتنع الفرد عن سلوك مزعج حتى عندما لا توجد مراقبة مباشرة.
و هكذا يتقاطع هذا السلوك مع ظواهر يومية أخرى، مثل احتلال الأرصفة، والوقوف العشوائي، وإزعاج رواد المقاهي، ورمي النفايات في الأماكن العامة. فالقاسم المشترك بينها ليس بالضرورة غياب الوعي وحده، بل أيضاً صعوبة تحويل احترام الآخرين إلى قاعدة مستقرة في السلوك اليومي. فالمفارقة أن القانون موجود، لكن السلوك لا ينسجم معه دائماً
وهذا يعني أن المشكلة ليست قانونية فقط، بل تتعلق كذلك بمدى احترام القواعد وتطبيقها والتوعية بها. فوجود قاعدة قانونية لا يضمن وحده تحولها إلى ممارسة اجتماعية راسخة.كما يكشف الافراط في استعمال الكلاكسون عن أزمة في التواصل الاجتماعي ، حيث يمكن النظر إلى الكلاكسون باعتباره شكلاً من أشكال التواصل غير اللفظي. لكن عندما يصبح وسيلة للتوبيخ أو الاستعجال أو التعبير عن الغضب، فإنه يتحول من أداة لتفادي الخطر إلى وسيلة لنقل التوتر من سائق إلى آخر.وقد يؤدي ذلك إلى حلقة متكررة: ازدحام يولّد التوتر، والتوتر يولّد الضجيج، والضجيج يزيد التوتر، فتتراجع قدرة مستعملي الطريق على التحلي بالصبر والتعاون. لكن هذا لا يعني هذا أن جميع السائقين المغاربة يتصرفون بالطريقة نفسها، أو أن الظاهرة تعكس صفة ثابتة في المجتمع المغربي؛ بل يتعلق الأمر بسلوك يمكن أن يتأثر بالازدحام، وتنظيم المرور، والمراقبة، والعادات المكتسبة.
4. استعمال الكلاكسون و التربية على المواطنة
يمكن القول أن هذه الظاهرة تطرح سؤالاً أعمق من مجرد احترام قواعد السير. إذ إلى أي حد أصبح بعض الأفراد يتعاملون مع الفضاء العام باعتباره مجالاً لتحقيق مصالحهم الفردية، بدلاً من اعتباره مجالاً مشتركاً تحكمه حقوق متبادلة؟ فعندما يطلق سائق الكلاكسون مراراً لأنه يريد الوصول بسرعة، من دون مراعاة ظروف الآخرين، فإنه يعطي الأولوية لحاجته الآنية على حساب راحة المحيطين به. وفي المقابل، فإن السائق الذي يمتنع عن استعمال الكلاكسون إلا عند الضرورة يساهم في حماية حق الآخرين في الهدوء والسلامة. وبالتالي ، فهل يعكس الإفراط في استعمال الكلاكسون أزمة في ثقافة المواطنة، أم أنه نتيجة لضغط المرور وضعف تنظيم المجال الحضري، أم أنه تفاعل بين العاملين؟ ولمحاولة الإجابة، عن هذا السؤال ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
– المستوى الفردي: ضبط الأعصاب، والصبر، واحترام حق الآخرين في الطريق.
– المستوى الاجتماعي: طبيعة التواصل بين الناس، ومدى تقبلهم للانتظار والاختلاف واحترام المجال المشترك.
– المستوى المؤسساتي: تطبيق قانون السير، وتنظيم المرور، وتوفير شروط تنقل أكثر سلاسة وأماناً.
و على الرغم من أن الدعوة إلى تهذيب سلوك السائقين وحدها؛ بل يلزم الجمع بين التربية الطرقية، وتطبيق القانون، وتحسين تنظيم السير، إلا أن الوصلات التحسيسية التي تداوم اللجنة الوطنية للمحافظة على السلامة الطرقية على بلورتها ونشرها عادة ما تتغافل التركيز على التنبيه بشدة إلى هذه الظاهرة وخطورتها.
وهكذا ، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على تحرير المخالفات وفرض الغرامات كما تنص على ذلك مدونة السير، بل يمكن أن تشمل بالأساس تكثيف التوعية باستعمال المنبّه عند الضرورة فقط. و تطبيق قواعد السير بصورة منتظمة، بما يقلل الإحساس بأن المخالفة تمر دون مساءلة.و إدراج احترام المجال العام ضمن التربية على المواطنة.و تحسين تنظيم المرور في النقاط التي يتكرر فيها الازدحام والتوتر. و ترسيخ فكرة أن حق السائق في التنقل لا يلغي حق السكان والمارة في بيئة أقل ضجيجاً.لكن ينبغي ألا نختزل هذه الظاهرة في غياب التربية أو المواطنة وحدهما؛ فالازدحام وسوء تنظيم المرور وضعف تطبيق القواعد عوامل قد تزيدها تفاقماً. لذلك، فإن معالجتها تتطلب الجمع بين تغيير السلوك الفردي وتحسين شروط التنقل والحد من الضجيج.
وعموما ، فإن استعمال الكلاكسون في الشارع المغربي يصلح مدخلاً لدراسة العلاقة بين السلوك الفردي والثقافة الاجتماعية واحترام القانون. فالمشكلة ليست في استعماله عند الضرورة، وإنما في تحوله من أداة للتنبيه إلى وسيلة للتعبير عن التوتر وفرض الأسبقية وإزعاج الآخرين. ومن هنا، فإن ترشيد استعماله ليس مجرد مسألة تتعلق بآداب السياقة، بل جزء من بناء ثقافة مواطنة تجعل الطريق فضاءً مشتركاً تحكمه الحقوق والواجبات، لا قوة الصوت وردود الفعل. وهكذا يمكن اعتبار استعمال الكلاكسون مدخلاً صغيراً لدراسة سؤال كبير في المجتمع المغربي: كيف ننتقل من احترام القانون خوفاً من العقوبة إلى احترام الآخرين انطلاقاً من الاقتناع بأن الفضاء العام ملك للجميع؟
وهذا السؤال يتجاوز حركة السير إلى مفهوم المواطنة نفسه؛ لأن المواطنة لا تظهر فقط في المشاركة السياسية أو التصويت في الانتخابات…، بل تظهر أيضاً في التفاصيل اليومية، وفي قدرة الفرد على ممارسة حريته دون تحويلها إلى مصدر إزعاج للآخرين.