تخضع التفاعلات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا لعملية إعادة هيكلة جذرية تتحدى الأطر التقليدية التي سادت في حقبة القطبية الثنائية أو الأحادية الأمريكية. يمثل الاجتماع الرباعي رفيع المستوى الذي استضافته طهران يوم 26 أكتوبر 2026 بين قادة “حلف مكة للدفاع المشترك” (السعودية، تركيا، باكستان) والقيادة الإيرانية، تجسيداً حياً لتحول سلوك الدول من “الارتهان الأمني للقوى العظمى” إلى ما تطلق عليه أدبيات العلوم السياسية “الاستقلال الاستراتيجي الذاتي” (Strategic Autonomy ). تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذا المشهد عبر إسقاط نظريات العلاقات الدولية (الواقعية الدفاعية، والوظيفية الجديدة) على آليات عمل الحلف وتكامل البريكس، لاستشراف مآلات التوازن الإقليمي الجديد.
أولاً: فك شفرة “حلف مكة” في ضوء الواقعية الدفاعية (Defensive Realism)
من منظور الملاحة العسكرية التقليدية، تبرز إشكالية “عدم التناسب الاستراتيجي”؛ إذ كيف يمكن لتكتل دفاعي يضم قوة نووية كبرى (باكستان) وثاني أكبر جيش في حلف الناتو (تركيا) أن يتشكل لمواجهة هجمات مسيرات متقطعة من فاعل من غير الدول كجماعة الحوثي؟ كما أن فرضية انخراط هذا الحلف في بناء مظلات دفاعية عملياتية على الأرض السعودية لصد التهديدات الفعلية الناتجة عن الصدام الأمريكي-الإيراني المشتعل تظل فرضية مفندة واقعياً، لأنها ستدفع أنقرة وإسلام آباد تلقائياً إلى خندق الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية، وهو أمر مستبعد تماماً لما يمثله من مجازفة جيوسياسية داخلية وإقليمية قد تفجر الجبهات البرية لباكستان أو تقوض التفاهمات التاريخية المستقرة لتركيا مع جارتها الإيرانية.
هذا التناقض الظاهري يجد تفسيره الأكاديمي في نظرية “الواقعية الدفاعية” لروبرت جيرفيس وستيفن والت، وتحديداً مفهوم “التحوط الاستراتيجي وتوزيع المخاطر” (Strategic Hedging) . وبناءً على الفرضيات التي طرحتها “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” (Carnegie Endowment) حول سعي عواصم المنطقة لبناء أمن إقليمي مستقل، يمكن الاستنتاج بأن هذا الحلف ليس أداة حرب هجومية أو اصطفاف ميداني مباشر، بل هو “رافعة دبلوماسية وسياسية خشنة بزي عسكري”.
تتأسس هذه الفرضية على أن الحلف أُسس ككتلة سياسية موازنة تمنح الرياض ظهيراً إقليمياً وازناً يتيح لها التفاوض مع طهران بندية واستقلالية مطلقة، بعيداً عن إملاءات المظلة الأمريكية التقليدية المتقلبة. والهدف الاستراتيجي من هذا التموضع بزي عسكري (استخباراتي وأمني) هو تجريد الأطراف الخارجية (واشنطن وتل أبيب) من ذريعة فرض الوصاية الأمنية وعسكرة الممرات المائية بحجة حماية الحلفاء. الرسالة الضمنية الموجهة لطهران، والتي أكدتها أوراق بحثية صادرة عن معهد “سيتا” (SETA) التركي، هي أن استقرار الخليج وتدفقات الطاقة هما خط أحمر تضمنه قوى إقليمية وازنة، مما يفرض على الجميع الانتقال نحو ترتيبات سلمية ودبلوماسية تديرها عواصم المنطقة بنفسها ولحساب مصالحها المشتركة، كبديل وحيد لإنهاء دوامة الأزمات.
ثانياً: سيناريو التحالف الصامت وتحييد الاستراتيجيات الخارجية
في المقابل، تبرز فرضية أخرى بالغة الأهمية تربط هذا التحرك الدبلوماسي بالصعود التدريجي والاندماج المتسارع لتكتل “البريكس”، والذي بات يضم السعودية وإيران كعضوين بارزين يجلسان جنباً إلى جنب على طاولات تفاوض دولية. ورغم أن البريكس يُعرّف قانونياً بأنه منصة اقتصادية ومالية بالدرجة الأولى، إلا أن دراسة تحليلية نشرها معهد “أوريان 21” (Orient XXI) الفرنسي ترجح سعي التكتل لبناء ما يسميه خبراء السياسة “تحالفاً هيكلياً غير رسمي” (De Facto Alliance) .
ويتجلى هذا السيناريو بوضوح في السلوك البراغماتي لتركيا؛ فعلى الرغم من احتفاظها بعضويتها التاريخية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن صانع القرار في أنقرة لم يعد يعول على الحلف كضمانة أمنية مطلقة، لاسيما بعد العجز الهيكلي والتردد الاستراتيجي الذي كشفت عنه الحرب الروسية- الأوكرانية في مواجهة التهديدات الوجودية. هذا التقييم التركي، المعزز بخلافات حادة وعميقة مع أقطاب الناتو الرئيسيين (تحديداً واشنطن وباريس) حول ملفات التسليح والأمن الإقليمي، دفع أنقرة للبحث عن شبكات أمان بديلة خارج المظلة الغربية.
من هنا، لا يعود هذا التحالف الصامت بحاجة إلى وثائق دفاع مشترك معلنة، بل يتشكل عملياً عبر بوابة “التكامل التكنولوجي والدفاعي البيني”، وتوطين التكنولوجيا الحساسة، واعتماد مسارات تبادل مالي رقمية خارج منظومة الدولار ونظام “سويفت” العالمي. هذا السيناريو، في حال نضوجه وتكامله، قد يؤدي إلى تحصين الدول الأعضاء ضد أدوات الابتزاز أو الحصار الاقتصادي الغربي. كما أنه سيعطل بشكل مباشر خطط واشنطن وتل أبيب الرامية لبناء أحلاف عسكرية موجهة أو مشاريع “ناتو شرق أوسطي” تدمج إسرائيل في المنطقة وتستخدم العواصم العربية كخطوط دفاع أولى في صراعاتها الجيوسياسية .
ثالثاً: محددات عنصر الزمن بين فرضيتي “الامتداد الوظيفي” و”العقد الجغرافية”
يبقى “الزمن” هو المتغير الحاكم في هذه المعادلات الصعبة؛ حيث تتجاذبه فرضيتان في استشراف المستقبل:
الفرضية المتفائلة (نظرية الامتداد الوظيفي والترابط الهيكلي Neo-functionalism): تسقط هذه القراءة نموذج الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية على مشهد مجموعة دول البريكس والتكامل القائم بينها، مدعوماً بـ مبادرة “الحزام والطريق” الصينية (BRI) كعصب بنيوي وتطبيقي لهذا التكامل. تفترض هذه الفرضية أن استمرار التلاحم المالي والتقني، مقترناً بشبكة البنية التحتية والممرات اللوجستية والموانئ العابرة للقارات التي توفرها المبادرة الصينية، كفيل بإنشاء مصلحة مادية حتمية تفرض الاستقرار (Spillover Effect). فكما نجح دمج الفحم والصلب في إذابة الأحقاد الوجودية بين فرنسا وألمانيا وتحويلهما إلى حليفين، فإن خطوط الإمداد، والموانئ المشتركة، وشبكات الطاقة البديلة الممتدة من بكين إلى الخليج وجنوب آسيا، ستحول دون انزلاق الأطراف إلى نزاعات صفرية. هذا التشابك الاقتصادي اليومي يخلق، مع مرور الزمن، نخباً وأجيالاً براغماتية تؤمن بأن التسامح والتراضي وتجاوز العقد التاريخية ليس تنازلاً سياسياً، بل هو الضامن الوحيد لعائدات الرفاه والاستقرار التنموي المشترك الذي ينعكس بدوره على استقرار الأقاليم الحيوية كالشرق الأوسط.
الفرضية الواقعية الحذرة: ترى في المقابل أن هذا التفاؤل يغفل حقائق الجغرافيا الصلبة والتنافس القومي المتجذر؛ فالشكوك الاستخباراتية العميقة والنزاعات الحدودية المزمنة تظل كوابح بنيوية قوية قد تعجز الأرقام التجارية ومنصات البريكس عن محوها كلياً. من هذا المنظور، تظل التكتلات الحالية مجرد “ممتص صدمات” ذكي لإدارة الأزمات العاجلة ومنع الانفجار، دون القدرة الفعلية على الوصول إلى مرحلة الاندماج الثقافي الشامل أو الحلف العسكري المفتوح.
خاتمة استراتيجية:
في المحصلة، لا يقدم المشهد الإقليمي المعقد اليوم إجابات قطعية، بل يضعنا أمام مسارات مفتوحة وصراع إرادات محكوم بعنصر الوقت. فإما أن تنجح القوى الإقليمية في كسب الوقت لتعميق اعتمادها المتبادل وتكريس نموذج استقرار قائم على التنمية والرفاه المشترك خارج لعبة المحاور الدولية المشتعلة، أو أن تستبق القوى الخارجية (واشنطن وتل أبيب) عامل الزمن عبر إشعال أزمات بينية جديدة أو فرض مواجهات عسكرية مبكرة تعيد خلط الأوراق وإرجاع المنطقة إلى مربع الارتهان الأمني التقليدي.
الهوامش والمراجع التوثيقية :
مؤسسة كارنيغي للسلام الدوليمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ورقة تحليلية: “اتفاقية مكة: تفكيك البنية والسيادة الإقليمية”، معهد ديوان، أغسطس 2026.
مؤسسة كارنيغي للسلام الدوليمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تحليل السياسات: “حلف مكة وحدود الضمانات العسكرية الأمريكية الحالية في الخليج”، أكتوبر 2026.
تقرير استخباراتي تركي مسرب – نورديك مونيتورتقرير استخباراتي تركي مسرب – نورديك مونيتور، “وثيقة التقييم الأمني لجهاز الاستخبارات التركية (MİT): أزمة الثقة داخل حلف الناتو ومسارات التحوط الإقليمي البديلة”، أنقرة، يوليو 2026.
منتدى فليتشر للشؤون الدوليةمنتدى فليتشر للشؤون الدولية، دراسة أطلسية: “تركيا، الغرب، والآخرون: التموضع الدفاعي المرن بين العضوية الأطلسية والاستقلال الاستراتيجي”، جامعة تافتس، شتاء 2026.
معهد أوريان 21 الفرنسيمعهد أوريان 21 الفرنسي، دراسة منشورة: “جيوبوليتيك السلاح الصامت: التكامل الدفاعي والتكنولوجي البيني داخل منظومة البريكس الموسعة”، باريس، سبتمبر 2026.
البيان الختامي المشترك لقمة البريكس الثامنة عشرةالبيان الختامي المشترك لقمة البريكس الثامنة عشرة، “إعلان نيودلهي: حماية الممرات المائية وتطوير التعددية الاقتصادية وحوكمة الجنوب العالمي”، نيودلهي، 12 سبتمبر 2026.
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSISمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، تقرير أمني: “إيران والنظام الأمني الناشئ في الشرق الأوسط: تفكيك شبكات الاحتواء القديمة”، واشنطن، أكتوبر 2026.
معهد سيتا SETA التركي للدراسات الاستراتيجيةمعهد سيتا SETA التركي للدراسات الاستراتيجية، ورقة بحثية: “العقيدة الدفاعية لتركيا تجاه الخليج: حلف مكة كأداة للتحوط الدبلوماسي”، أنقرة، سبتمبر 2026.