تتجه الولايات المتحدة الأميركية إلى انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نونبر المقبل، وسط مؤشرات على تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب وتصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية على حزبه الجمهوري، في استحقاق قد يعيد رسم موازين القوى داخل الكونغرس، ويحد من قدرة الإدارة الأميركية على تمرير أجندتها خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية.
ووفق تحليل أصدرته وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعنوان “انتخابات التجديد النصفي الأميركية 2026: الاتجاهات والسيناريوهات المحتملة”، فإن الديمقراطيين يتقدمون في معظم استطلاعات الرأي الوطنية، مع ترجيحات بفوزهم بأغلبية مجلس النواب، وارتفاع فرصهم في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ، رغم استمرار صعوبة المنافسة في عدد من الولايات الحاسمة.
وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة إلى ترمب، الذي يخوض حزبه الاستحقاق وهو يواجه انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب على إيران، والسياسات الصحية والهجرة، فضلا عن تراجع مستويات الرضا عن أدائه الرئاسي. وعلى الرغم من أن اسم الرئيس لن يكون مدرجا على بطاقات الاقتراع، فإن سياساته وحضوره السياسي سيظلان في قلب المنافسة.
المعيشة والحرب يضغطان على الجمهوريين
يضع التحليل الاقتصاد وتكاليف المعيشة في مقدمة العوامل المؤثرة في خيارات الناخبين الأميركيين، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار والتضخم وتكاليف الطاقة باتت من أبرز نقاط الضعف التي تواجه الجمهوريين قبل الانتخابات.
وبحسب المعطيات التي أوردها المركز، يعارض 68 في المئة من الأميركيين طريقة تعامل ترمب مع الاقتصاد، فيما امتد الاستياء إلى جزء من القاعدة الجمهورية نفسها.
ويربط التحليل جانبا من هذا التراجع بتداعيات الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والطاقة عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما ترتب عليها من اضطرابات في الملاحة بمضيق هرمز.
ووفق الأرقام الواردة في الدراسة، ارتفع متوسط سعر غالون الوقود في الولايات المتحدة من نحو 2.98 دولار أواخر فبراير 2026 إلى حوالي 4.30 دولارات، فيما بلغ التضخم السنوي 3.7 في المئة، مقارنة بـ2.4 في المئة خلال الفترة نفسها من بداية العام.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الاقتصادي؛ إذ يرى التحليل أنها وضعت ترمب أمام تحد سياسي إضافي، بالنظر إلى تعارضها مع تعهداته الانتخابية السابقة بتجنب الانخراط في صراعات خارجية.
ويشير إلى أن نحو 65 في المئة من الأميركيين يعارضون طريقة تعامل الرئيس مع العمليات العسكرية في إيران، مقابل 33 في المئة يؤيدونها، بحسب استطلاع لمركز بيو للأبحاث أورده التقرير.
ويضيف التحليل أن هذه التطورات تضع الجمهوريين أمام معضلة مزدوجة: الدفاع عن سياسات رئيس لا يزال قادرا على تعبئة القاعدة الانتخابية للحزب، وفي الوقت نفسه تجنب تحمل الكلفة السياسية لقرارات تثير استياء الناخبين المستقلين وبعض الجمهوريين.
الهجرة والصحة والذكاء الاصطناعي
إلى جانب الاقتصاد والحرب، يتناول التحليل ملفات الهجرة والجريمة والرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي بوصفها قضايا مرشحة للتأثير في نتائج الانتخابات.
فعلى الرغم من استمرار تقدم الجمهوريين في نظر الناخبين بشأن الهجرة والجريمة، فإن الدراسة تشير إلى تراجع أفضلية الحزب في ملف الهجرة، على خلفية الانتقادات الموجهة إلى ممارسات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية، وما أثير بشأن استخدام القوة والوفيات أثناء الاحتجاز وعمليات إطلاق النار.
وقد تنعكس هذه التطورات على أصوات الناخبين من أصول لاتينية، الذين شكلوا شريحة مهمة في التحالف الانتخابي الذي أوصل ترمب إلى البيت الأبيض عام 2024.
ووفق الاستطلاعات التي يستند إليها التحليل، يميل 54 في المئة من الناخبين اللاتينيين إلى التصويت للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الحالية.
وفي قطاع الرعاية الصحية، يستفيد الديمقراطيون من تزايد المخاوف بشأن تكاليف التأمين والتغطية الصحية، إلى جانب الجدل المحيط بتوجهات الإدارة في عدد من القضايا الطبية. ويشير التحليل إلى تقدم الديمقراطيين بفارق 14 نقطة مئوية على الجمهوريين في ملفي الرعاية الصحية والسياسات البيئية.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد تحول بدوره إلى موضوع انتخابي متزايد الأهمية، خصوصا مع تنامي الاعتراضات على إنشاء مراكز البيانات الضخمة بسبب استهلاكها المرتفع للكهرباء والمياه.
ويورد التقرير أن 71 في المئة من الأميركيين يعارضون إنشاء هذه المراكز في مناطقهم، بمن فيهم أكثر من نصف الجمهوريين المؤيدين لحركة “لنجعل أميركا عظيمة مجددا” المعروفة اختصارا بـ”ماغا”.
وتكشف هذه المؤشرات، بحسب التحليل، عن اتساع دائرة الملفات التي قد تؤثر في خيارات الناخبين، بما يتجاوز الانقسام التقليدي حول الهجرة والأمن، لتشمل قضايا تمس الحياة اليومية والمصالح المحلية للمواطنين.
هل يفقد ترمب الكونغرس؟
يمثل تراجع شعبية ترمب أحد المحاور الأساسية في قراءة المركز للاستحقاق الانتخابي. فالدراسة تشير إلى انخفاض نسبة تأييده إلى 31 في المئة، وهو أدنى مستوى تسجله خلال فترتي رئاسته، وفق استطلاعات الرأي التي استندت إليها.
ويعتبر التحليل أن انتخابات التجديد النصفي تتحول عمليا إلى استفتاء على أداء الرئيس، بالنظر إلى سيطرة حزبه على مجلسي الكونغرس ومسؤوليته السياسية عن القرارات الاقتصادية والعسكرية التي تؤثر في حياة الأميركيين.
ويواجه الجمهوريون، في هذا السياق، صعوبة في النأي بمرشحيهم عن سياسات ترمب، في ظل النفوذ الذي يحتفظ به داخل الحزب وتدخله في الانتخابات التمهيدية. وفي المقابل، يسعى الديمقراطيون إلى توظيف الاستياء من أدائه لتعبئة الناخبين وتحويل الانتخابات إلى مواجهة مباشرة مع أجندته.
وبحسب نموذج التنبؤ الانتخابي الذي يستند إليه التقرير، يتقدم الديمقراطيون وطنيا بنسبة 51 في المئة مقابل 41.7 في المئة للجمهوريين، بفارق 9.3 نقاط مئوية. كما يمنح النموذج الديمقراطيين احتمالا يبلغ 94 في المئة لاستعادة السيطرة على مجلس النواب.
وتستند هذه التوقعات إلى تقدمهم في استطلاعات الرأي، وإلى هشاشة الأغلبية الجمهورية في المجلس، حيث يسيطر الجمهوريون على 218 مقعدا، مقابل 214 للديمقراطيين، مع وجود مقعدين شاغرين وعضو مستقل يصوت مع الجمهوريين.
ويرى التحليل أن استمرار الضغوط الناجمة عن الحرب على إيران وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية قد يعزز فرص الديمقراطيين في الفوز بالمقاعد المتأرجحة، بما يسمح لهم باستعادة الأغلبية في مجلس النواب.
مجلس الشيوخ.. معركة معقدة
على خلاف مجلس النواب، تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيدا، نظرا إلى طبيعة الخريطة الانتخابية وتوزع المقاعد المتنافس عليها بين الولايات.
ووفقا للتحليل، يمنح نموذج التنبؤ الانتخابي الديمقراطيين احتمالا يبلغ 75 في المئة لاستعادة الأغلبية في المجلس، رغم أن الطريق إلى ذلك يظل مرتبطا بنتائج عدد من السباقات المتقاربة.
ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكسب صافٍ بأربعة مقاعد لانتزاع الأغلبية، في حين يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على سيطرتهم الحالية.
ويشير التقرير إلى أن مصير المجلس سيتحدد بدرجة كبيرة في عدد محدود من الولايات التي تشهد منافسة محتدمة، من بينها تكساس وأوهايو وأيوا وألاسكا وكانساس وكارولاينا الشمالية.
وتبرز ولاية تكساس باعتبارها إحدى ساحات المنافسة اللافتة، بالنظر إلى تاريخها الانتخابي الجمهوري وإمكان تحول السباق فيها إلى فرصة للديمقراطيين.
ويربط التحليل ذلك بالتطورات التي شهدتها الانتخابات التمهيدية الجمهورية، ولا سيما فوز كين باكستون بدعم من ترمب، في مواجهة السيناتور المخضرم جون كورنين، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على فرص الحزب في الانتخابات العامة.
وفي كارولاينا الشمالية، يرصد التقرير مؤشرات على صعوبة احتفاظ الجمهوريين بالمقعد الذي سيخليه السيناتور المتقاعد توم تيليس، في ظل تقدم المرشح الديمقراطي روي كوبر في الاستطلاعات التي يستشهد بها التحليل.
وفي المقابل، يواجه الديمقراطيون بدورهم تحديات في ولايات مثل ميشيغان ومينيسوتا ونيوهامبشير، حيث يسعون إلى الحفاظ على مقاعد مهددة بالمنافسة الجمهورية.
ويخلص التحليل إلى أن السيطرة على مجلس الشيوخ ستظل مرتبطة بنتائج عدد محدود من السباقات، وأن التقدم الوطني في استطلاعات الرأي لا يكفي وحده لحسم النتيجة، بالنظر إلى خصوصية المنافسة في كل ولاية وتوزع المقاعد المطروحة.
الخسارة قد تقيد ترمب
يرجح تحليل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن يتمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلس النواب، مع وجود فرصة لاستعادة مجلس الشيوخ أيضا، إذا استمرت الاتجاهات الحالية في استطلاعات الرأي وتواصلت الضغوط الاقتصادية والسياسية على الجمهوريين.
ومن شأن تحقق هذا السيناريو أن يحد من قدرة ترمب على تمرير أجندته التشريعية، ويفتح المجال أمام رقابة برلمانية أكثر تشددا على إدارته، بما في ذلك إطلاق تحقيقات بشأن عدد من ملفاتها.
كما قد يؤدي فقدان الجمهوريين للأغلبية إلى إضعاف موقع الرئيس داخل حزبه، وتشجيع مزيد من أعضائه على الاعتراض على بعض سياساته، خصوصا إذا أظهرت النتائج أن الناخبين يعاقبون الحزب على أدائه الاقتصادي أو خياراته الخارجية.
ومع ذلك، لا يقدم التحليل هذه السيناريوهات بوصفها نتائج محسومة؛ إذ تظل استطلاعات الرأي والنماذج الانتخابية تقديرات قابلة للتغير تبعا لمستجدات الأسابيع الأخيرة، ومستوى المشاركة، والنتائج في الولايات والدوائر المتأرجحة.
وبذلك، لا تقتصر أهمية انتخابات الثالث من نونبر على تحديد الحزب الذي سيقود مجلسي الكونغرس، بل تمتد إلى رسم حدود القوة السياسية لترمب خلال بقية ولايته، وتحديد مدى قدرة الديمقراطيين على تحويل الاستياء من سياساته إلى أغلبية برلمانية قادرة على تقييد أجندته.