دراسة تحذر من “كارثة عابرة للحدود”: سيناريوهات التسرب النووي تهدد بيئة واقتصاد الخليج
خارج الحدود

دراسة تحذر من “كارثة عابرة للحدود”: سيناريوهات التسرب النووي تهدد بيئة واقتصاد الخليج

دراسة صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

حذرت دراسة صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من المخاطر البيئية والصحية والاقتصادية التي قد تترتب على تسرب إشعاعي محتمل في منطقة الخليج العربي، معتبرة أن الخصائص الجغرافية للخليج واعتماد دوله على مياهه في تحلية مياه الشرب وصيد الأسماك والأنشطة الاقتصادية قد يحول أي حادث نووي كبير إلى أزمة تتجاوز حدود الدولة التي يقع فيها.

وتحلل الدراسة، التي أعدها الباحثان عثمان البهالي ومحمد حسن الحجي بعنوان “سيناريوهات التسرب النووي في منطقة الخليج العربي: المخاطر وسبل الوقاية والتعامل معها”، سيناريوهات افتراضية لتسرب مواد مشعة من محطتي براكة في الإمارات وبوشهر في إيران، مستندة إلى دروس حوادث نووية سابقة، وفي مقدمتها كارثة فوكوشيما اليابانية، لاستشراف مسارات انتشار التلوث وتداعياته المحتملة على الإنسان والبيئة.

ولا تتحدث الدراسة عن وقوع تسرب نووي في المحطتين، بل تستند إلى نماذج ومحاكاة افتراضية لتقييم المخاطر المحتملة، في منطقة تتزايد فيها أهمية الطاقة النووية ضمن خطط تنويع مصادر الطاقة، بالتزامن مع استمرار التوترات الأمنية والعسكرية.

وتضع الدراسة الطبيعة الجغرافية للخليج العربي في صلب تقدير المخاطر، موضحة أنه مسطح مائي شبه مغلق وضحل نسبيا، إذ يبلغ متوسط عمقه نحو 40 مترا، فيما تتسم حركة مياهه بالبطء، وقد تستغرق دورة المياه فيه ما بين سنتين وخمس سنوات.

وترى الدراسة أن هذه الخصائص قد تحد من قدرة الخليج على تخفيف التلوث الإشعاعي وتبديده مقارنة بالمحيطات المفتوحة، بما يرفع احتمال تراكم المواد المشعة في البيئة البحرية وانتقالها عبر الرواسب والكائنات الحية والسلاسل الغذائية.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على المياه والأسماك، إذ يمكن أن تنتقل بعض المواد المشعة عبر الهواء والتيارات البحرية، بما يجعل آثار الحادثة المحتملة مرتبطة باتجاهات الرياح وحركة المياه وطبيعة المواد المنبعثة، فضلا عن قرب المدن والمنشآت الحيوية من السواحل.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنظر إلى اعتماد دول المنطقة على مياه البحر في تحلية مياه الشرب، إلى جانب ارتباط قطاعات اقتصادية حيوية بالبيئة البحرية، من صيد الأسماك إلى التجارة والموانئ والمنشآت النفطية والغازية.

مفاعلات “براكة” و”بوشهر”

تتناول الدراسة سيناريوهات افتراضية لتسرب إشعاعي من محطتي براكة وبوشهر، مع التركيز على انتشار نظائر مشعة، من بينها السيزيوم-137، في مياه الخليج، وتوزعها الجغرافي والزمني، فضلا عن مسارات انتقالها المحتملة إلى الإنسان عبر البيئة والسلسلة الغذائية.

وتشير النماذج التي تستعرضها الدراسة إلى أن نتائج أي حادثة افتراضية لا تتحدد فقط بحجم الانبعاثات، بل تتأثر أيضا بالظروف الجوية وحركة المياه وموقع التسرب وطبيعة المواد المشعة، وهو ما يجعل تقدير المناطق الأكثر تعرضا للتلوث مرتبطا بظروف كل سيناريو.

وفي حالة محطة براكة، تعرض الدراسة محاكاة لانتشار السيزيوم-137، تشير إلى أن الظروف الجوية قد تدفع بالترسبات المشعة نحو الجنوب، باتجاه صحراء الربع الخالي، مع بقاء مخاطر أخرى محتملة تبعا لمسارات الانتشار.

أما السيناريو المتعلق بمحطة بوشهر، فيركز على انتشار المواد المشعة في مياه الخليج، وما قد يترتب على ذلك من تلوث للمياه والرواسب البحرية، واحتمالات انتقاله إلى الكائنات البحرية ثم إلى الإنسان.

وتؤكد الدراسة أن هذه النتائج تظل تقديرات مستمدة من نماذج افتراضية، وليست تنبؤا مؤكدا بمسار حادثة مستقبلية أو دليلا على وقوع تلوث فعلي.

ولا تحصر الدراسة مصادر الخطر في الأعطال الفنية أو الأخطاء البشرية، بل توسع نطاق السيناريوهات لتشمل الكوارث الطبيعية، والهجمات العسكرية، وأعمال التخريب، والهجمات السيبرانية التي قد تستهدف أنظمة التحكم والتبريد والبنية التحتية الحساسة في المنشآت النووية.

وتستحضر في هذا السياق تجارب سابقة استهدفت منشآت نووية في المنطقة، إلى جانب المخاطر التي قد تنشأ عن تصاعد النزاعات الإقليمية، معتبرة أن استهداف منشأة نووية أو تضرر بنيتها التحتية قد يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

كما تتناول الدراسة التهديدات الطبيعية، ولا سيما الزلازل وارتفاع مستوى سطح البحر والتغيرات المناخية التي قد تؤثر في المنشآت الساحلية، مشددة على ضرورة إدراج هذه العوامل ضمن تقييمات السلامة والاستعداد للطوارئ.

وتخلص إلى أن المخاطر النووية في الخليج ذات طبيعة مركبة، تتداخل فيها الاعتبارات التقنية والبيئية والجيوسياسية، بما يجعل الاستعداد لها قضية أمن إقليمي لا تقتصر على الجهة المشغلة لأي محطة نووية.

الرصد المبكر 

في مواجهة هذه السيناريوهات، تدعو الدراسة إلى تطوير منظومات مستمرة لرصد مستويات الإشعاع في الهواء والمياه، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتبادل البيانات، بما يسمح بالكشف السريع عن أي تغير غير طبيعي واتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت الملائم.

وتشدد على ضرورة وضع خطط طوارئ قابلة للتفعيل والتنسيق بين دول المنطقة، وإجراء تدريبات ومحاكاة دورية، إلى جانب توعية السكان بالمخاطر المحتملة وسبل التصرف عند الطوارئ، تفاديا لانتشار الإشاعات والتهويل.

وتلفت الدراسة إلى أهمية توسيع برامج التعليم والبحث العلمي في مجالات الهندسة النووية والحماية من الإشعاع والنمذجة البيئية وإدارة الأزمات، حتى تتوفر للمنطقة كفاءات قادرة على تطوير أنظمة الرصد وتقييم المخاطر والاستجابة لها.

وتوصي، في بعدها السياسي، بإرساء آليات دبلوماسية وقانونية تسهم في منع استهداف المنشآت النووية وإبعادها عن التصعيد العسكري، فضلا عن بناء إطار إقليمي دائم يضم شبكة للرصد الإشعاعي، وأنظمة إنذار قابلة للتشغيل المشترك، وبروتوكولات طوارئ موحدة واتصالات عامة شفافة.

وتنتهي الدراسة إلى أن التعامل مع مخاطر التسرب النووي في الخليج يتطلب الانتقال من التدخل بعد وقوع الأزمة إلى الاستعداد المسبق لها، معتبرة أن سلامة المنطقة لا ترتبط فقط بموثوقية المفاعلات، بل أيضا بقدرة دولها على تنسيق جهود الرصد والاستجابة وتحويل الوقاية النووية إلى أولوية أمنية مشتركة.