انتقدت نبيلة منيب، البرلمانية عن مجموعة تحالف اليسار بمجلس النواب، توجهات مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبرة أنه يكرس استمرارية الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية السابقة، دون تقديم أجوبة متكاملة عن الأزمات التي تواجه المغرب، خاصة ما يتعلق بالقدرة الشرائية والتشغيل والفوارق الاجتماعية والمجالية.
وخلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، دعت منيب إلى إقرار إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، مؤكدة أن قانون المالية لا ينبغي أن يقتصر على تدبير تقني للميزانية، بل يجب أن يشكل مدخلا لتعاقد مجتمعي جديد يستجيب لتطلعات المواطنين ويعزز العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
وتساءلت البرلمانية عن مدى قدرة الحكومة الجديدة على إحداث تغيير فعلي في السياسات العمومية، في ظل استمرار عدد من التوجهات التي اعتمدتها الحكومة السابقة، مشيرة إلى أن تقديم مشروع ميزانية سنة 2027 والتوقعات المالية للسنوات الثلاث الممتدة من 2027 إلى 2029 يطرح تساؤلات بشأن طبيعة التحول الذي تحمله المرحلة الحكومية الجديدة.
واعتبرت منيب أن مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية تقتضي بناء مؤسسات قوية، وتعزيز استقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب وضع خطة وطنية لمحاربة الفساد والريع والاحتكار، وحماية المبلغين عن ممارسات الفساد.
وشددت على ضرورة إشراك الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني ومختلف القوى الحية في تحديد الاختيارات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها، معتبرة أن قوة الجبهة الداخلية ترتبط بضمان الحقوق والحريات، واحترام استقلالية الهيئات المهنية، وتعزيز الديمقراطية داخل المؤسسات.
كما دعت إلى إطلاق إصلاحات دستورية وسياسية وحقوقية، منتقدة ما وصفته باستمرار المقاربة نفسها في تدبير عدد من الملفات، دون تقييم عميق لنتائج السياسات السابقة أو معالجة آثارها على الفئات الاجتماعية والمناطق المهمشة.
وفي هذا السياق، طالبت بإطلاق سراح معتقلي الحراكات الاجتماعية ومعتقلي الرأي، واستكمال مسار العدالة الانتقالية وجبر الضرر، معتبرة أن تحقيق التنمية المستدامة يظل رهينا بتوسيع المشاركة الديمقراطية وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
وبخصوص القدرة الشرائية، اعتبرت منيب أن الإجراءات التي أعلنتها الحكومة لا ترقى، في نظرها، إلى مستوى التحديات الاجتماعية المطروحة، متسائلة عن غياب زيادات فعلية في الأجور، وعن مدى قدرة الدعم الاجتماعي على معالجة الفقر وتقليص الفوارق.
وانتقدت التعويل على تحويلات مالية محدودة لمعالجة الاختلالات الاجتماعية، مشددة على أن حماية القدرة الشرائية تتطلب سياسة متكاملة تقوم على الرفع من الأجور، وتسقيف أسعار المواد الأساسية والطاقة، وإصلاح المنظومة الضريبية بما يضمن توزيعا أكثر عدالة للثروة.
ودعت، في هذا الإطار، إلى توسيع الضريبة على الثروات الكبرى وأرباح الرأسمال والأرباح الاستثنائية، وخفض الضرائب غير المباشرة التي تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود جزءا من أعبائها، إلى جانب محاربة الغش والتهرب الضريبي ومراجعة الإعفاءات الضريبية.
كما اعتبرت أن تخصيص 24.2 مليار درهم للحماية الاجتماعية ورفع الحد الأدنى للمعاش تدريجيا من 1700 إلى 3000 درهم يمثلان إجراءين إيجابيين، لكنها شددت على ضرورة توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل جميع الفئات، مع ضمان استفادة الأرامل والأشخاص في وضعية إعاقة والفئات الأكثر هشاشة من دعم منصف.
وأكدت أن المطلوب هو إخراج المواطنين من دائرة الفقر، وليس الاكتفاء بتدبير آثاره، داعية إلى إرساء نظام شامل للحماية الاجتماعية ممول من الضرائب، بما يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالتشغيل، حذرت منيب من حجم التحديات التي تواجه الشباب، مشيرة إلى وجود نحو ثلاثة ملايين شاب خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، فضلا عن ارتفاع بطالة الشباب وحاملي الشهادات.
وانتقدت تخصيص 34 ألفا و454 منصبا ماليا في مشروع قانون المالية، معتبرة أن هذا العدد لا يستجيب، بحسب تقديرها، لحجم الخصاص المسجل في القطاعات العمومية، خاصة التعليم والصحة.
ودعت إلى مراجعة السياسات المرتبطة بالتعليم والتكوين والتشغيل، بما يضمن الربط بين التكوين والحاجيات الفعلية لسوق الشغل، مع توفير فرص الاستقلال المادي للشباب وتعزيز تكافؤ الفرص.
كما طالبت بمراجعة القانونين المتعلقين بالتعليم والتعليم العالي، معارضة فرض رسوم التسجيل على الموظفين الراغبين في متابعة دراساتهم في سلكي الماستر والدكتوراه، ومحذرة من إقصاء المربيات والمربين من التعليم الابتدائي.
وشددت على ضرورة الدفاع عن استقلالية الجامعة العمومية، وإعادة النظر في آليات تدبيرها، بما يضمن التوازن بين المجالس المعينة والهيئات الجامعية المنتخبة، إلى جانب رفع ميزانية البحث العلمي والحد من هجرة الكفاءات المغربية.
وبخصوص التنمية الترابية، تساءلت منيب عن المعايير التي ستعتمدها الحكومة لتوزيع الاعتمادات المالية المخصصة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والتي تبلغ 25 مليار درهم، إلى جانب تحويل نحو 12 مليار درهم إلى الجهات وتأهيل 24 مركزا قرويا.
وأكدت أن تحقيق العدالة المجالية يقتضي توجيه الأولوية إلى المناطق الأكثر خصاصا، ووضع مؤشرات سنوية واضحة لتتبع المشاريع وقياس آثارها وتقييم نتائجها، تفاديا لتشتت الاعتمادات على مشاريع متفرقة لا تعالج الأسباب البنيوية للتهميش.
كما أثارت تساؤلات بشأن إسناد مسؤولية تدبير البرامج الترابية إلى وزارات الداخلية، في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة تعزيز الجهوية المتقدمة، معتبرة أن الأمر يستدعي توضيح أدوار الجهات والمنتخبين في التخطيط والتنفيذ والمراقبة.
ودعت كذلك إلى حماية التراث العمراني والأحياء التاريخية والمدن العتيقة، والتصدي للاستيلاء على الأراضي، وربط التنمية المجالية بتوفير السكن اللائق وصيانة الذاكرة التاريخية للمناطق.
وفي محور السيادة الاستراتيجية، تساءلت منيب عن دور الدولة في حماية الثروات الوطنية وضمان الأمن الطاقي والغذائي والمائي، معتبرة أن الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز ينبغي أن يواكبه نقاش بشأن التكرير وإعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” وتسقيف أسعار الطاقة.
وانتقدت، في السياق ذاته، رفع الرسوم الجمركية على واردات معينة، معتبرة أن أثر هذه الإجراءات قد يمتد إلى المستهلكين، ودعت إلى اعتماد سياسة طاقية وصناعية قادرة على دعم الإنتاج الوطني وتوفير شروط انطلاق صناعية متنوعة.
كما شددت على أهمية دعم الفلاحين الصغار، الذين قالت إنهم يمثلون 85 في المائة من الفلاحين، وتعزيز الأمن المائي من خلال ترشيد استعمال الموارد المائية وتطوير البحث العلمي في مجالات التحلية وإعادة تدوير المياه.
وأثارت البرلمانية أيضا إشكالية تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل، داعية إلى مراعاة خصوصيات المناطق الواحية عند تنزيل نموذج الشركات الجهوية متعددة الخدمات.
وفي المجال الصحي، طالبت بخفض أسعار الأدوية وتوفير الأدوية الجنيسة وتعزيز الوقاية والنهوض بالمستشفى العمومي، منتقدة، بحسب تعبيرها، تفكيك منظومة الصحة العمومية خلال المرحلة السابقة.
كما حذرت من مخاطر الخوصصة والتفويت المتزايد لأصول الدولة، داعية إلى الحفاظ على الدور الاستراتيجي للمؤسسات والمقاولات العمومية، وعدم تحويل الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى آلية غير مباشرة للتخلي عن مسؤوليات الدولة.
وفي معرض حديثها عن الاقتصاد، تساءلت منيب عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تستهدفه الحكومة، وعن الآليات الكفيلة بضمان توزيع عادل للثروة الناتجة عن الاستثمارات المعلنة.
وبخصوص حجم الاستثمار العمومي الذي يصل إلى 400 مليار درهم، أثارت الانتباه إلى حاجيات التمويل، مشيرة إلى أن مشروع الميزانية يتضمن خصاصا يقدر بنحو 159 مليار درهم، من بينها 120 مليار درهم مرتقبة عبر الاقتراض، ومتسائلة عن مصادر تغطية المبلغ المتبقي.
وأكدت أن الإصلاح الاقتصادي ينبغي أن ينطلق من إصلاح سياسي ومؤسساتي يحد من الريع والاحتكار والفساد، ويدعم اقتصادا منتجا ومتنوعا، قادرا على خلق فرص الشغل وتحقيق الأمن الطاقي وتعزيز الإنتاج الوطني.
وفي هذا الصدد، قالت إن تحالف اليسار يرى إمكانية خلق 150 ألف فرصة شغل من خلال دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدا، إلى جانب إحداث 150 ألف منصب شغل إضافي في الوظيفة العمومية، لسد الخصاص في القطاعات الإدارية والصحية والتعليمية.
وخلص منيب على أن الأولويات الخمس التي أعلنتها الحكومة، والمتعلقة بالقدرة الشرائية والشباب والتنمية المجالية والسيادة الاستراتيجية وبناء اقتصاد قوي، تحتاج إلى إصلاحات هيكلية تضمن توزيع الثروة بشكل عادل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتوفير فرص حقيقية للشباب، وحماية الموارد الوطنية، في إطار دولة ديمقراطية دامجة تضع كرامة المواطنين في صلب السياسات العمومية.