صورة الكاتب محمد أزرار
منتدى العمق

حين سقط الديجانكتور

عند كل انقطاع للتيار الكهربائي تستبد بنا الذاكرة للعودة إلى الخلف خطوة لنتذكر من نحن وليس لنخطو خطوتين إلى الأمام، إلى جماعتنا التي ترفل في نعم الظلام منذ زمن بعيد، والتي رأت فيه ملاذا ونمطا، وتدبيرا ما فاز فيه إلا النوام، كل شعب يستحق الحكومة التي تحكمه وكل جماعة تستحق الرئيس الذي يحكمها، وكل قطيع يستحق الكبش الذي يتزعمه، الأمر مقاسات في نهاية المطاف، لكن عطفا على كل هذا السقوط، الهبوط، الخوى، نستذكر لها أيضا لحظات لذيذة تعيدنا إلى عادات نسيناها أو قل استبدلناها، نسينا لحظات رومانسية معلقة على حائط الماضي، وكل انقطاع للتيار الكهربائي هو استحضار تلقائي لتلك اللحظات، لم نكن لنتذكرها لولا حاجتنا إلى الشموع لتؤنس وحشة غياب التلفاز وتحول الهاتف إلى مصباح تقليدي وقد لفظت الشبكة أعمدتها الدالة على التواصل مع العالم.

لولا انقطاع التيار لما تذكر شمعون بريز دجاج “مي الكبيرة” التي يقفز إليها من فوق حائط آيل السقوط فيخنق أنفاس حلقومها الفاضح، ولما تحينت أمامنا انشودة الزمن الجميل “دجاجة مي الكبيرة شحال تسوى دالدنانير لا لا ماتسواش، لا لا غالية بزاف…”، وما عاد صعاليك الدوار إلى العنف والعنف المضاد، حين تتحول الساحة المحادية للمسجد القديم إلى حلبة مصارعة والضرب تحت الحزام، وما رد عرّوب الجبان تقلازه من تحت الجلباب إلى فوقه وعلى الهواء مباشرة، ما كان لأبناء الدواوير المغتربين في الداخليات ودور الطالب أن يصدروا ضجيجا وشغبا، وما سمح للخبز الحافي اليابس أن تتطاير أجزاؤه في الفضاء قبل أن تصطدم في خزانات التلاميذ القصديرية المهترئة في دار الطالب، لم نكن لنستعيد غياب الأحذية من باب قاعة النوم الخاصة بتلاميذ دار الطالب والعثور عليها تباع في الصباح يوم السوق الأسبوعي على ا

أرصفة الأشياء المستعملة، لولا انقطاع التيار ما قدر لمراد الرامي أن يقبّل السيجارة على مهل وقد شعر بصوته يميل إلى الفخامة وخصلات لحيته بدأت تشق وجهه الأملس، دون أن يخشى تلصص عيون عمي علي على خلوته، ولم يئن لعُمر ولد با الحسين التسلل إلى الخزين يوم كانت الفاكهة بعدد أيام الأسبوع ولا تقبل القسمة حصتين لكل فرد، ليتأبط ما وقعت عليه يداه من ليمون وطماطم بدأ الفساد يخترقها، غير أن الظلام يجيز ابتلاعها كما ابتلع مراد الرحماني اليقطين في الحقول ليلا ظنا منه أنه بطيخ.

انقطاع التيار يعطي الضوء الأخضر لخفافيش الحب لاستراق لحظات تعبّد في محراب الأحبة، ولتستريح أعين طيور الجنة من أشعة الهواتف، لولا انقطاع التيار ما كان للخمارين أن يروجوا بضاعتهم كما يحلو لهم، وأن يذكرنا سعيد الكٓرّاب ببيت أبي نواس ليدافع عن سقيه الناس من عطش الروح وموقفه من شرب الخمر:

دع المساجد للعباد تسكنها

وطف بنا حول خمار يسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا

ولكن قال ويل للمصلينا.

وما كان للنمس ورفاقه المتمردين قذف أبواب أهل البلدة بالحجارة والهروب تحت عاصفة من قهقهات الضحك المتعالية،  والخلان ليتحلقوا حول النار  ويتبادلوا أطراف الحديث عن مغامراتهم، عن قصص الحب الكاذبة أحيانا والموؤودة أحيانا أخرى، وحكايات الرعب المحيكة بدقة قصة “بغلة القبور” ولالة رحمة الله” و” علي وجانو”… وعند اشتداد الخوف وارتفاع الأدرينالين يقسم علينا عبد الله بن علي بأغلظ الأيمان لئن أوصلناه إلى بيته أو لبيت عند أحدنا حتى الصباح.

وما كان لهم ليلعبوا لعبة الغميضة المعشوقة قبل أن ينفض مجمعهم وقد فشلوا في العثور على محمد الجنّ الذي ينتهي به المطاف إلى الاختباء في غرفة تغسيل الموتى مع الكفن، فلا ينذر أحد نفسه للدخول إليها وما ينبغي له.

ما كان لشطار البيت الاستمتاع بظل الشمعة يرسمون بها مشاهد حيوانات، فراشة ورأس كلب، وقفزة ضفدع…

هكذا حين يسقط الديجانكتور، نحب الظلام ونلعنه، ويصبح كل شيء متاحا ومباحا، وعيون الليل تتراقص على إيقاعات الترصد واستغلال أنصاف الفرص، ويتحول الجميع إلى كائنات ليلية، ونكتشف أن الحياة تنتعش في الظلام، وحين يعود التيار تعود الحياة إلى رتابتها و نطّلع على خراب العالم بما في ذلك الأجهزة التي باغثتها شدة التيار حال عودته، فمن يتحمل وزر هذا الإتلاف؟ وعلى مبيت المناضل إدريس أو لحسن في خيمته مرابطا أمام وحشة الليل المتواطئة مع قرارات المسؤول، هل نفهم أن تشييد بيت يقينا قر الشتاء وحر الصيف ينبغي أن يتم أيضا في الظلام؟ لولا انقطاع التيار ما كان وما كان… ولولا انقطاع التيار ما كتبت الذي كتبت، أنا وكل أولئك نردد في قرارة أنفسنا ليت الديجانكتور ظل ساقطا.