الكاتب الصحفي عبد الله الحسيني
منتدى العمق

من سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفته؟

في كل مرة يفتح فيها أحدنا هاتفه ليطلب من تطبيق ذكاء اصطناعي أن يكتب له رسالة، أو يترجم نصا، أو يرد على استفسار زبون، فإنه، دون أن يدرك غالبا، يؤدي عملا كان إلى وقت قريب موكولا لموظف بشري. هذا التحول لم يعد موضوعا نظريا نقرأ عنه في مجلات التكنولوجيا، بل واقع يتسلل يوميا إلى قطاعات تشغّل عشرات الآلاف من المغاربة.

المغرب، بحكم موقعه كقطب إقليمي لمراكز الاتصال وخدمات الدعم عن بعد، معني بهذا السؤال أكثر من كثير من الدول. آلاف الشباب في الدار البيضاء والرباط وفاس وطنجة يعملون اليوم في الرد على مكالمات الزبائن، أو في إدخال البيانات، أو في الترجمة والتدقيق اللغوي. وهذه بالذات هي الأعمال التي تنجزها نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة بسرعة وتكلفة أقل، وبجودة تتحسن شهرا بعد شهر.

لا يقتصر الأمر على مراكز النداء. المحاسبة البسيطة، وكتابة التقارير الإدارية، وبعض أعمال السكرتارية، وحتى جزء من الصحافة والتحرير، أصبحت كلها مهنا يمكن لبرامج الذكاء الاصطناعي أن تنجز جزءا كبيرا منها.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. هناك مهن تبقى بمنأى، أو على الأقل أكثر مناعة، عن هذا التحول. الحرفي الذي يصلح أنبوبا متسربا، والممرضة التي تجلس بجانب مريض خائف، والمعلم الذي يصحح سلوك تلميذ مشاغب، كل هؤلاء يؤدون عملا يحتاج حضورا بشريا فعليا وثقة ولمسة إنسانية لا تصنعها الخوارزميات. المهن اليدوية والمهن القائمة على العلاقة المباشرة بين الناس هي الأقل عرضة للاستبدال، في المدى المنظور على الأقل.

السؤال المطروح إذن ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا ؟ فالجواب عن هذا بات معروفا. السؤال الحقيقي هو: من سيكون الأول في الطابور؟ ومن يملك اليوم الأدوات ليستعد؟ ومن سيُفاجأ بعد سنوات قليلة بأن وظيفته لم تعد موجودة؟

هذا سؤال لا يجب أن ننتظر الجواب عنه من الصدفة. المنظومة التعليمية مطالبة بإعادة النظر في المهارات التي تُلقَّن لأبنائنا، فالحفظ وتكرار المهام الروتينية لم يعودا كافيين لضمان مستقبل مهني. الشركات، من جهتها، مطالبة بالاستثمار في إعادة تأهيل موظفيها بدل الاكتفاء بالاستغناء عنهم. والدولة مطالبة بوضع سياسات تحمي العمال الأكثر عرضة للتحول، خصوصا في قطاع يشغّل هذا العدد الكبير من الشباب.

الذكاء الاصطناعي لن ينتظرنا حتى نحسم نقاشاتنا. هو يتقدم الآن، بينما لا نزال نتجادل حول توقيت مواجهة السؤال. وكل سنة تأخير تعني فرصة أقل للاستعداد، وكلفة اجتماعية أكبر حين يصل هذا السؤال إلى بيوتنا، بدل أن يبقى مجرد عنوان في جريدة.