منير لكماني
منتدى العمق

إلى وطني في عيد الوحدة: أمانة الانتماء وعهد البناء

وطني العزيز،

أكتب إليك من ألمانيا ، وما زال اسمك يسبقني إلى كل تعريف بنفسي. أقول: أنا مغربي، فتنهض وراء كلمتين ذاكرة بيت، وصوت أهل، وتاريخ شعب. ومع حلول عيد الوحدة، أشعر بأن انتمائي إليك يجدد مسؤوليتي في خدمتك: أن أجعل مكانتي حيث أقيم إضافة إلى مكانتك، وأن أترجم محبتك إلى أثر يستحق البقاء.

يحل 31 أكتوبر 2026 بأول احتفال بعيد الوحدة، الذي أقره جلالة الملك محمد السادس، وفق بلاغ الديوان الملكي الصادر في الرابع من نونبر 2025. وأقرأ في هذه المناسبة دعوة إلى وصل الذاكرة بالفعل؛ فالعيد يكتسب عمقه بما يوقظه فينا من شعور بأمانة الوطن، وبما يجعل الاعتزاز بالمنجز باعثا على حمايته واستكماله، وحافزا إلى خدمة المستقبل.

أستعيد تاريخك، فأرى في وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وثورة الملك والشعب سنة 1953، وعودة محمد الخامس سنة 1955، والاستقلال سنة 1956، حلقات إرادة واحدة. وأرى المسيرة الخضراء، التي أبدعها الحسن الثاني سنة 1975، امتدادا لهذا الوعي بوحدة الأرض والمصير. تلك المحطات تورثنا حق الفخر، وتحملنا واجب صيانة ما انتزعته التضحيات، وإعداد الأجيال لاستحقاق الأمانة.

وتواصل هذا المسار بالعمل الدبلوماسي، وبمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007. ثم جاء قرار مجلس الأمن 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، ليجعل المقترح المغربي أساسا للمفاوضات نحو حل سياسي متوافق عليه. وأستقبل هذا التطور باعتزاز المواطن الذي يدرك قيمة المثابرة، ويرجو أن تثمر حوارا جادا وسلاما دائما، يفتح للمنطقة أبواب التعاون والمصالحة.

ومن موقعي في المهجر، أفهم أن خدمتك تبدأ من تفاصيل قد تبدو صغيرة: إتقان العمل، واحترام القانون، وصدق المعاملة، وصون الكرامة. فصورة المغرب يحملها أبناؤه إلى الناس بأفعالهم. وكل معرفة نكتسبها، وخبرة نتقاسمها، ومبادرة نصل بها بينك وبين العالم، توسع مجال حضورك. وبذلك يصبح الوفاء ممارسة يومية، ويكتسب الحنين قدرة على الإنجاز، وتتحول المسافة إلى فرصة للتواصل والعطاء.

وأرجو أن تجد كفاءاتك في الخارج سبلا واضحة للمشاركة في تنميتك. ففي الجامعات والمختبرات والمؤسسات مغاربة يحملون خبرات نافعة، ويتطلعون إلى بيئة تنصت للمبادرة وتحترم الاستحقاق. وتزداد صلتهم بك قوة عندما يشعرون بأن مشاركتهم مطلوبة، وأن اقتراحاتهم تجد آذانا مصغية. عندئذ تصبح الهجرة رصيدا وطنيا، وتغدو العودة ممكنة بالعلم والمشروع والتعاون، إلى جانب العودة بالجسد.

وأحلم بأن يلمس كل مواطن معنى وحدتك في حياته: في مدرسة تنصف طفله، ومستشفى يحفظ كرامته، وعدالة تصون حقه، وتنمية تبلغ قريته. فالانتماء يتعمق بالإنصاف، والثقة تنمو بصدق المؤسسات وفاعليتها. وكل جهد يحمي المال العام، ويقاوم التمييز، ويوسع فرص الشباب، يمنح تماسكك أساسا أشد رسوخا، ويجعل ثمار التقدم أقرب إلى مختلف جهاتك وفئاتك وأجيالك.

وتقع علينا، نحن الآباء في المهجر، مسؤولية أن نقدمك لأبنائنا وطنا حيا، بتاريخك ولغاتك وتنوعك وإبداعك. أن يعرفوا روافدك العربية والأمازيغية والحسانية، وأن يروا في الاعتزاز بك سندا لاحترام الآخرين والانفتاح عليهم. أريد لهم انتماء واعيا، يحفظ الجذور ويطلق الطاقات، ويجعل الدفاع عن مصالحك مقرونا بالمعرفة والحجة وأدب الحوار، ويحمل رايتك بثقة ووعي ومسؤولية.

وأرى في صيانة تراثك، وحماية بيئتك، ودعم إبداع شبابك وجوها أخرى لخدمتك. فالمستقبل يحتاج إلى ذاكرة تمنحه جذورا، وإلى خيال يفتح له الآفاق، وإلى ضمير يحرس حق الأجيال المقبلة في الحياة الكريمة.

وللوحدة أيضا أمانة جمع القلوب. لذلك أتمنى أن يكون عيدك موعدا لتجديد الثقة، وتوسيع المشاركة، وإحياء التضامن، حتى يجد كل مغربي مكانه في مصيرك المشترك. فالوطن يتسع بأبنائه، ويقوى بالإصغاء إلى اختلافهم، ويزدهر بما يتيح لهم من عدل وأمل. وتلك غاية تمنح الاعتزاز بالتاريخ امتداده الإنساني، وتجعل المصالحة عملا يبنى عليه المستقبل.

وفي عيدك، أترحم على شهدائك، وأستحضر بإجلال ووفاء سيرة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، وجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراهما، وأقدر تضحيات حماة أمنك وجهود بناتك وأبنائك، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده. وأجدد لك عهدي: أن يكون علمي نافعا، وكلامي مسؤولا، وعملي أمينا. سأحملك حيث أقيم أمانة تستحق الوفاء، وأعلم أبناءنا أن الأوطان تورث مع الحقوق واجباتها؛ وأن أصدق ما نرد به جميلك أن نسلمك لمن بعدنا أعز سيادة، وأرسخ وحدة، وأوسع عدلا. وتلك راية يكتمل ارتفاعها بكرامة الإنسان، ويصون بهاءها صدق البناء.