هُناك كُتَّاب لا يكتبون لأن الكتابة مهنة، ولا يَعتبرون الأدبَ مساحة أنيقة لتبادل الأفكار. يكتبون لأن في داخلهم شيئًا لا يستطيع الصمتُ أن يَحتمله، كأن الكلمات بالنسبة إليهم طريقة لمقاومة اختلالها، وليست زينةً لغوية، أو ديكورًا معرفيًّا.
وحين نتأمل تجربة الكاتبة الفِلَسطينية نردين أبو نبعة ( وُلدت 1971 ) إلى جاتب تجربة الكاتبة الهندية أرونداتي روي ( وُلدت 1961 )، رغم المسافة الهائلة بين السياقَيْن العربي والهندي، وبين تجربتين لكلٍّ منهما خصوصيتها الثقافية والجَمالية والسياسية، فإنَّ ما يلفت النظرَ ليس التشابه السطحي بين الكاتبتين، وإنما ذلك الخيط العميق الذي يَجمع كُلَّ كتابة صادقة اختارتْ أن تقف إلى جانب الإنسان حين يصبح ضعيفًا، أو حين يُراد له أن يكون بلا صوت.
والالتزامُ ليس شعارًا يُعلَّق على جدار، أوْ موقفًا سياسيًّا عابرًا، أو غضبًا موسميًّا يظهر حين تكون القضية في واجهة الأخبار، ثم يختفي حين تنصرف الكاميرات. الالتزامُ الحقيقي هو أن تظلَّ القضية حاضرة في الضمير، حتى عندما لا يَكون الحديث عنها مربحًا، وتُصبح كُلفة الكلام أعلى مِن مُتعة الصمت. مِن هُنا يمكن أن نقرأ تجربة نردين أبو نبعة وأرونداتي روي بوصفهما تجربتين تنطلقان من سؤال واحد تقريبًا: ماذا يستطيع الكاتبُ أن يفعل حين يرى الظلمَ ولا يَقْدر على التعامل معه بوصفه شأنًا بعيدًا عنه؟. والجوابُ الذي تُقَدِّمانه، كُلٌّ بطريقتها، هو أن الكاتب يستطيع على الأقل ألا يسمح للظلم بأن يمر بلا لغة، أوْ يَعْبر بدون اعتراض.
لا يَقْدر الأدبُ على البقاء بعيدًا عن قضايا الناس، وكلما اقتربَ الكاتبُ من السياسة والمجتمع صارَ أكثر التصاقًا بالقضايا الوجودية والتفاصيل الحياتية العميقة. والأدبُ في جوهره مشغولٌ بالإنسان، والإنسان لا يعيش خارج التاريخ. والكتابة عن المستضعفين لا تعني تحويلَ النص إلى منشور سياسي. قد تكون أكثر الأشياء مقاومة للظلم هي تلك التي تعيد إلى المظلوم صَوْتَه وفرديته وحكايته الخاصة، التي حاولت اللغة السياسية والإعلامية أن تسلبها منه.
في تجربة نردين أبو نبعة، تبرز فِلَسطين وقضايا الإنسان العربي بوصفها أكثر من موضوعات قابلة للكتابة. إنها مساحة وجدانية تتقاطع فيها الذاكرة معَ الهُوية، والحُب معَ الفقد، والأرض معَ الإنسان. والقضية حين تدخل الأدبَ لا تعود مجرد ملف سياسي، تصبح رائحةَ بيت، وصوتَ أُم، وذاكرة قرية، وصورة مُعلَّقة على جدار. وهذه إحدى الوظائف الكبرى للأدب الملتزم، وهي حماية التفاصيل الصغيرة من النسيان.
والسُّلطة السياسية تستطيع تغييرَ الخرائط، وهدمَ البيوت، وصناعةَ الروايات الرسمية، وإعادةَ تعريف المكان والزمان والإنسان، لكنها لا تستطيع مَحْوَ كُلِّ ما استقرَّ في الذاكرة إذا ظلَّ هُناك مَنْ يَكتبه. والكاتبُ لا يَحمل بندقية، لكنَّه يَحمل شيئًا لا يقلُّ أهميةً في معركة الذاكرة، وهو الكلمة. والكلمة حين تكون صادقة لا تكتفي بأن تصف الألمَ، وإنما تمنح صاحبَه حَقَّه في أنْ يَرى ويُرى. لهذا يصبح الالتزام عند نردين أبو نبعة فعلًا وجدانيًّا قبل أن يكون موقفًا نظريًّا. إنها لا تتعامل معَ المُستضعَف بوصفه موضوعًا أدبيًّا، وإنما بوصفه إنسانًا يستحق أن يُسمَع صوته، وتبقى حكايته حَيَّة. وهذا النوع من الكتابة لا يحتاج إلى الصراخ طوال الوقت.
أمَّا أرونداتي روي، فقد اختارت منذ وقت مبكر أن تجعل الكتابة مساحة لمساءلة السُّلطة، وكشفِ التفاوت، والدفاع عن الفئات التي ترى أنها تدفع ثمنًا باهظًا لسياسات ومشروعات لا تملك القدرةَ على التحكم بها. لكن أهمية تجربتها لا تكمن في مواقفها السياسية فحسب، بلْ أيضًا في الطريقة التي تنظر بها إلى العالَم. هي لا تنظر إلى السُّلطة باعتبارها مبنى حكومي أو مسؤولًا يجلس خلف مكتب. السُّلطة عندها شبكة واسعة من العلاقات والمصالح والقوانين والخطابات.وقد تظهر في المكان الذي لا نتوقعها فيه، مثل: مشروع اقتصادي، أو قرار إداري، أو خطاب قَومي، أو الطريقة التي يُنظَر بها إلى الفقراء والأقليات والمُهمَّشين. وهذا يجعل كتابتها شديدة الحساسية تجاه الإنسان الموجود في أسفل السُّلَّم وقاع المجتمع، الإنسانُ البسيط الذي لا يملك منبرًا، وليس لديه صحيفة أو شبكة علاقات ، ولا يقدر على تحويل معاناته إلى قضية عامَّة.
أرونداتي روي لا تتعامل معَ الكتابة باعتبارها امتلاكًا للحقيقة المطلقة. كتابتها تقوم على الاحتكاك بالتناقضات، الدولة والفرد، التنمية والاقتلاع، الأغلبية والأقلية، القوة والهشاشة، الرواية الرسمية والروايات التي تعيش في الهامش. ومن هذه المنطقة تحديدًا تأتي قوة الأدب الملتزم، فهو يرفض أن يسمح للقوة بأن تكون الرواية الرسمية.
والكاتبُ مُطَالَب بأن يقترب من المظلوم دون أن يُحوِّله إلى صورة نمطية، ويتحدث عن الألم دون أن يستثمره، ويكتب عن الفقر دون أن يجعل الفقيرَ ديكورًا للحُزن، ويتحدث عن الحرب دون أن يُحوِّل المأساةَ إلى مشهد مثير. وهذه مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مسؤولية فنية.
في الكتابة عن فِلَسطين، ثمَّة جُرح تاريخي وسياسي وإنساني بالغ التعقيد، وهُناك ذاكرة جمعية تَحمل أسماء الأمكنة والشهداء والمُهجَّرين والأجيال التي ورثت القضيةَ كما ترث العائلةُ صورةً قديمة.
وفي الهند، حيث تتداخل قضايا الطبقة والطائفة والدين والأرض والتنمية والسياسة والهُوية، تظهر أشكال أُخرى من التهميش والإقصاء.
لا ينبغي أن نخلط بين هذه السياقات، أو الزعم بأنها متطابقة. لكن المقارنة بين نردين أبو نبعة وأرونداتي روي تتيح لنا شيئًا في غاية الأهمية، وهو السؤال عن كيف يمكن للأديب أن يجعل من الكتابة فعل مقاومة للنسيان. فالمُستضعَف لا يخسر بَيْتَه أو أرضَه فقط. قدْ يخسر أيضًا حقَّه في رواية قصته. وهُنا تظهر أهمية الكاتبُ في صناعة الكلام للعاجزين عن الكلام.
إنَّ الالتزام لدى نردين أبو نبعة وأرونداتي روي ليس إضافةً خارجية إلى الأدب، إنَّه جُزء من العلاقة بين الكاتب والعالَم. فالكاتبُ لا يعيش فوق المجتمع، هو ابن هذا العالَم. يتألم بما يتألم به الناس، ويغضب مِمَّا يراه ظُلمًا، ويسأل، ويعيد النظرَ في كثير مِن الأشياء. وكلما كان أكثر صِدقًا معَ نَفْسِه، كان قادرًا على الاقتراب من الإنسان بعيدًا عن القوالب الجاهزة، والمُسلَّمات الافتراضية، والشعارات المُعَدَّة مُسْبَقًا.
ولعلَّ أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتبُ للمستضعفين ليس أن يتحدث عنهم مِن برج مرتفع، وإنما أن ينزل إلى الأرض، ويندمج معَ مُستوى الخوف والحُب والفقد والذاكرة، ثم يكتب كَي لا تضيع الأسماء، ولا تموت الحكايات مَرَّتَيْن، مَرَّة حين تقع المأساة، ومَرَّة حين ننساها.
حين نتأمَّل تجربة نردين أبو نبعة وهي تُنصِت لشكوى الأرض وأنين المحرومين، وتجربة أرونداتي روي وهي تَكتب عن المُهمَّشين والمنبوذين في الهند، يتَّضح أن الالتزام بقضايا المستضعفين ليس موقفًا عابرًا أوْ ترفًا فكريًّا يُمارسه الكاتبُ في وقت الفراغ، وإنما هو نبض إنساني خالص ينبع من الضمير. وحين تتشابه الأوجاعُ رغم اختلاف اللغات والخرائط، يُولد الأدبُ المُعبِّر عن مسار الإنسان ومصيره.
يؤكد التقاطعُ العابرُ للثقافات والحدود أن الأدب الحقيقي لا يعيش في أبراج عاجية، بلْ يجد معناه الأعمق حين يتحوَّل إلى مِرآة حيَّة لواقع الإنسان، وصوتًا لِمَن لا صوت لهم، غَير أنَّ هذه الرسالة الأدبية ذات الطابع الإنساني والاجتماعي، تظلُّ مُطَالَبَةً بتجاوز حدود التعاطف العاطفي المُجرَّد لتلتحم بوعي نقدي يفحص جذورَ الظلم والاستلاب، فالأدبُ الملتزم لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، أو رثاء الضعفاء، وإنما يُسائل الهياكلَ الاجتماعية والسياسية التي تصنع التهميش ابتداءً، ليغدو بذلك أداة مساءلة وتغيير، وليس توثيقًا للألم فقط.
إن تحويل الأدب الملتزم من مِرآة تعكس الألم إلى أداة فاعلة للتغيير يستدعي استحضارَ مفهوم “الكاتب العُضوي”، الذي لا يكتفي بمراقبة المشهد من بعيد، بل ينغمس في تفاصيله الحيَّة ليكون جزءًا من حركة المجتمع نحو الوعي والتحرر. ولكي يُحقِّق الأدبُ هذه النقلة دون أن يسقط في فخ التقريرية المباشرة، أو يفقد هُويته الفنية، فإنَّه يعتمد على ركائز أساسيَّة، وهذه هي ركائز فاعليَّة الأدب الملتزم في التغيير:
1_ الجمالية كحامل سياسي وفكري: لا ينفصل المضمون النقدي عن الشكل الفني، فالبناء السردي المُحكَم، واللغة الأدبية المتقنة، والصورة المجازية العميقة، هي التي تمنح الخطابَ قدرته على النفاذ إلى وجدان المُتَلَقِّي وعقلِه معًا. الأدبُ التقريري المباشر يفقد تأثيره سريعًا، بينما الفن الرصين يترك أثرًا مُستدامًا يدفع نحو التساؤل، وإعادة النظر في المُسلَّمات.
2_ تفكيك البنى وعدم الاكتفاء بالوصف: يتجاوز الأدبُ الواعي حدودَ رصد المعاناة إلى تشريح الآليَّات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تنتج التهميشَ والقهر والفقر. إنَّه يُسائل السببَ، ولا يكتفي بعرض النتيجة، مِمَّا يمنح القارئ أدوات تحليلية لفهم واقعه وتجاوزه.
3_ صناعة أفق بديل لليقظة الجماعية: لا يقف دورُ الأدب عند حدود هدم زيف الواقع، بلْ يفتح نوافذ للأمل، واستشراف آفاق إنسانية أكثر رحمةً ورحابةً. إنَّه يصنع مجازات بديلة للحرية والعدالة، تُوحِّد الجماهيرَ حول قيم مشتركة، وتلهمهم للعمل من أجل التغيير الواقعي.
4_ الاشتباك الحي معَ قضايا العصر: إنَّ الأدب الملتزم الحقيقي ليس انعزالًا في عالَم خاص، ولا ترديدًا لشعارات جوفاء، وإنما هو منظومة متفاعلة معَ هُموم الواقع اليومي وأسئلته المُلِحَّة. وهذا الاشتباك الواعي يُحوِّل النص الأدبي من توثيق تاريخي أو صرخة عاطفية مُؤقَّتة، إلى قوة دفع حيَّة تلامس تطلعات الإنسان المعاصر، وتُلهِم وَعْيَه الجمعي لمواجهة تحديات زمانه.
5_ تحفيز الوعي النقدي واستقلالية المُتَلَقِّي: لا تتمثل فاعليَّة الأدب الملتزم في فرض رؤية أيديولوجية جاهزة على القارئ، أو توجيهه نحو أحكام مُسبَقة، وإنما في تنمية قدرته على التفكير المستقل، ومُساءلة الخطابات السائدة، وكشف التناقضات الكامنة وراء المظاهر الخادعة. النصُّ الأدبي الفاعل لا يُقَدِّم إجابات نهائية بِقَدْرِ ما يثير أسئلة جوهرية تُزعزع اليقينَ الزائف، وتُحرِّر العقلَ من التبعية الفكرية، وتدفع المُتَلَقِّي إلى إعادة بناء موقفه من ذاته ومجتمعه والعالَم مِن حَوله.
6_ ترسيخ الذاكرة الجماعية ومقاومة النسيان: ينهض الأدبُ الملتزم بدور محوري في صيانة الذاكرة الإنسانية من المحو والتزييف، مِن خلال استحضار التجارب التاريخية، وتوثيق أصوات المُهمَّشين، وإعادة الاعتبار للضحايا الذين أقصتهم الرواياتُ الرسمية، أو همَّشتهم السرديات المُهيمنة. ولا تقتصر هذه الوظيفة على استعادة الماضي، بلْ تمتدُّ إلى مُساءلة الحاضر في ضوء دروسه، واستكشاف جذور الأزمات المتجددة، بما يُسهم في بناء وعي تاريخي يُقَاوِم تكرارَ المآسي، ويُعَزِّز الشعورَ بالمسؤولية تجاه المستقبل.
7_ توسيع دائرة التعاطف الإنساني وكسر الصور النمطية: يمتلك الأدبُ قدرةً استثنائية على نقل الإنسان من موقع المشاهدة البعيدة إلى تجربة المعايشة الوجدانية، إذْ يتيح له أن يرى العالَمَ من زوايا مختلفة، ويُصغي إلى أصوات لا تجد مكانًا في الخطاب العام. ومِن خلال بناء الشخصيات متعددة الأبعاد، وتجسيد الصراعات النفسية والاجتماعية، يُسهم النصُّ في تفكيك الأحكام المسبقة، ومقاومة النزعات الإقصائية، وتكريس الاعتراف بكرامة الإنسان واختلافه. وبهذا المعنى، يغدو الالتزام الأدبي ممارسةً أخلاقية تعيد تشكيلَ العلاقة بين الذات والآخَر، وتُمهِّد لقيام وعي جماعي أكثر انفتاحًا وتسامحًا.
8 _ تحويل الوعي الفردي إلى مسؤولية جماعية: لا تكتمل فاعلية الأدب الملتزم بمجرد إحداث الاستجابة الفكرية أو الانفعالية لدى القارئ، وإنما تتعزَّز حين يُفْضي هذا الأثرُ إلى مراجعة المواقف والسلوكيات، واستشعار المسؤولية تجاه القضايا العامَّة. فالأدبُ لا يُحدِث التغييرَ الاجتماعي بصورة آليَّة، ولا يضمن انتقالَ القارئ من الإدراك إلى الفِعْل، لكنَّه يُهيِّئ الشروطَ الرمزية والأخلاقية لهذا الانتقال، عبر كشف أشكال الظلم، وتوسيع مساحة الحوار، وإبراز إمكانيات التضامن والمبادرة.
9_ استقلالية المبدع ومقاومة التوظيف الأيديولوجي: يرتبط صدقُ الالتزام الأدبي بقدرة الكاتب على المحافظة على استقلال رؤيته، وعدم إخضاع تجربته الإبداعية لإملاءات السُّلطة أو الجماعة أو الحزب أو أيَّة منظومة تسعى إلى احتكار الحقيقة. والنصوصُ الكبرى وُلدتْ دائمًا مِن رحم رفض الاستسلام، والحريةِ الخالصةِ التي تقاوم كُلَّ محاولات المُصادَرة والتدجين.
10_ الاستمرارية والتراكم في صناعة التغيير: لا تُقَاس فاعليَّة الأدب الملتزم بحجم الصدى الذي يُحدِثه النص عند صدوره فحسب، ولا بمدى ارتباطه بلحظة سياسية أو اجتماعية عابرة، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بحيويته عبر الزمن، وإعادة إنتاج أسئلته في سياقات تاريخية متجددة. فالتغييرُ الثقافي لا يتحقق بضربة واحدة، بلْ يتشكل من تراكم القراءات والتأويلات والحساسيَّات الجديدة التي تعيد النظرَ في الموروث، وتُراجِع أنماط التفكير، وتُوسِّع حدودَ المُمكِن في المخيال الجماعي.ومِن هُنا،تتجاوز قيمةُ العمل الأدبي زمنَ إنتاجه، ليصير جزءًا من حركة ثقافية طويلة الأمد تُسهِم في تهيئة الوعي للتحولات الكُبرى، حتى حين لا تظهر نتائجها بصورة مباشرة أو فَورية.