أثارت معطيات مرتبطة بتدبير سيارات المصلحة بعدد من الجماعات الترابية بضواحي الدار البيضاء تساؤلات بشأن مدى احترام الضوابط القانونية المؤطرة لاستعمال الممتلكات الجماعية، بعدما تحدثت مصادر مطلعة لجريدة العمق المغربي عن وضع سيارات تابعة للمرفق العمومي رهن إشارة أعضاء في المعارضة، في ظروف يُشتبه في خروجها عن الأغراض الإدارية والمصلحية التي اقتُنيت من أجلها.
وتطرح هذه المعطيات علامات استفهام حول حدود استعمال الموارد الجماعية، ومدى ارتباطها بخدمة المصلحة العامة بدل توظيفها في حسابات سياسية وانتخابية ضيقة.
وأفادت المصادر ذاتها بأن بعض رؤساء الجماعات الترابية بضواحي العاصمة الاقتصادية أقدموا، بحسب المعطيات المتداولة، على تمكين أعضاء من المعارضة من سيارات تابعة للجماعات التي يشرفون على تدبيرها، من أجل الاستفادة منها في تنقلات لا تبدو مرتبطة، وفق الروايات نفسها، بمهام رسمية أو أنشطة تدخل ضمن اختصاصات المجالس المنتخبة.
وتزداد حساسية هذه الممارسات المحتملة بالنظر إلى أن سيارات المصلحة تُعد من الممتلكات العمومية التي تخضع لقواعد محددة في الاستعمال والتدبير والمراقبة.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن بعض هذه الحالات قد تتجاوز مجرد التساهل في تدبير وسائل النقل الجماعية، لتطرح شبهة توظيف الإمكانات العمومية في بناء تفاهمات سياسية داخل المجالس المنتخبة.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تستعمل سيارات المصلحة لتسهيل عمل المصالح الإدارية والتقنية والقيام بالمهام المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، تبرز تساؤلات بشأن احتمال توجيه هذه الوسائل لخدمة أغراض شخصية أو حزبية، وهو ما يستدعي التحقق من ظروف وضعها رهن إشارة أشخاص لا تربطهم بها، بالضرورة، مهام إدارية تبرر الاستفادة منها.
وفي هذا السياق، تحدثت مصادر الجريدة عن جماعة ترابية بإقليم مديونة، يشتبه في أن رئيسها وضع سيارات جماعية رهن إشارة أعضاء من المعارضة في إطار مساع لاستمالتهم وضمان قدر أكبر من الاستقرار داخل المجلس.
وربطت المصادر هذه الخطوة بمحاولات كسب دعم بعض المنتخبين خلال الدورات الرسمية، سواء العادية أو الاستثنائية، بما قد يتيح تمرير نقاط مدرجة في جداول الأعمال وتفادي الاصطدامات السياسية التي يمكن أن تعرقل أشغال المجلس.
وأضافت المصادر أن هذه التحركات، إن ثبتت خلفياتها وطبيعة الاستفادة منها، تثير إشكالية الفصل بين تدبير المرفق العمومي وتدبير التوازنات السياسية داخل المجالس المنتخبة.
فالحصول على دعم المعارضة، أو بناء توافقات بشأن مشاريع المقررات الجماعية، يظل جزءا من الممارسة السياسية داخل المؤسسات المنتخبة، غير أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل محتمل لتوظيف الممتلكات العمومية في استمالة المنتخبين أو تحقيق مكاسب سياسية، على حساب قواعد الحكامة الجيدة والمساواة في تدبير الموارد الجماعية.
وتتجاوز تداعيات هذه الممارسات المحتملة مسألة استعمال السيارات في حد ذاتها، بالنظر إلى الأعباء المالية التي يتحملها المال العام مقابل تشغيلها. فالجماعة تتحمل، بحسب طبيعة تدبير أسطولها، تكاليف الوقود والصيانة والإصلاح والتأمين، فضلا عن مصاريف أخرى مرتبطة بالاستهلاك والاستغلال.
وفي حال استعمال هذه المركبات لأغراض شخصية أو حزبية لا تخدم المرفق العمومي، فإن الأمر يطرح أسئلة بشأن جدوى النفقات المترتبة عنها، ومدى احترام قواعد ترشيد الإنفاق العمومي وربط استعمال الممتلكات الجماعية بالأهداف التي خُصصت لها.
ومن الناحية القانونية، يقتضي تقييم هذه الوقائع التمييز بين مجرد وضع سيارة رهن إشارة منتخب في إطار مهمة جماعية مشروعة، وبين تمكينه منها للاستعمال الشخصي أو الانتخابي دون سند قانوني أو مبرر وظيفي.
فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يؤطر اختصاصات الرئيس ومسؤولياته في تدبير شؤون الجماعة، كما تخضع ممتلكاتها ووسائلها لقواعد التدبير والمراقبة ذات الصلة. غير أن الجزم بوجود خرق قانوني أو تبديد للمال العام يظل رهينا بالوقائع المثبتة، وطبيعة الاستعمال، والوثائق المؤطرة له، ومدى ترتب ضرر مالي أو مخالفة للقواعد الجاري بها العمل.
وفي السياق نفسه، تبرز أهمية تفعيل آليات المراقبة الإدارية والمالية، والتحقق من سجلات استعمال سيارات المصلحة، وأوامر التنقل، والجهات المستفيدة، والمهام المبررة لاستعمال هذه المركبات، كما يمكن أن يشكل فحص مصاريف الوقود والصيانة، ومطابقتها مع طبيعة المهام المنجزة، مدخلا لتحديد مدى احترام قواعد التدبير السليم للممتلكات الجماعية.
وتكتسي المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 113.14 أهمية في هذا النقاش، بالنظر إلى ما تنص عليه من آليات مرتبطة بتدخل السلطة الإدارية في مواجهة بعض الأفعال المخالفة للقوانين والأنظمة الصادرة عن رئيس المجلس، وفق الشروط والمساطر المحددة قانونا.
غير أن تفعيل هذه المقتضيات لا يتم بصورة تلقائية لمجرد تداول اتهامات أو معطيات غير محسومة، بل يقتضي تحديد طبيعة الفعل المنسوب إلى المسؤول المعني، والتحقق من عناصر المخالفة، واحترام الضمانات والإجراءات القانونية ذات الصلة.