في لحظة امتزج فيها الفن بالتضامن الإنساني، وقف جمهور مهرجان العود بتطوان، مساء اليوم الخميس، على إيقاع أغنية “منتصب القامة أمشي”، بعدما أعلن الفنان والموسيقار اللبناني مارسيل خليفة إهداءها إلى أرواح شهداء غزة ولبنان، في واحدة من أكثر لحظات افتتاح الدورة السابعة والعشرين للمهرجان تأثيرا، وسط تصفيق حار ومتواصل وتفاعل جماهيري واسع داخل قاعة سينما إسبانيول.
إهداء خليفة أغنيته الشهيرة إلى غزة ولبنان تحول إلى مشهد مؤثر تجاوب معه الحاضرون بالوقوف والتصفيق المطول، في تعبير عن التفاعل مع الرسالة الإنسانية التي حملها العرض، بينما تواصلت أصداء الأغنية التي ارتبطت في الوجدان العربي بمعاني الصمود والكرامة والمقاومة.
وقدم خليفة، الذي يحظى بمكانة خاصة لدى جمهور الأغنية الملتزمة في العالم العربي، باقة من أشهر أعماله، وسط أجواء طبعتها الحماسة والتصفيقات والزغاريد وترديد كلمات الأغاني، في حفل استعاد خلاله الجمهور أعمالا راسخة في الذاكرة الفنية العربية، من قبيل “منتصب القامة أمشي”، “ريتا والبندقية”، “يا بحرية”، “أحن إلى خبز أمي”، وغيرها.
وتنقل مارسيل خليفة بين عدد من أبرز محطاته الغنائية والموسيقية، مستحضرا أعمالا تجاوزت حدود الأغنية لتصبح جزءا من الذاكرة الثقافية العربية، في تفاعل لم يقتصر على التصفيق، بل امتد إلى مشاركة الجمهور في ترديد المقاطع المعروفة من أغانيه.
وحرص الفنان اللبناني على التواصل مع الحاضرين بين الفقرات، مستعيدا بعض ذكرياته الشخصية التي أسهمت في تشكيل مساره الفني، ومن بينها قصة علاقته بوالده الذي لم يكن يرغب في توجهه إلى الموسيقى، وكان يطالبه بتحقيق علامة كاملة في الدراسة.
وروى خليفة أنه لجأ إلى أستاذه طالبا منه مساعدته في تجاوز هذا المأزق، فطلب من أستاذه كتابة قصيدة، ثم عزفها، قبل أن يمنحه علامة 20 على 20، وهي الحكاية التي استحضرها الفنان خلال الحفل، قبل أن يقرر أداء الأغنية المرتبطة بها أمام جمهور المهرجان.
كما عبر مارسيل خليفة، في أكثر من مناسبة، عن محبته لمدينة تطوان واعتزازه بجمهورها، مؤكدا ارتباطه الوجداني بها، مجددا تقديره للمغرب والمغاربة، في تفاعل أضفى على الحفل طابعا حميميا تجاوز العلاقة التقليدية بين الفنان والجمهور.
وعقب حفل الافتتاح، عبر مارسيل خليفة، في تصريح للصحافة، عن سعادته بالمشاركة في مهرجان العود بتطوان، مؤكدا أن لهذه الآلة مكانة خاصة في مساره الفني، وأن علاقته بها تمتد إلى طفولته، حين وضعت والدته العود بين يديه.
وقال الفنان اللبناني إنه سعيد بوجوده في افتتاح المهرجان، مضيفا أن فرحته بالمشاركة تزداد لكون المناسبة مخصصة لآلة العود، التي وصفها بأنها “رفقة عمر”، مستحضرا بداياته الموسيقية حين كان طفلا يستخدم الطاولات والطناجر والصحون لإصدار الأصوات، قبل أن تمنحه والدته العود.
وأوضح خليفة أن هذه الآلة شكلت محطة أساسية في مسيرته، إذ ارتبط بها إنتاجه الموسيقي، قائلا: “كان للعود دور في مسيرتي، كتبت كل موسيقاي وألحاني وأغنياتي”، معتبرا أن حضوره إلى المغرب جاء من أجل تقاسم هذا الرصيد الفني مع الجمهور المغربي.
إقبال استثنائي.. والمئات خارج السينما
وشهد افتتاح المهرجان إقبالا جماهيريا لافتا، بعدما تدفقت أعداد كبيرة من محبي الموسيقى إلى سينما إسبانيول التي امتلأت مقاعدها عن آخرها بالحاضرين من مختلف الأعمار، إلى حد شغل السلالم والممرات، ما دفع المنظمين إلى إغلاق الأبواب قبل انطلاق الحفل، رغم بقاء مئات الأشخاص خارج القاعة.
وأمام هذا الإقبال، وضعت الجهة المنظمة شاشتان كبيرتان لتمكين من تعذر عليهم الدخول من متابعة الحفل، الأولى أمام مدخل سينما إسبانيول، والثانية بساحة العدالة وسط المدينة، في محاولة لاستيعاب جزء من الطلب الجماهيري الكبير على متابعة سهرة الافتتاح.
وحضر الحفل عدد من المسؤولين والمنتخبين والشخصيات العامة، من بينهم الكاتب العام لعمالة تطوان، ورئيس المجلس الإقليمي، ورئيس جماعة تطوان، والمندوبة الجهوية للثقافة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، ومندوب الثقافة بتطوان، إلى جانب برلمانيين ومنتخبين وشخصيات سياسية وفنية، فضلا عن سياح وزوار للمدينة.
مهرجان العود الذي تنظمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، بشراكة مع عمالة إقليم تطوان والمجلس الإقليمي والجماعة الحضرية للمدينة، تحت رعاية الملك محمد السادس، عرف افتتاحه تكريم أربعة أسماء فنية تقديرا لإسهاماتها في خدمة آلة العود والممارسة الموسيقية، ويتعلق الأمر بسهيل السرغيني، وخولة بنزيان، ومحمد الأشراقي، وخالد ناجد الجديدي.
كما تضمن البرنامج عرضا موسيقيا للفنانة الإيطالية أورورا مانفريدي، عازفة آلة اللوت، في لقاء فني استحضر الروابط التاريخية بين العود وآلات وترية أخرى في الفضاء المتوسطي، وترجم توجه المهرجان نحو الجمع بين المدارس الموسيقية وتبادل التجارب الفنية.
وفي الكلمة التي ألقتها بالنيابة عن وزير الشباب والثقافة والتواصل، زهور امهاوش، المندوبة الجهوية للثقافة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، جرى التأكيد على مكانة المهرجان باعتباره موعدا دوليا للاحتفاء بآلة العود، وعلى دوره في صون التراث الموسيقي وتعزيز الحوار بين الثقافات.
وقال الوزير: “لقد رسخ المهرجان، باعتباره أعرق وأقدم تظاهرة دولية تحتفي بالعود، تجربة متفردة تجمع بين الوفاء لأصول هذه الآلة والانفتاح على تجاربها المعاصرة”، معتبرا أن العود “يجسد ذاكرة جماعية تختزن تاريخا من التبادل والتمازج الثقافي والإنساني، وتشهد على ما نسجته شعوب المنطقة من صلات عبر الفن والإبداع”.
واعتبر أن “المهرجان مناسبة لإبراز ما تختزنه تطوان من رصيد حضاري، وما تضطلع به من دور في وصل الضفاف واحتضان التنوع وترسيخ قيم التعايش”، مشيرا إلى أن هذا الحدث الفني “يفتح أفقا لاستحضار الروافد الإسلامية والمسيحية واليهودية في الذاكرة المتوسطية، والإصغاء إلى امتداداتها وتفاعلاتها الموسيقية”.
وتنعقد الدورة السابعة والعشرون للمهرجان تحت شعار “المتوسط.. الثقافات الثلاث”، في سياق الاحتفاء بتطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لسنة 2026، من خلال برنامج يجمع أزيد من 70 فنانا ينتمون إلى عدد من دول البحر الأبيض المتوسط منها لبنان، إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، فلسطين، إضافة إلى المغرب.
وقالت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، إن دورة هذه السنة تأتي في سياق خاص يتميز بتجاوز المهرجان ربع قرن على إحداثه، وكذا في سياق احتفاليات مدينة تطوان بإعلانها عاصمة متوسطية للثقافة والحوار، وتزامنا مع عيد الوحدة الذي يصادف 31 من شهر أكتوبر.
ومن المرتقب أن تتواصل فعاليات المهرجان إلى غاية السبت 31 أكتوبر، ببرنامج يشمل عروضا موسيقية وتكريمات وأنشطة ثقافية موازية، على أن يختتم بعرض أوركسترا العود المغربي التي تجمع 50 عازفا مغربيا يمثلون جهات المملكة الاثنتي عشرة، في احتفاء بالتنوع الموسيقي المغربي وبالروابط الثقافية التي تجمع ضفتي البحر الأبيض المتوسط.