قراءة في الاحتجاجات الفرنسية
وجهة نظر

قراءة في الاحتجاجات الفرنسية

شهدت فرنسا مظاهرات حاشدة قادها تلاميذ الثانويات و طلبة الجامعات، والتحق بها -استغلالا للفرصة- أصحابُ السترات الصفراء و النقابات وتيار عريض من اليسار الراديكالي “فرنسا الأبية”. وقد أعادت هذه المظاهرات إلى الأذهان المظاهرات الطلابية لشهر ماي 1968 التي غيرت المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بفرنسا وأوروبا و مناطق أخرى.

يُعْرَفُ الشعب الفرنسي بمزاجه السيء وثوراته ومظاهراته المتكررة و هي عادة متجذرة في سلوك المجتمع الفرنسي كما هو مذكور في كتاب “تلخيص الإبريز في أخبار باريس” للشيخ رفاعة الطهطاوي؛ فلا غرابة إذن من حدة هذه المظاهرات ضد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السيئة؛ ففي تكوينها الجيني جنوح نحو التمرد على الظروف إذا ساءت؛ لذلك تحاول السلطات الفرنسية تطويق الأزمة عن طريق عقد لقاءات وحوارات بين الحكومة و المتظاهرين سواء كانوا من جيل Z أو من غيرهم من الطلبة والمواطنين والنقابات ومختلف قوى المجتمع لاجل ايجاد حل متوافق عليه، و للاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لقد تسببت حرب أوكرانيا و أزمة غلاء الأسعار الناتجة عن حرب ايران و تدهور المرافق العمومية وتراجعها منذ فترة أزمة كوڤيد 19 في حدوث قلق وجودي كبير يتساءل عن مستقبل البلاد والأجيال الصاعدة.

أضف إلى هذا موجة العنصرية التي تفاقمت بسبب تيارات يمينية متطرفة تدعوا إلى طرد المهاجرين وتنسب الأزمات التي تعرفها البلاد إلى المهاجرين والمسلمين لانها الحلقة الأضعف بين قوى المجتمع الفرنسي. لقد هيمن اليمين المتطرف إلى جانب اليسار الراديكالي”فرنسا الأبية” على المشهد السياسي مما أدى إلى إضعاف اليمين الكلاسيكي واليسار والوسط، فصار هؤلاء يستميلون اليمين المتطرف بتبني مصطلحات عنصرية مَبْنِيَّةٍ على الكزينوفوبيا، والعنصرية، والاسلاموفوبيا، ورفض الآخر كمصطلح “الاستبدال الكبير” الذي اخترعه ارنولد كامو، دافعا بنظرية إحلال شعب مسلم وذي الأصول الأفريقية مكان الشعب الفرنسي الأصيل الكاثوليكي الأبيض! وهو وهم بدليل النسبة القليلة للمهاجرين والفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية وباقي سكان فرنسا؛ و قد أكد هذه الحقيقة خبراء و مؤرخون و إحصائيون؛ بل ذهب المنصفون منهم إلى أن الهجرة هي التي كونت الشعب الفرنسي منذ قرون؛ وأن الاستعمار الفرنسي لبلدان أفريقيا وغيرها كان سببا في نهضة فرنسا واستقلالها وبنائها.

فليس هناك إذن عرق فرنسي خالص كما يدعيه خطأ أو عمدا العنصريون و الإقصائيون؛ وإنما هناك عقد اجتماعي وتوافق بين الفرنسيين حول مبادئ الحرية والمساواة والإخاء.

هناك استقطاب حاد و جو غير صحي يسود الأوساط الإعلامية والنقاشات السياسية والثقافية الفرنسية؛ أضف إلى هذا الأحداث إلإرهابية و العنصرية والاسلاموفوبيا التي تصيب مسلمي فرنسا بين الفينة والأخرى، نسوق منها اغتيال أبوبكر سيسي مسلم مالي في مسجد بجنوب فرنسا و كذلك هشام ميراوي ثم أخيرا مقتل وجرح مسلمين بمدينة تراب الفرنسية.

ان المجتمع الفرنسي و أوروبا عموما يحملان في أحشائهما بذور الانقسام والحروب عبر قرون متتالية ولا أدل على ذلك من اضطهاد الكاثوليك البروتستانتيين كما في “قضية جون كالاس”، ودفاع ڤولتير عن التسامح بين الأديان، وواقعة اليهودي دريفوس الذي ظُلِمَ وانتهكت حقوقه بسبب يهوديته رغم كونه منتميا للجيش الفرنسي؛ و قد دافع عن براءته الأديب والكاتب والروائي الفرنسي إميل زولا متهما بعض الأجهزة الفرنسية والرأي العام آنذاك في مقالته الشهيرة “أنا أتهم”، و بلغ هذا اضطهاد اليهود ذروته أثناء حكم حكومة فيتشي الفرنسية التي رضخت للحكم الألماني النازي خلال سنوات الأربعينات؛ و لا زالت معاداة السامية موجودة في المجتمع الفرنسي إلى جانب معاداة المسلمين والمهاجرين.

تحرص الجمعيات الحقوقية، و جمعية مقاومة الاعتداءات ضد المسلمين، وجمعية مناهضة ومكافحة العنصرية و العداء ضد السامية، والمؤسسات الفرنسية، على مكافحة و محاربة هذه الظاهرة التي تهدد تماسك المجتمع الفرنسي؛ مذكرة بمبدأ اللائكية الحقيقي الذي يدافع عن حق الأقليات الدينية ويضمن العيش المشترك بين شرائح المجتمع تحت قيم الحرية و المساواة و الإخاء. و هي مبادىء يكرّسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948ميلادية، و الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن 1789ميلادية.

يبحث بعض الساسة في حالة الأزمات عن كبش فداء bouc émissaire لصعوبة حل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية المستعصية.

و أظن أن هذه الاحتجاجات والاضطرابات التي تعصف بالمجتمع الفرنسي -و التي تُمْنَع أحيانا من طرف وزارة الداخلية الفرنسية بسبب مخاطر المس بالنظام العام و بأمن المواطنين- ستؤدي إلى فرض تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية على مستوى فرنسا؛ و ستنعكس غالبا على محيطها في القارة الأوروبية وربما على باقي المناطق الأخرى.

لقد رفضت قطاعات واسعة في المجتمع الفرنسي سياسة التقشف والموازنة؛ ودعت إلى الاستمرار في الاحتجاجات والمظاهرات يوم السبت 31 اكتوبر عن طريق قرع الأواني والقدور ؛ و يوم 5 نونبر عن طريق إعلان خمس نقابات كبرى لإضراب عام وشامل.

تطالب هذه الاحتجاجات بالقطع مع ممارسات النظام الاقتصادي الجديد الذي يغني الأغنياء و يفقر الفقراء.

تتهدد هذه الاحتجاجات أعمالُ عنف وشغب وتخريب كما شهدناها في الاحتجاجات السابقة.

لهذا، فالدولة الفرنسية أمام المعادلة الصعبة، في التوفيق بين ضمان حق الاحتجاج والإضراب للمواطنين والحفاظ على النظام العام وأمن المواطنين.