منير لكماني
وجهة نظر

بأي لسان يتكلم الوطن؟

يبدأ الغياب أحيانا من قلب الحضور: يرتفع علم المغرب، ويتقدم ممثله إلى المنصة، ثم تبقى العربية خارج الكلمة التي تلقى باسمه. وكلما وقع هذا الاختيار في محفل تتاح فيه الترجمة، صار السؤال سياسيا وثقافيا: لماذا تحضر لغة البلاد في تعريف الدولة، وتتراجع في التعبير عنها؟ فالوزير والدبلوماسي يحملان في كلامهما صورة الوطن، ويكشفان كيف ينظر إلى نفسه وهو يخاطب العالم.

تستند هذه المرافعة إلى التزام مؤسسي واضح. فالفصل الخامس من الدستور يقر رسمية العربية والأمازيغية، ويلزم الدولة بحماية العربية وتطويرها وتنمية استعمالها. ومع بقاء اختيار لغة كل مداخلة خاضعا لسياقها، تظل الدولة مطالبة بأن تمنح هذا الالتزام مضمونا محسوسا في أدائها الخارجي. والتمثيل الخارجي مجال أساسي لاختبار انسجام المؤسسات مع التزاماتها الدستورية المعلنة. فما قيمة الاعتراف بلغة إذا ضاقت بها المنصات التي تتسع لمواقف البلاد ومصالحها؟

وتزداد مشروعية السؤال أمام مكانة العربية الدولية؛ فهي إحدى اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة، وتحظى بالترجمة في اجتماعات الأجهزة التي تعتمد هذا النظام. وللمؤتمرات الأخرى ترتيباتها التي ينبغي مراعاتها. أما حيث تتوفر الترجمة، فإن الاحتجاج بصعوبة التواصل يفقد كثيرا من وجاهته؛ فالجسور قائمة، وما يحتاج إلى تفسير هو إصرار صاحب اللغة على مغادرة ضفته.

ويقودنا ذلك إلى ما وراء خطاب واحد. فمن التفسيرات الممكنة ترسخ تقاليد تعليمية وإدارية ربطت الفرنسية بالترقي والوجاهة، حتى غدا استعمالها عند بعض النخب علامة أهلية اجتماعية. تتسلل المشكلة عندما تتحول أداة للتواصل إلى معيار للمكانة، ويصبح الاطمئنان إلى لغة أجنبية أقوى من الثقة في قدرة العربية على حمل الموقف الوطني. هنا تستدعي العادة مراجعة سياسية وثقافية. وأخطر ما في هذا الإرث أن يعاد إنتاجه باسم الحداثة، من غير اختبار ضرورته أو جدواه.

ويضعف عذر الارتباك اللغوي أمام خطاب مكتوب تعده أجهزة متخصصة. فالدولة التي تهيئ ملفات التفاوض، وتدقق الأرقام والالتزامات، تستطيع إعداد كلمة عربية سليمة وتدريب صاحبها على إلقائها. وإذا ظهر قصور، فمعالجته تكون بالتكوين والمراجعة. فحسن التعبير جزء من الكفاءة اللازمة لتمثيل الدولة. أما تحميل العربية مسؤولية ضعف إعداد المتحدث، فشبيه باتهام البحر بالفقر لأن الغواص عاد من أعماقه دون در.

وأما حديث العقم، فتفنده قدرة اللغة على النمو متى وجدت مؤسسات تنتج المعرفة وتترجم وتوحد المصطلحات. العربية التي اتسعت لأبواب الفكر تستطيع وصف الآلة وتسمية المخترعات ومناقشة التحولات الاقتصادية والتقنية. غير أن الاحتفاء بماضيها يظل ناقصا إذا ترك حاضرها بلا استثمار. وأقسى الوأد أن نحصرها في المدائح، ثم نبعدها عن المواضع التي تصاغ فيها القرارات وتتحدد المصائر.

ويقتضي الإنصاف أن يصحب الدفاع عنها احترام الأمازيغية وصيانة حقوقها بوصفها لغة رسمية ورصيدا مشتركا للمغاربة. كما يقتضي تثمين إتقان الفرنسية وسائر اللغات، بما يفتحه من آفاق للفهم والتفاوض. فالسيادة اللغوية تنمو بامتلاك حرية الاختيار، وبقدرة المسؤول على تعليل اختياره وفق المصلحة العامة، بعيدا عن افتراض تفوق لسان على آخر أو اختزال الكفاءة في لكنة. وتستمد الأمم عزها ومنعتها من ثقتها بنفسها، وقدرتها على الانفتاح دون التفريط في شخصيتها.

وللكلمة الرسمية مستمع في الداخل أيضا. المواطن الذي يتابع ممثله يريد أن يفهم حجته، ويزن موقفه، ويتبين أثر التزاماته. ومن واجب المؤسسة أن تتيح له نصوصا واضحة، تحترم ذكاءه وتيسر مشاركته في النقاش. وعندما تتسع المسافة اللغوية بين المؤسسة والجمهور، تضيق المشاركة في فهم السياسة الخارجية ومساءلة القائمين عليها. لذلك يتصل حضور العربية بحق الناس في متابعة الشأن العام، وبحاجتهم إلى الشعور بأن الدولة تخاطب العالم من موقع قريب منهم.

لهذا ألتمس سياسة تجعل العربية أصلا في الكلمات الرسمية حيث تتاح الترجمة، مع استثناءات معللة تفرضها طبيعة اللقاء ومصلحة التفاوض. ويقتضي ذلك تكوين المسؤولين، وتأهيل المحررين، وتوفير المراجعة المتخصصة، ونشر الكلمات بالعربية للجمهور. بذلك يغدو الاعتزاز ممارسة مؤسسية قابلة للتقييم، وتخرج اللغة من دائرة المجاملة إلى صميم العمل.

أيها المؤتمنون على تمثيل المغرب، إن للعربية في أعناقكم حق الحضور، وللوطن عليكم أمانة الصوت. استخرجوا درها، وقووا قناتها بالعلم والعمل، وافتحوا لها منابركم. أعطوا اللغة من حضوركم ما تمنحون الراية من علو، حتى إذا قدمتم المغرب إلى العالم، حضر اسمه ووجهه وصوته.