عيد الوحدة.. الصحراء المغربية بوابة لاستعادة الحلم المغاربي وبناء أفق إفريقي مشترك
وجهة نظر

عيد الوحدة.. الصحراء المغربية بوابة لاستعادة الحلم المغاربي وبناء أفق إفريقي مشترك

حين قرر الملك محمد السادس اعتماد يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا للوحدة، كان المغرب يعيش لحظة سياسية ودبلوماسية فارقة في مسار قضية الصحراء المغربية، عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، وفي سياق دولي عرف تحولات متسارعة في التعاطي مع النزاع المفتعل حول الصحراء. وجاء هذا القرار في مرحلة تستحضر فيها المملكة خمسين سنة على المسيرة الخضراء وسبعين سنة على الاستقلال، بما راكمته هذه المحطات من دلالات في بناء الدولة المغربية وصيانة وحدتها الترابية.

وتحمل هذه الخطوة الملكية أبعادا تتجاوز تخليد محطة في مسار القضية الوطنية، لأنها تفتح المجال أمام قراءة أوسع لمعنى الوحدة، وعلاقتها بتاريخ المغرب وموقعه داخل محيطه المغاربي والإفريقي. فالوحدة، في تقديري، فكرة ينبغي أن تستحضر في سياقها الوطني، وأن تمتد إلى التفكير في مستقبل منطقة ظلت شعوبها أقرب إلى بعضها مما توحي به الخلافات السياسية التي فرقت دولها.

لقد ظل الشعب المغربي، عبر امتداد تاريخه، مرتبطا بوحدة وجدانية وحضارية لم تستطع التحولات السياسية أن تمحوها. ومن الصعب قراءة تاريخ المغرب خارج امتداده المغاربي والإفريقي، أو فهم قضيته الوطنية بمعزل عن المجال الذي تشكلت داخله روابطه البشرية والتجارية والثقافية. فالمغرب لم يكن يوما جزيرة معزولة، كما أن المغاربة لم يكونوا شعبا متفرقا في انتمائهم الوطني، حتى حين فرضت الحدود والتجاذبات السياسية واقعا من التباعد بين أجزاء من المجال المغاربي.

ومن هذه الزاوية، أرى أن عيد الوحدة يشكل مناسبة لإعادة طرح السؤال المغاربي، في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى مراجعة كلفة الانقسام، واستحضار المصالح التي تضيع مع استمرار القطيعة بين المغرب والجزائر. فالتاريخ المشترك والجوار الجغرافي والروابط الاجتماعية عوامل تجعل استمرار هذا الوضع مصدر قلق حقيقي بشأن مستقبل المنطقة، خاصة في ظل التحولات الدولية التي تدفع الدول إلى بناء تكتلات قادرة على حماية مصالحها وتعزيز قدرتها التفاوضية.

لقد استنزفت الخلافات المغاربية فرصا كبيرة للتعاون والتكامل، وأبقت شعوب المنطقة بعيدة عن إمكانات اقتصادية وتجارية وبشرية كان يمكن أن تشكل رافعة للتنمية والاستقرار. وفي الوقت الذي تتجه فيه مناطق عديدة من العالم إلى تجاوز الحدود التقليدية في بناء المصالح المشتركة، يظل الاتحاد المغاربي أسير خلافات لم تنجح العقود الماضية في تجاوزها.

إن الاحتفاء بالوحدة المغربية يقتضي، في نظري، استحضار هذا الواقع، لأن قوة الدول تتعزز بقدرتها على بناء علاقات مستقرة مع محيطها، ولأن شعوب المنطقة تحتاج إلى أفق يتيح لها التعاون والتنقل والتبادل، بعيدا عن منطق الصراع الدائم. ولا يمكن أن يستمر الخلاف السياسي إلى ما لا نهاية، فيما تتقاسم المنطقة تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية تفرض عليها البحث عن حلول مشتركة.

ويظل المغرب، بما راكمه من مواقف ومبادرات، مدعوا إلى مواصلة الدفاع عن وحدته الترابية بثبات، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام حوار مغاربي جاد يقوم على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. فالتطلع إلى مغرب كبير متكامل لا ينتقص من مكانة القضية الوطنية، ولا يضعف التمسك بالحقوق المشروعة، وإنما يعكس الثقة في قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه وبناء علاقات تخدم شعوب المنطقة.

ويمتد هذا الأفق إلى إفريقيا، التي تشكل عمقا استراتيجيا للمغرب ومجالا طبيعيا لتطوير علاقاته الاقتصادية والسياسية والإنسانية. فقد اختارت المملكة خلال السنوات الماضية تعزيز حضورها الإفريقي عبر شراكات متعددة، انطلاقا من رؤية تعتبر أن مستقبل القارة يرتبط بقدرتها على استثمار إمكاناتها، وتطوير بنياتها التحتية، وتعزيز التعاون بين دولها، وتجاوز العراقيل التي تحد من اندماج أسواقها واقتصاداتها.

وفي هذا السياق، يمكن لعيد الوحدة أن يحمل رسالة إفريقية قوامها أن الاستقرار والوحدة والتكامل شروط أساسية لبناء المستقبل. فالقارة تواجه تحديات مرتبطة بالتنمية والفوارق الاجتماعية والأمن الغذائي والتغيرات المناخية، وهي تحديات تحتاج إلى تعاون فعلي بين الدول، وإلى مشاريع مشتركة تجعل من الإمكانات المتاحة رصيدا للتقدم.

وتفرض هذه الرؤية التفكير في موقع الأقاليم الجنوبية داخل هذا الامتداد الإفريقي، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وما تتيحه من إمكانات لربط المغرب بعمقه الصحراوي والساحلي وغرب إفريقيا. فترسيخ الوحدة الترابية يكتسب أبعادا استراتيجية إضافية حين يقترن بالتنمية وفتح آفاق التعاون والتبادل، بما يجعل الأقاليم الجنوبية فضاء للتواصل الاقتصادي والإنساني بين المغرب ومحيطه الإفريقي.

ومن هذا المنطلق، فإن عيد الوحدة يستحق أن يتحول إلى مناسبة للتفكير في المرحلة المقبلة، وفي ما يمكن أن يتيحه تثبيت الوحدة الترابية من آفاق جديدة أمام المغرب. فالقضية الوطنية تظل في صلب الاهتمام، لكن الرؤية الاستراتيجية للمغرب تقتضي كذلك استحضار محيطه المغاربي وعمقه الإفريقي، لأن الاستقرار الداخلي والتعاون الإقليمي عاملان متكاملان في بناء مكانة الدول وتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات.

إن الشعب المغربي الذي التف حول قضيته الوطنية، وعبّر عبر محطات تاريخية عن تشبثه بوحدة أرضه، يملك أيضا رصيدا تاريخيا وإنسانيا يجعله قادرا على استيعاب معنى الوحدة في أبعادها الأوسع. فالمغاربيون تجمعهم روابط لا تمحوها الخلافات، والأفارقة يتقاسمون رهانات تنموية ومصالح استراتيجية تفرض عليهم تعزيز التعاون وبناء شراكات أكثر إنصافا.

ولهذا، فإن عيد الوحدة يمثل فرصة لتجديد الوعي بوحدة المغرب، واستحضار مسؤولية الحفاظ على مكتسباته، والتفكير في مستقبل مغاربي وإفريقي أكثر استقرارا وتكاملا. وهي مناسبة للتأكيد على أن المغرب، وهو يواصل الدفاع عن وحدته الترابية، قادر على حمل رؤية تتطلع إلى محيط تتعاون فيه الدول بدل أن تستنزف طاقاتها في النزاعات، وتجد فيه الشعوب فرصا أوسع للتنمية والعيش الكريم.

ذلك هو الأفق الذي أرى أن عيد الوحدة ينبغي أن يفتحه: مغرب موحد، ومغرب كبير يستعيد إمكانات التعاون بين شعوبه، وإفريقيا أكثر قدرة على بناء مستقبلها بإرادة أبنائها.