ميناء الناظور غرب المتوسط.. اختبار الانتقال من اقتصاد العبور إلى اقتصاد الإنتاج بجهة الشرق
اقتصاد

ميناء الناظور غرب المتوسط.. اختبار الانتقال من اقتصاد العبور إلى اقتصاد الإنتاج بجهة الشرق

تطرح المشاريع المينائية الكبرى التي يراهن عليها المغرب، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط وتوسعة ميناء طنجة المتوسط، أسئلة تتجاوز حجم الاستثمارات المرصودة والقدرات اللوجستية المرتقب توفيرها، لتلامس طبيعة العائد الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن أن تحققه هذه الأوراش على المدى المتوسط والبعيد. فبين طموح تعزيز موقع المملكة ضمن شبكات التجارة الدولية واستقطاب خطوط الشحن والاستثمارات الأجنبية، وتحدي تحويل هذه البنية التحتية إلى قيمة مضافة حقيقية تدعم التصنيع والتصدير وتخلق فرص شغل مستقرة، يبرز رهان بناء منظومة إنتاجية متكاملة تضمن امتداد آثار هذه المشاريع إلى النسيج الاقتصادي المحلي، ولاسيما بجهة الشرق، بما يجعلها رافعة للتنمية الصناعية والمجالية، وليس مجرد منصات لعبور البضائع وإعادة شحنها.

من الموانئ إلى الإنتاج والقيمة المضافة

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرزاق الهيري أن الرهان الأساسي للمشاريع المينائية الكبرى بالمغرب، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط وتوسعة ميناء طنجة المتوسط، لا ينبغي أن يقتصر على تعزيز القدرات اللوجستية للمملكة واستقطاب حركة الحاويات وخطوط الشحن الدولية، بل يتعين أن يمتد إلى تحويل هذه الاستثمارات إلى رافعة للإنتاج الصناعي والتصدير وخلق فرص الشغل المستقرة، بما يضمن انعكاساتها على الاقتصاد الوطني والتنمية المجالية، خصوصا بجهة الشرق.

وأوضح الهيري، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن الأهمية الاقتصادية لهذه المشاريع لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات المرصودة أو بعدد الأرصفة والطاقة الاستيعابية للحاويات، وإنما بمدى قدرتها على إحداث قيمة مضافة وطنية، واستقطاب استثمارات منتجة، وتنويع الصادرات، وخلق فرص شغل مستقرة، مبرزاً أن امتلاك بنية مينائية متطورة لا يعني بالضرورة تحقيق تحول صناعي، ما لم ترتبط حركة البضائع بأنشطة إنتاجية وخدمات ذات قيمة مضافة.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي أن التحدي يتمثل في الانتقال من منطق عبور البضائع وإعادة شحنها إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول الموانئ، تشمل الصناعة والتخزين والنقل والخدمات الرقمية والصيانة والبحث والتكوين، إلى جانب تعزيز حضور المقاولات المحلية ضمن سلاسل الإنتاج والتوريد.

وأشار إلى أن الاستثمار المعلن في ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يبلغ نحو 54 مليار درهم، إلى جانب التوسعة المرتقبة لميناء طنجة المتوسط باستثمار يناهز 8 مليارات درهم، يعكس طموح المغرب إلى تعزيز موقعه في شبكات التجارة العالمية، غير أن حجم هذه الاستثمارات يظل مدخلا لتقييم المشروع، وليس مؤشرا كافيا على مردوديته الاقتصادية، التي ترتبط بطبيعة الأنشطة التي ستنشأ حوله وبحجم القيمة المضافة التي ستبقى داخل الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن الموانئ قادرة على توليد آثار اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، من خلال أنشطة المناولة والتخزين والصيانة والنقل والتخليص الجمركي، فضلا عن تحفيز الطلب على الخدمات والتجهيزات والمقاولات الموردة، واستقطاب وحدات صناعية جديدة مرتبطة بالإنتاج والتصدير.

وشدد الهيري على أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي تطوير مناطق صناعية ولوجستية مرتبطة بالموانئ، وتشجيع الصناعات التحويلية والأنشطة التصديرية، لاسيما الصناعات الغذائية ومكونات السيارات والطيران والتجهيزات الكهربائية والأنشطة المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب تطوير خدمات لوجستية متقدمة تشمل إدارة المخزون والتوزيع الإقليمي والتتبع الرقمي للبضائع وخدمات الصيانة والهندسة والبرمجيات.

المنافسة المينائية رهينة بجودة الخدمات والربط اللوجستي

وفيما يتعلق بالمنافسة المينائية في غرب البحر الأبيض المتوسط، أوضح المتحدث أن قدرة المغرب على استقطاب خطوط الشحن العالمية لا تتوقف على توسيع الطاقة الاستيعابية للموانئ فحسب، بل ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية واللوجستية، من بينها جودة البنية التحتية وعمق الأرصفة، وسرعة مناولة الحاويات، وتقليص مدة انتظار السفن، وفعالية المساطر الجمركية، وتوفر الخدمات الرقمية، وشفافية الرسوم وانتظام الربط البحري.

وسجل أن جودة الربط الطرقي والسككي بين الموانئ والمراكز الصناعية والأسواق الداخلية تشكل بدورها عاملا حاسما في تحديد التكلفة اللوجستية، إلى جانب توفر العقار الاقتصادي والطاقة والماء واليد العاملة المؤهلة والخدمات المالية والتأمينية والجمركية.

وأكد أن شركات الشحن لا تختار الموانئ بناء على قدرتها على مناولة الحاويات فقط، وإنما تنظر إلى أداء المنظومة المتكاملة، ومدى قدرتها على ضمان وصول البضائع في الآجال المحددة وبأقل تكلفة ومخاطر، معتبرا أن المنافسة مع الموانئ الإسبانية ينبغي ألا تتحول إلى سباق في الطاقة الاستيعابية، بل إلى تنافس في الإنتاجية والموثوقية وجودة الخدمات واستقطاب الأنشطة ذات القيمة المضافة.

رهانات التنمية المحلية وقياس المردودية الاقتصادية والاجتماعية

وفي معرض حديثه عن العائد الاقتصادي والاجتماعي المنتظر من هذه المشاريع، أبرز الهيري أن تقييم مردوديتها يتطلب تجاوز الأرقام الإجمالية للاستثمارات، من خلال مقارنة التكاليف المالية والبيئية والاجتماعية بالمنافع المباشرة وغير المباشرة على المدى الطويل، مع التمييز بين فرص الشغل المؤقتة التي توفرها مرحلة البناء والمناصب المستقرة التي يفترض أن تنتج عن مرحلة التشغيل.

وأوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، أن قياس الأثر الاقتصادي ينبغي أن يستند إلى مؤشرات من قبيل تطور القيمة المضافة للأنشطة المرتبطة بالميناء، ونمو الصادرات، وحجم الاستثمارات الخاصة المستقطبة، وتطور الإنتاجية، وتكلفة النقل والتخزين، ومساهمة الخدمات اللوجستية في الناتج الداخلي الخام.

أما على المستوى الاجتماعي، فيرى الخبير الاقتصادي أن التقييم ينبغي أن يشمل عدد مناصب الشغل الصافية المحدثة، مع التمييز بين الوظائف المؤقتة والدائمة، فضلا عن الأجور والاستقرار المهني والسلامة في العمل، ونسبة إدماج الشباب والنساء وسكان الأقاليم المعنية، ومدى استفادة المقاولات المحلية من الصفقات وسلاسل التوريد.

وبخصوص الانعكاسات المنتظرة لميناء الناظور غرب المتوسط على جهة الشرق، نبه الهيري إلى أن حجم الاستثمار لا يضمن تلقائيا تحقيق التنمية المحلية، خصوصا إذا ظلت الأنشطة الاقتصادية محصورة في محيط الميناء، أو اعتمدت على موردين وعمالة من خارج الجهة.

واعتبر أن ضمان استفادة الجهة من هذا المشروع يقتضي ربطه بالمراكز الحضرية والصناعية واللوجستية، وتحسين شبكات النقل، وتطوير مناطق الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز الروابط بين المشروع والمقاولات المحلية والجامعات ومؤسسات التكوين، بما يسمح بتوسيع دائرة المستفيدين من الدينامية الاقتصادية المرتقبة.

وفي هذا الإطار، دعا إلى اعتماد آلية لتتبع المردودية الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية، من خلال نشر مؤشرات سنوية تشمل عدد مناصب الشغل الصافية، ونسبة التشغيل المحلي، وحجم الصادرات الصناعية، وعدد المقاولات المحلية الموردة، وحجم الاستثمار الخاص، ونسبة الإدماج المحلي، ومتوسط مدة عبور البضائع وتكلفة الخدمات اللوجستية، معتبرا أن توفير هذه المعطيات من شأنه إتاحة تقييم موضوعي لمدى تحقق الأهداف المعلنة.

التكوين وإدماج المقاولات المحلية في سلاسل التوريد

وعلى مستوى تأهيل الموارد البشرية وتعزيز استفادة المقاولات المحلية، شدد المتحدث على ضرورة اعتماد سياسة استباقية للتكوين، تنطلق من تحديد المهن والمهارات التي ستحتاجها الأنشطة المرتبطة بالموانئ، خاصة في مجالات المناولة والصيانة والأمن والسلامة والنقل والتخزين واللوجستيك والجمارك والأنظمة المعلوماتية وتحليل البيانات وإدارة سلاسل الإمداد.

وأوضح أن هذه الحاجيات ينبغي أن تترجم إلى برامج للتكوين المهني والجامعي بتنسيق مع المستثمرين والمشغلين، مع إعطاء الأولوية للتكوين التطبيقي والتدريب داخل المقاولات والتكوين بالتناوب والشهادات المهنية المتخصصة، فضلا عن تطوير مهارات مرتبطة بالتحول الرقمي والأتمتة، من قبيل صيانة الأنظمة والأمن السيبراني وتحليل البيانات وإدارة المنصات الرقمية.

وبالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، دعا الهيري إلى تيسير اندماجها في سلاسل التوريد المرتبطة بالمشاريع المينائية، عبر الإعلان الواضح عن فرص الشراء والصفقات، وتسهيل الولوج إلى التمويل وضمانات الأداء، ومواكبتها للحصول على شهادات الجودة والسلامة واحترام المعايير الدولية، إلى جانب إحداث برامج لتأهيل الموردين المحليين وربطهم بالمشغلين الكبار قبل استقرار سلاسل التوريد.

كما أكد أهمية إرساء آلية تنسيق دائمة تضم السلطات العمومية والجهات والجماعات الترابية والمستثمرين ومؤسسات التكوين والغرف المهنية والجامعات، تتولى تحديد الحاجيات السنوية من المهارات، وتتبع التشغيل المحلي والمشتريات من المقاولات المحلية، ومعالجة الصعوبات التي قد تعترض اندماج النسيج الاقتصادي المحلي في هذه المشاريع.

وختم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن تحقيق التنمية المحلية لا يرتبط فقط بتوسيع الأنشطة الاقتصادية، بل يستدعي أيضاً مواكبتها ببنية اجتماعية وخدمات عمومية ملائمة، تشمل السكن والنقل والصحة والتعليم والمرافق الأساسية، محذرا من أن توسع الأنشطة الاقتصادية دون تخطيط حضري وخدمات كافية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السكن والتنقل وزيادة الضغط على البنيات التحتية، بما يقلص جزءا من المنافع الاجتماعية المنتظرة من هذه الاستثمارات.