أثار إعلان تعيين عبد الرحيم العرجون مديرا تقنيا وطنيا للتحكيم، ببلاغ لغوي ينسب “سلطة” التعيين إلى العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، ضربا من ضروب الإشكالات القانونية التي يحاول البعض إخفاءها أمام الجمهور الكروي المغربي. فالأمر يتجاوز مجرد تغيير المسؤولين داخل منظومة التحكيم المغربي. كما أن المسألة لا تتعلق بكفاءة الشخص المعين أو تجربته المهنية، وإنما بمشروعية الجهة التي مارست سلطة التعيين ومدى امتلاكها الاختصاص القانوني لذلك.
بالاستناد إلى مبدأ تراتبية القوانين وفق الفقه القانوني العالمي، نجد أن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA المتعلقة بتنظيم التحكيم داخل الاتحادات الأعضاء، تنص في المادة الثانية أن الاختصاص حصرا هو للاتحادات الوطنية (في حالتنا هذه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم)، وذلك بغية تطوير وتنفيذ التنظيم الخاص بالتحكيم، دون منح هذا الاختصاص لهيئات أخرى، من بينها العصب.
وتأتي المادة الثالثة لتؤكد هذا المبدأ، بإلزام كل اتحاد بإحداث لجنة تحكيم تابعة له مباشرة، وتكون جزءا من بنيته المؤسساتية، وتخضع حصريا لرقابته في ما يتعلق بتنظيم التحكيم وتقنينه وتطويره، دون إخضاعها لإشراف أو مراقبة أجهزة أخرى.
أما المادة السادسة، فتفرض إحداث مديرية متخصصة للتحكيم داخل الكتابة العامة للاتحاد العضو، ويرأسها خبير ذو تجربة واسعة في المجال.
وهنا يبرز تمييز مؤسساتي أساسي: لجنة التحكيم هي الجهاز الذي تفرضه FIFA وتناط به المسؤولية التنظيمية والتوجيهية، بينما المديرية الوطنية للتحكيم جهاز إداري وتقني مساعد فقط، يتولى تنفيذ المهام ومواكبة العمل التحكيمي.
وفي المستوى المغربي، تنسجم المادة 42 من النظام الأساسي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مع توجه الفيفا غير القابل للتأويل، إذ تسند إلى لجنة التحكيم اختصاص تنفيذ قوانين اللعبة وتفسيرها وتعيين الحكام وتنظيم دورات التكوين، وتنص صراحة على أن المديرية الوطنية للتحكيم تساعدها فقط في أداء مهامها.
في المقابل، تمنح المادة 54 من النظام الأساسي للجامعة العصبةَ الاحترافيةَ اختصاصَ تنظيم وتدبير وتنسيق المنافسات الاحترافية في إطار التفويض الممنوح لها ضمن اتفاقية إطار. وهنا مربط الفرس في محاولة “تضليل”الجمهور ؛ حيث إن هذا التفويض لا يمكن تفسيره باعتباره نقلا تلقائيا للاختصاصات المتعلقة بتنظيم التحكيم والإشراف عليه.
فثمة فارق قانوني واضح بين تدبير المنافسات الاحترافية وتدبير المنظومة الوطنية للتحكيم. ولا يجوز أن يتحول الاختصاص الأول إلى سند لممارسة اختصاص آخر لم تثبت النصوص القانونية الدولية إسناده إلى العصبة.
من هنا، فإن البلاغ المنشور على الصفحة الرسمية للجامعة، والذي ينسب إلى العصبة الاحترافية تعيين المدير التقني الوطني للتحكيم، يطرح أسئلة قانونية مشروعة: هل اتخذت العصبة قرار التعيين بصورة مستقلة؟ أم أنها أعلنت قرارا صادرا عن جهاز مختص داخل الجامعة؟ وهل يوجد تفويض صريح يخول لها ممارسة هذه الصلاحية؟
إن المسؤولية عن تدبير البطولة الاحترافية، مهما اتسعت، لا تعني امتلاك سلطة تنظيم التحكيم المغربي. كما أن الظهور المتكرر لرئيس العصبة عبد السلام بلقشور في واجهة القرارات التحكيمية المثيرة للجدل أمام الأندية والجماهير ووسائل الاعلام لا ينشئ اختصاصا قانونيا لا يسنده نص.
وعليه؛ وبناء على الحق الدستوري في الحصول على المعلومات ( الفصل 27)، فعلى الجامعة والعصبة الكشف بوضوح عن محضر القرار، والجهة التي اقترحت الاسم وصادقت عليه، والسند التشريعي الذي ارتكزت عليه، فضلا عن الاتفاقية الإطار وملاحقها بين الجامعة والعصبة.
ففي القانون، لا يستمد الاختصاص من البلاغات ولا من الاعتبارات التدبيرية، وإنما من النصوص القانونية والتنظيمية.
وبعيدا عن النقاش العقيم بعنوانه الرئيس : هل المشكل في رضوان جيد أو من سبقه؟ يبقى السؤال الحقيقي الذي يستلزم جوابا مؤسساتيا واضحا: من عين المدير التقني الوطني للتحكيم، وبأي سند قانوني؟
حينها سيفهم الجميع من المسؤول الحقيقي عن التحكيم المغربي وتراجعه في السنين الأخيرة.