الحسين الدومي 
منتدى العمق

سجناء العادة

ليس من الضروري أن ينتظر الإنسان لحظة استثنائية حتى يتوقف ويتأمل حياته، بل ربما يحتاج إلى أن يفعل ذلك وسط أيامه العادية، حين تتشابه الصباحات، وتتكرر الأفعال، وتمضي الأيام وفق إيقاع يكاد يكون واحدا. عندها يصبح من الضروري أن يسأل نفسه: هل ما أفعله كل يوم يعبر فعلا عني، أم أنني أكرره لأنني اعتدت عليه؟ وهل ما زلت أختار طريقة عيشي، أم أنني أصبحت أسير روتين لم أعد أفكر في معناه؟

في حياتنا اليومية، مثلا قد يستيقظ الإنسان باكرا، ويغادر منزله نحو عمله، ويقضي ساعات طويلة في مواجهة مسؤولياته، ثم يعود مرهقا ليجد أمامه التزامات أخرى لا تقل أهمية. وبين متطلبات العمل وتكاليف المعيشة ومسؤوليات الأسرة، تمر الأيام متشابهة، حتى يصبح التفكير في معنى الحياة رفاهية مؤجلة إلى وقت لا يأتي. ومع مرور الوقت، قد ينسى الإنسان أنه كان يملك أحلاما أخرى، وأن الحياة التي يعيشها اليوم لم تكن بالضرورة الصورة التي تخيلها لنفسه.

لكن هل يمكن أن نلوم الإنسان على ذلك؟ في المجتمع المغربي، كما في مجتمعات كثيرة، يواجه الأفراد ضغوطًا يومية تجعل تأمين الحاجات الأساسية أولوية لا يمكن تجاهلها. فليس من السهل أن يختار الإنسان نمط الحياة الذي يريده حين يكون منشغلًا بتوفير لقمة العيش، أو الوفاء بالتزاماته الأسرية، أو القلق بشأن مستقبله. وقد لا يكون تكرار الأيام دليلًا على غياب الوعي، بقدر ما يكون نتيجة واقع يفرض على الإنسان أن يتأقلم حتى يستطيع الاستمرار.

غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التأقلم الضروري إلى استسلام دائم، وحين يتوقف الإنسان عن التمييز بين ما يفعله لأنه مضطر إليه وما يفعله لأنه لم يعد يتصور إمكان العيش بطريقة مختلفة. عندها تصبح العادة أكثر من مجرد وسيلة لتنظيم الحياة؛ إنها تتحول إلى إطار يحاصر التفكير، ويجعل المألوف يبدو وكأنه الخيار الوحيد الممكن.

ولعل ما يستحق التأمل هو أن الإنسان قد يعتاد ظروفه إلى درجة يخلط فيها بين ما يستطيع تغييره وما يعتقد أنه غير قابل للتغيير. فقد يستمر في نمط حياة يستنزفه، لا لأنه مقتنع به، بل لأنه لم يعد يجد الوقت أو الطاقة للتفكير في بدائل أخرى. وهكذا قد تمر سنوات دون أن يسأل نفسه إن كان يعيش وفق اختياراته، أم أنه اكتفى بالتكيف مع ما فرضته عليه الظروف.

ومع ذلك، ليس المطلوب أن يتمرد الإنسان على واقعه، أو أن يتخلى عن مسؤولياته بحثًا عن حياة مثالية قد لا تكون ممكنة. فالحياة لا تمنح الجميع الفرص نفسها، والحرية ليست دائمًا قرارًا بسيطًا يستطيع المرء اتخاذه متى شاء. لكن ربما يكون في مقدور الإنسان أن يستعيد شيئًا من وعيه وسط هذا كله، بأن يمنح نفسه لحظة للتأمل، وأن يعيد النظر في أولوياته، وأن يتذكر أن مسؤولياته، مهما كانت ثقيلة، لا ينبغي أن تمحو علاقته بذاته.

فالإنسان لا يفقد إنسانيته لأنه يكرر الأفعال نفسها، بل حين يتوقف عن التساؤل حول معناها، ويكف عن إدراك المسافة بين ما يعيشه وما يتمناه. وليس كل روتين سجنًا، كما أن التغيير ليس دائمًا طريقًا إلى الحرية؛ فقد يجد الإنسان معنى عميقًا في عمله ومسؤولياته اليومية، متى كان واعيًا بقيمتها وباختياراته، حتى في ظل الظروف الصعبة.

وفي خضمّ ذلك كله، ربما لا نستطيع اختيار كل الظروف التي نعيش فيها، لكننا نستطيع، ولو في حدود ضيقة، أن نعيد التفكير في علاقتنا بها. فالحياة ليست مجرد أيام تتكرر، ولا ينبغي أن تتحول مسؤولياتنا إلى سبب يجعلنا نغيب عن أنفسنا. ولعل السؤال الذي يجدر بنا أن نطرحه من حين إلى آخر ليس فقط: ماذا فعلت اليوم؟ بل أيضا: هل كنت حاضرا فعلا في ما فعلته، أم أن اليوم مضى كما مضت أيام كثيرة قبله، دون أن ألتفت إلى أنني أعيش حياتي؟