أعاد معتقلون سياسيون سابقون وعائلات ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان فتح ملفات سنوات الرصاص بالمغرب، مطالبين بالكشف الكامل عن الحقيقة وتحديد المسؤوليات وتسوية الملفات العالقة، ومعتبرين أن المصالحة لا يمكن أن تكتمل بالتعويضات والاعتراف الرمزي وحدهما، ما دامت أسئلة الاختفاء القسري والتعذيب ومصير الضحايا وضمانات عدم التكرار دون أجوبة نهائية.
جاء ذلك خلال مائدة مستديرة احتضنها مقر الحزب الاشتراكي الموحد بمدينة الدار البيضاء، الجمعة 30 أكتوبر 2026، تحت عنوان “الاعتقال السياسي في المغرب، سنوات الرصاص: هل طويت الصفحة أم دفنت الحقيقة؟”، بمشاركة فاعلين حقوقيين وناجين من الاعتقال السياسي وأبناء ضحايا الانتهاكات.
وشكلت التصريحات الأخيرة للمستشار البرلماني وعميد الشرطة السابق محمود عرشان إحدى أبرز خلفيات النقاش، بعدما أعادت إلى الواجهة الاتهامات التي يوجهها إليه معتقلون سياسيون سابقون بشأن ممارسات التعذيب خلال سنوات الرصاص، وهي اتهامات ينفيها عرشان.
واعتبر المشاركون أن الجدل الذي أثارته هذه التصريحات ينبغي ألا ينحصر في السجال الإعلامي، بل يتعين أن يشكل مناسبة لمساءلة حصيلة العدالة الانتقالية بالمغرب، وتقييم مدى تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، خصوصا المتعلقة بكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسساتي.
بجاجة: ملف الانتهاكات لم يغلق بعد
وفي مداخلته، اعتبر محمد بجاجة، الفاعل الحقوقي ونائب رئيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، أن الخروج الإعلامي الأخير لمحمود عرشان أعاد طرح ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، الذي لا يزال، بحسب تقديره، بعيدا عن التسوية النهائية.
وأوضح بجاجة أن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة شكلت محطة مهمة في معالجة ماضي الانتهاكات، غير أن ما تحقق لم يستجب لجميع انتظارات الضحايا وعائلاتهم، مشيرا إلى استمرار تعثر تنفيذ عدد من التوصيات المرتبطة بكشف الحقيقة والإنصاف وضمان عدم التكرار.
وشدد المتحدث على أن معالجة هذا الإرث لا ينبغي أن تقتصر على الاعتراف بالانتهاكات وتقديم التعويضات، بل يجب أن تمتد إلى تحديد المسؤوليات وإصلاح المؤسسات وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، مع تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة.
كما انتقد ما اعتبره تضييقا على بعض الأصوات الحقوقية المنتقدة وضعفا في الترافع الدولي بشأن قضايا حقوق الإنسان، مؤكدا أن الجمعيات الحقوقية ينبغي التعامل معها باعتبارها شريكا في رصد الاختلالات واقتراح الحلول، وليس باعتبارها خصما للمؤسسات.
وربط بجاجة استكمال المصالحة بمدى قدرة الدولة على تحويل التزامات العدالة الانتقالية إلى ممارسات مؤسساتية راسخة، تحول دون تكرار الانتهاكات وتضمن احترام الحقوق والحريات.
ناج من تازمامارت يثير ملف المقبرة السرية
من جانبه، أعاد عبد الله أعكاو، أحد الناجين من معتقل تازمامارت السري، استحضار المعاناة التي عاشها المعتقلون داخل هذا السجن، وما خلفته سنوات الاحتجاز من آثار صحية ونفسية واجتماعية لا تزال تلاحق الناجين وعائلات الضحايا.
وأكد أعكاو أن ملف تازمامارت لم يستكمل شروط الإنصاف، خاصة في ما يتعلق بالكشف عن مصير الضحايا الذين توفوا داخل المعتقل وتحديد أماكن رفاتهم، فضلا عن تسوية الوضعيات الإدارية والمالية للناجين.
وأثار في هذا السياق قضية المقبرة الموجودة داخل فضاء المعتقل السابق، وما تطرحه من أسئلة بشأن تحديد هويات المتوفين وظروف دفنهم، مؤكدا أهمية تمكين العائلات من معرفة الحقيقة بشأن مصير ذويها.
وتطرق النقاش أيضا إلى استمرار معاناة عدد من المعتقلين السابقين بسبب عدم تسوية حقوقهم المهنية والتقاعدية، رغم مرور عقود على الإفراج عنهم.
وفي هذا الإطار، استحضر المشاركون الإجراءات التي اتخذت خلال حكومة عبد الرحمن اليوسفي لتسوية أوضاع موظفين تعرضوا للطرد أو التوقيف بسبب الاعتقال السياسي، مطالبين بمعالجة الملفات التي لم تستفد من تسويات مماثلة.
واعتبر المتدخلون أن جبر الضرر لا يمكن حصره في التعويض المالي، بل ينبغي أن يشمل إعادة الاعتبار المهني والاجتماعي، وضمان حقوق التقاعد والرعاية الصحية، ومعالجة الآثار التي خلفتها سنوات الاعتقال على حياة الضحايا.
ابن أمين التهاني يستحضر مساره القضائي لكشف ملابسات وفاة والده
وحملت مداخلة أيمن التهاني، نجل المناضل اليساري أمين التهاني الذي توفي سنة 1985 عقب اعتقاله بمركز درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، بعدا إنسانيا وحقوقيا، من خلال استحضار معاناة عائلات الضحايا وانتقال آثار الانتهاكات إلى الأجيال اللاحقة.
واستعرض التهاني تجربته العائلية، مشيرا إلى أن والدته حرصت على تنشئته على قيم الحرية والاستقلالية الفكرية، دون فرض القناعات السياسية والإيديولوجية المرتبطة بالتجربة النضالية للأسرة عليه.
وأوضح أن استحضار هذه التجربة لا يعني تحويل الماضي إلى إرث سياسي مفروض على الأبناء، بل الاستفادة من دروسه في ترسيخ حرية التفكير والاختلاف والكرامة الإنسانية.
كما عاد إلى المسار القضائي الذي باشره سنة 2005، والذي امتد خلال سنة 2006، للمطالبة بفتح تحقيق في ظروف وفاة والده وترتيب المسؤوليات بشأن الانتهاكات التي تعرض لها.
واعتبر أن اللجوء إلى القضاء شكل تعبيرا عن التمسك بالحق في الحقيقة والإنصاف، وعدم القبول بتحويل مرور الزمن إلى مبرر لإغلاق الملفات التي لم تعرف تسوية قضائية وحقوقية مكتملة.
وشدد التهاني على أن آثار الاعتقال والتعذيب لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى أسرهم وأبنائهم، الذين يتحملون بدورهم تبعات نفسية واجتماعية وإنسانية قد تستمر لعقود.
وأكد أن المصالحة الحقيقية لا تقوم على نسيان الماضي أو التخلي عن المطالب الحقوقية، وإنما على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات ومعالجة آثار الانتهاكات، بما يعزز الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
مطالب باستكمال توصيات الإنصاف والمصالحة
وتقاطعت مداخلات المشاركين حول ضرورة استكمال تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والكشف عن مصير ضحايا الاختفاء القسري، وتسوية الملفات الاجتماعية والمهنية العالقة، إلى جانب تعزيز الضمانات القانونية والمؤسساتية لعدم تكرار الانتهاكات.
كما شدد المتدخلون على أهمية حفظ الذاكرة الجماعية ونقل شهادات الناجين وتجارب عائلات الضحايا إلى الأجيال الجديدة، باعتبارها جزءا من تاريخ المغرب الحديث، ووسيلة لتعزيز الوعي بأهمية حماية الحقوق والحريات.
وخلص النقاش إلى أن طي صفحة سنوات الرصاص لا ينبغي أن يعني إغلاق ملفاتها قبل استكمال الحقيقة والإنصاف، معتبرين أن نجاح المصالحة يقاس بمدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب الضحايا، وليس بمجرد مرور الزمن على وقوع الانتهاكات.