دافعت الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروع القرار الذي تقدمت به بشأن قضية الصحراء المغربية، معتبرة أن استمرار الوضع الراهن لم يعد مقبولاً، وأن المسار الأممي المرتبط بتنظيم استفتاء تقرير المصير لم يعد قابلاً للتنفيذ، وذلك عقب إسقاط المشروع باستخدام روسيا حق النقض (الفيتو)، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً من أعضاء مجلس الأمن الدولي.
وقال ممثل الولايات المتحدة، في كلمة ألقاها عقب التصويت بمجلس الأمن، إن النقاش حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء يقتضي استحضار المواقف التي عبرت عنها الأمم المتحدة نفسها على مدى ثلاثة عقود بشأن استحالة تنظيم الاستفتاء، مشيراً إلى أن عدداً من الأمناء العامين للأمم المتحدة ومبعوثيهم الشخصيين سبق أن أقروا بصعوبة تنفيذ هذا الخيار، بل وعدم إمكانية ضمان تطبيق نتائجه.
واستعرض الدبلوماسي الأمريكي محطات من مسار تسوية النزاع، مذكراً بأن الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي لم يكن يتوقع إمكانية تنظيم الاستفتاء منذ منتصف التسعينيات، وأن مجلس الأمن علق العملية سنة 1996 بسبب الخلاف حول تحديد الأشخاص المؤهلين للتصويت.
وأضاف أن الأمين العام الأسبق كوفي عنان حذر سنة 1997 من أن الاستفتاء لن يتحقق، قبل أن يؤكد سنة 1999 أن إمكانية تنظيمه أصبحت أكثر ابتعاداً، فيما خلص سنة 2002، بمعية مبعوثه الشخصي جيمس بيكر، إلى أن تنفيذ الخطة غير مرجح، وطرحا أمام مجلس الأمن خيار إنهاء مهمة بعثة المينورسو برمتها.
وتابع ممثل واشنطن أن عنان حذر سنة 2003 من أن مجلس الأمن قد لا يتمكن حتى من تنفيذ نتائج الاستفتاء في حال تنظيمه، كما نقل عن الرئيس السابق للمينورسو، الذي شغل هذا المنصب لمدة خمس سنوات، تأكيده سنة 2005 أن الخطة فشلت وأن الاستفتاء لن يتحقق.
وشدد المتحدث على أن هذه المواقف ليست استنتاجات أمريكية، وإنما وقائع سبق أن عبر عنها مسؤولون أمميون على امتداد ثلاثين عاماً، متسائلاً عن جدوى الإبقاء على مرجعية الاستفتاء في اسم بعثة أممية لم تتمكن المنظمة من التحضير لتنظيمه طوال عقود.
وفي هذا السياق، انتقد ممثل الولايات المتحدة استخدام أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حق النقض للإبقاء على كلمة الاستفتاء ضمن التسمية الرسمية للبعثة، معتبراً أن ذلك يكرس وضعاً لم يعد قابلاً للتطبيق، ومؤكداً في المقابل أن بلاده تدعم مبدأ تقرير المصير، الذي يمكن تحقيقه والتعبير عنه بطرق متعددة.
وبرر الدبلوماسي الأمريكي مشروع القرار الذي قدمته بلاده بحصوله على دعم 11 عضواً في المجلس، معتبراً أنه كان يشكل خطوة تاريخية نحو تحريك نزاع وصفه بالجامد منذ خمسين عاماً، ووضع حد لمعاناة إنسانية مستمرة، بدل الإبقاء على مسار لم يفض إلى نتائج ملموسة.
وأبرز في هذا الإطار التداعيات الإنسانية لاستمرار النزاع، مستحضراً تحذيرات أممية سابقة من أن إطالة أمد الجمود قد تحكم على جيل جديد من الصحراويين بالترعرع في مخيمات تندوف، قبل أن يضيف أن هذا الجيل كبر بالفعل، وأن المجتمع الدولي لا ينبغي أن يقبل باستمرار الوضع ذاته لعقود أخرى.
واستند ممثل واشنطن إلى معطيات قال إنها واردة في تقارير أممية حديثة بشأن الأوضاع داخل مخيمات تندوف، مشيراً إلى أن نحو ثلثي الأطفال دون سن الخامسة يعانون من فقر الدم، وأن ثلث الأطفال يعانون من توقف النمو، فيما لا يحصل سوى طفل واحد من أصل كل عشرة على الحد الأدنى من التغذية الصحية.
وتابع أن استمرار النزوح على مدى خمسين عاماً يعني أن أجيالاً كاملة ولدت وترعرعت في ظروف اللجوء، قبل أن تنشئ بدورها أبناءها في الظروف ذاتها، معتبراً أن الولايات المتحدة لا يمكنها دعم وضع راهن يكرس استمرار هذه المعاناة خلال العقود الخمسة المقبلة.
وفي معرض تبريره للتحولات التي اقترحتها واشنطن بشأن مستقبل البعثة الأممية، استحضر الدبلوماسي الأمريكي القرار رقم 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن خلال السنة الماضية، وقال إنه حدد المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره قاعدة للمفاوضات، كما دعا إلى إجراء مراجعة استراتيجية لولاية البعثة الأممية خلال المرحلة المقبلة.
وكشف ممثل الولايات المتحدة أن بلاده عقدت ثلاث جولات من المحادثات على أعلى المستويات مع الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع، إلى جانب طرفين بصفة مراقب، موضحاً أن المناقشات تناولت قضايا مرتبطة بضمانات الحكم الذاتي والتمثيل والتصفية الدائمة والأمن، فضلاً عن الانتقال وتقاسم الموارد والحماية الدستورية والضمانات الدولية والتسريح والانتقال.
واعتبر أن مشروع القرار الذي أسقطه الفيتو الروسي كان يرمي إلى اتخاذ خطوة جديدة على هذا المسار، بما يضمن التوصل إلى تسوية دائمة، مؤكداً أن الوضع القائم لم يعد مقبولاً، ومستحضراً في هذا الصدد وصف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين له بأنه وضع “غير مستدام” و”غير إنساني”.
وأعلن الدبلوماسي الأمريكي أن بلاده لن تدعم استمرار العمل بالآليات التقليدية في ظل هذه الظروف، كما لن تؤيد الإبقاء على تسمية للبعثة، حسب تعبيره، تكرس خياراً لم يعد بالإمكان تنفيذه، مشدداً على استعداد واشنطن للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تداعيات التصويت.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن عدم اعتماد مشروع القرار سيترتب عنه مسار مختلف في التعامل مع مستقبل البعثة، مؤكداً ضرورة أن يكون أي تقليص محتمل ومنظم ومستقراً، بما يضمن حماية موظفي الأمم المتحدة ومراعاة الاعتبارات الأمنية والإنسانية المشروعة.
وختم ممثل الولايات المتحدة بالتأكيد على أن بلاده ستواصل العمل مع الرئيس المشارك والمبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، ومع جميع الأطراف المعنية، من أجل التوصل إلى مسار تفاوضي يفضي إلى سلام دائم، رغم تعثر مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن.
جدير بالذكر أن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) في جلسة مجلس الأمن الدولي، مساء يومه الجمعة، لمنع تمرير مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة الأمريكية بشأن قضية الصحراء المغربية، رغم حصول مشروع القرار على تأييد 11 دولة من أعضاء المجلس الـ15، بينما امتنعت 3 دول عن التصويت، وصوتت روسيا ضده مستخدمة الفيتو.
وكان مشروع القرار المقترح يهدف إلى تمديد ولاية البعثة الأممية حتى 31 أكتوبر 2027 مع تغيير اسمها الرسمي من “مينورسو” إلى “مينوسو” (MINUSO)، ونصت المسودة على اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي كأساس وحيد للمفاوضات السياسية، إلى جانب خفض المكون العسكري للبعثة بنسبة 50%، وإلزام الوكالات الدولية بإجراء إحصاء لسكان مخيمات تندوف خلال ستة أشهر.