الدكتور عفوري يوسف
وجهة نظر

البرنامج الحكومي في المغرب: من شرعية الثقة إلى امتحان المساءلة

لا تكمن القيمة الحقيقية لأي برنامج حكومي في قدرته على صياغة الوعود أو ترتيب الأولويات فحسب، بل في مدى قابليته للتحول إلى التزامات واضحة، قابلة للتنفيذ والتتبع والتقييم. فبين لحظة تقديم البرنامج أمام البرلمان والحصول على ثقته، ولحظة قياس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين، تمتد مسافة لا يختزلها الخطاب السياسي، وإنما تحسمها آليات التخطيط والتمويل والشفافية والمساءلة. ومن هنا يبرز السؤال: هل يشكل البرنامج الحكومي في المغرب عقدا سياسيا قابلا للمساءلة، أم يظل إعلانا عاما للنوايا والاختيارات؟

اكتسب هذا السؤال راهنيته مع تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، ثم مصادقة مجلس النواب عليه يوم 22 أكتوبر، بأغلبية مطلقة بلغت 204 أصوات مقابل 127 صوتا معارضا. كما جاء عرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان يوم 23 أكتوبر ليضع الوعود الحكومية أمام أول اختبار عملي على مستوى البرمجة المالية وتحديد الأولويات. فبعد نيل الثقة، يبدأ الامتحان الأصعب: كيف تنتقل التعهدات من الوثيقة السياسية إلى قرارات عمومية ممولة، ثم إلى نتائج ملموسة يمكن للمواطنين وممثليهم مساءلة الحكومة بشأنها؟

أولا: البرنامج الحكومي في ميزان الدستور

يمنح دستور 2011 البرنامج الحكومي مكانة تتجاوز كونه وثيقة تواصلية أو إعلانا سياسيا عابرا. فالفصل 88 ينظم عرض البرنامج أمام مجلسي البرلمان ومناقشته، ثم التصويت عليه من طرف مجلس النواب، بما يجعل الثقة البرلمانية محطة دستورية أساسية في تنصيب الحكومة. أما الفصل 89، فينص على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي، إلى جانب تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.

وتكشف العلاقة بين الفصلين أن البرنامج ليس مجرد خطاب افتتاحي؛ إنه مرجع سياسي تتحدد في ضوئه أولويات العمل الحكومي. غير أن هذه المكانة لا تعني أن البرنامج يصبح عقدا قانونيا بالمعنى المدني أو الإداري، ولا أن كل تعهد وارد فيه ينشئ، بمجرد الإعلان عنه، حقا في التنفيذ القضائي أو جزاء قانونيا تلقائيا عند عدم تحققه. فالمساءلة التي يتيحها البرنامج هي، في المقام الأول، مساءلة سياسية ومؤسساتية، تتخذ أشكالا دستورية محددة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين المسؤولية القانونية التي تتطلب أساسا قانونيا وشروطا مستقلة.

ويعزز الفصل 70 هذا التوجه بإسناده إلى البرلمان مهمة مراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية، فيما ينظم الفصل 100 آليات الأسئلة الموجهة إلى الحكومة، ويتيح الفصل 101 عرض الحصيلة المرحلية ومناقشة السياسات العمومية وتقييمها. كما يحدد الفصل 103 إطارا دستوريا لطلب الثقة من مجلس النواب. وبذلك، لا تنحصر العلاقة بين الحكومة والبرلمان في التصويت الأول، بل تستمر عبر الرقابة والتقييم والنقاش السياسي.

لكن وجود هذه الآليات في النص الدستوري لا يكفي، في حد ذاته، لضمان مساءلة فعالة. ففاعليتها ترتبط بمدى انتظام استعمالها، وجودة المعلومات المقدمة للبرلمان، وقدرة النواب على مقارنة الالتزامات المعلنة بالنتائج المحققة، وبمدى استعداد الحكومة لتفسير التعثر وتعديل السياسات عند الضرورة.

ثانيا: حين يصف البرنامج نفسه بأنه تعاقد سياسي

يقدم البرنامج الحكومي نفسه في صفحته الأولى باعتباره «تعاقدا سياسيا واضحا»، ويؤكد التوجه نحو تعهدات قابلة للقياس وبرامج ممولة ومسؤوليات مؤسساتية. وتكمن أهمية هذا الاختيار في أنه يرفع سقف التوقعات: فالتعاقد السياسي، إذا أريد له أن يكون أكثر من استعارة بلاغية، يقتضي تحديد ما ستنجزه الحكومة، وكيف ستنجزه، وفي أي أجل، وبأي موارد، وتحت أي آليات للتتبع.

وتتضمن الوثيقة محاور متعددة، من بينها محاربة الفساد، وتوطيد دولة الحق والقانون، إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل، وتقوية الاقتصاد والسيادة الاستراتيجية. كما تطرح هدف إحداث مليون فرصة شغل، وهو هدف كمي يسمح، من حيث المبدأ، بإخضاع الحصيلة للفحص بدل الاكتفاء بتقييم الانطباعات العامة عن الأداء الحكومي.

ويظهر البعد نفسه في الالتزامات المرتبطة بمحاربة الفساد، حيث تتحدث الوثيقة عن مراجعة بعض المقتضيات القانونية، ونشر التصريحات بالمصالح والوضعيات المعالجة عبر منصة إلكترونية، وإدراج برامج لمكافحة الفساد في ميزانيات القطاعات الوزارية، وتحديد آجال التنفيذ والمسؤولين عن المشاريع. وهذه التعهدات، إذا انتقلت إلى التنفيذ، يمكن أن تساعد على بناء مساءلة أكثر تحديدا، لأنها تربط السياسات بإجراءات وآجال ومسؤوليات يمكن التحقق منها.

ثالثا: قانون المالية بوصفه اختبارا للمصداقية

إذا كان البرنامج الحكومي يحدد الاتجاه السياسي، فإن قانون المالية يكشف جانبا أساسيا من القدرة على تحويل هذا الاتجاه إلى أولويات عملية. فالتعهدات المتعلقة بالتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى موارد مالية وتوزيع واضح للاعتمادات وآليات للتنفيذ والتقييم.

وفي هذا السياق، يكتسي مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، باعتباره محطة مبكرة لمقارنة الأولويات المعلنة بالاختيارات الميزانياتية. وقد تضمن العرض الحكومي توقعات اقتصادية، من بينها نمو متوقع بنسبة 4.7% سنة 2026، إلى جانب تقدير العجز الميزانياتي بنحو 3% في مشروع ميزانية 2027. وتظل هذه الأرقام توقعات وبرمجة معلنة، لا نتائج نهائية محققة، ولذلك ينبغي تقييمها لاحقا على ضوء المعطيات الفعلية.

ولا تقتصر المسألة على حجم الإنفاق، بل تتعلق أيضا بوجهته وفعاليته. فارتفاع الاعتمادات المخصصة لقطاع معين لا يعني بالضرورة تحسن خدماته، كما أن إعلان هدف في التشغيل لا يكفي ما لم يحدد المؤشر المعتمد لاحتساب فرص الشغل، وطبيعتها واستدامتها وتوزيعها القطاعي والمجالي. إن السؤال الجوهري هو ما إذا كانت الموارد العمومية ستترجم إلى نتائج يمكن قياسها، لا ما إذا كانت الأرقام قد وردت في الوثائق الرسمية فحسب.

ولهذا، فإن الربط بين البرنامج الحكومي وقانون المالية يجب أن يكون منهجيا: لكل التزام رئيسي أهداف مرحلية، ولكل هدف مؤشر واضح، ولكل مؤشر معطيات منشورة، ولكل تأخر تفسير وإجراء تصحيحي. من دون ذلك، قد تصبح الميزانية وثيقة تقنية منفصلة عن الوعود السياسية، بدل أن تكون أداة لاختبار مدى الوفاء بها.

رابعا: المساءلة السياسية بين تعدد الفاعلين ووضوح المسؤولية

من أبرز الصعوبات التي قد تواجه مساءلة الحكومة تعدد المتدخلين في إنتاج السياسات العمومية. فتنفيذ الالتزامات لا يتم دائما بقرار مركزي منفرد، بل تتداخل فيه اختصاصات القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، إلى جانب أدوار البرلمان والهيئات الرقابية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. وقد يجعل هذا التداخل إسناد المسؤولية عن التعثر أمرا معقدا، خصوصا عندما لا تكون الاختصاصات والآجال ومؤشرات الأداء محددة بدقة.

غير أن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتبديد المسؤولية. فالحكومة، ما دامت ملتزمة بتنفيذ برنامجها وفق الفصل 89 من الدستور، مطالبة بتوضيح توزيع الأدوار، وبيان ما يدخل ضمن صلاحياتها المباشرة وما يتطلب تنسيقا مع مؤسسات أخرى. كما أن توزيع المسؤوليات لا يعني إعفاء كل طرف من المساءلة، بل يقتضي تحديد مسؤولية كل مؤسسة وفق اختصاصاتها القانونية.

ومن هنا، تبرز أهمية نشر تقارير دورية تتضمن مستوى تقدم الالتزامات، والاعتمادات المرصودة، ونسب الإنجاز، وأسباب التأخر، والإجراءات التصحيحية المعتمدة. وهو ما تتيحه الفقرة الأولى من الفصل 101 من الدستور، من خلال عرض رئيس الحكومة للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة أمام البرلمان. فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة ما تعتزم الحكومة فعله فقط، بل يحتاج أيضا إلى معلومات تمكنه من معرفة ما أنجز فعلا، وما لم ينجز، ولماذا.

وتكتسب هذه الشفافية قيمة إضافية عندما تتيح المقارنة بين الوعود والنتائج على المستوى الترابي. فقد يتحقق تحسن إجمالي في مؤشر وطني، بينما تستمر تفاوتات مجالية أو اجتماعية كبيرة. لذلك ينبغي ألا يقتصر تقييم البرنامج على المعدلات العامة، بل يجب أن يشمل توزيع النتائج بين الجهات والفئات الاجتماعية، ومدى انعكاس السياسات على جودة الخدمات والفرص المتاحة للمواطنين.

خامسا: من الثقة البرلمانية إلى ثقافة النتائج

إن الحصول على ثقة مجلس النواب يمنح الحكومة الشرعية الدستورية اللازمة لمباشرة مهامها، لكنه لا يشكل حكما مسبقا بنجاح برنامجها. فالتصويت على البرنامج يعبر عن موقف سياسي من اختيارات الحكومة، بينما يتطلب تقييم الأداء متابعة ممتدة تقيس مدى احترام الالتزامات ونجاعة الوسائل والنتائج المحققة.

ومن الضروري، في هذا الإطار، التمييز بين ثلاثة مستويات للمساءلة. أولها مساءلة الالتزام، أي التحقق من احترام الحكومة للأهداف والآجال التي أعلنتها. وثانيها مساءلة الأداء، التي تبحث في مدى كفاءة التدبير واستخدام الموارد العمومية. أما ثالثها فهي مساءلة الأثر، التي تتجاوز عدد البرامج والمشاريع المنجزة لتسأل عن التحسن الفعلي في حياة المواطنين.

ولا تستقيم هذه المستويات من دون مؤشرات محددة سلفا، وخط أساس يسمح بقياس التغير، وآجال زمنية معلومة، ومعطيات قابلة للتحقق. كما ينبغي أن تكون هناك إمكانية لمراجعة الأهداف أو الوسائل عندما تتغير الظروف الاقتصادية أو الدولية، شريطة أن يتم ذلك بتبرير واضح، لا عبر التخلي الضمني عن الالتزامات أو إعادة صياغتها بعد تعثرها.

وفي المقابل، لا تعني المساءلة تحميل الحكومة مسؤولية كل نتيجة سلبية بمعزل عن السياق. فالسياسات العمومية تتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية وخارجية قد لا تكون كلها تحت السيطرة الحكومية. لكن وجود عوامل خارجية لا يلغي واجب التفسير؛ بل يجعل تقييم جودة القرار والتوقع والاستجابة للأزمات أكثر أهمية. فالمطلوب ليس ضمان نجاح كل هدف مهما كانت الظروف، وإنما تقديم أسباب قابلة للفحص، وإظهار ما اتخذ من تدابير لتقليص الخسائر وتصحيح المسار.

خاتمة:

لا يمكن اعتبار البرنامج الحكومي عقدا قانونيا بالمعنى الضيق الذي يسمح بترتيب جزاء قضائي تلقائي على كل وعد لم يتحقق. لكنه، في المقابل، ليس مجرد خطاب ينتهي أثره بمجرد حصول الحكومة على الثقة. إنه مرجع سياسي ومؤسساتي تتيح أحكام الدستور وآليات الرقابة البرلمانية إخضاعه للتتبع والتقييم والمحاسبة.

وعليه، فإن وصف البرنامج بأنه «تعاقد سياسي» لا تثبت مصداقيته الصياغة وحدها، بل ما إذا كان سيترجم إلى أهداف قابلة للقياس، وتمويل واضح، ومسؤوليات محددة، وتقارير منتظمة، ونقاش برلماني يستند إلى معطيات موثوقة. ويظل قانون المالية لسنة 2027، من المحطات التي يمكن عبرها اختبار مدى الاتساق بين التعهدات المعلنة والقرارات المتخذة والنتائج المحققة.

إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في إطلاق وصف «التعاقد السياسي» على البرنامج الحكومي، وإنما في مدى قدرة المؤسسات الدستورية والممارسة السياسية على تحويل هذا الوصف إلى التزامات قابلة للتتبع والتقييم والمساءلة. فالعبرة ليست بما تتضمنه الوثيقة من وعود وتعهدات فحسب، بل بوجود آليات تتيح للبرلمان والمواطنين الوقوف على مدى تنفيذها، ومساءلة الحكومة عن نتائجها، ومطالبتها بتفسير أوجه التعثر والانحراف عن الأهداف المعلنة. ذلك أن البرنامج الحكومي لا يكتسب قوته التعاقدية من تسميته، بل من قدرته على تأسيس علاقة مستمرة بين الالتزام السياسي والمسؤولية عن التنفيذ، وبين الثقة البرلمانية والمحاسبة على الحصيلة.