الصحراء المغربية والدرس الديبلوماسي بمجلس الأمن
وجهة نظر

الصحراء المغربية والدرس الديبلوماسي بمجلس الأمن

هنيئا لنا بهذا التحول التاريخي وهذه المحطة المفصلية في مسار الطي النهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

درس اليوم بمجلس الأمن ليس بالصدفة، إنه انتصار ديبلوماسي هادئ وناعم بتكتيك يستحق أن يكون درسا في كبريات جامعات العلاقات الدولية.

ولفهم ما وقع، ينبغي علينا العودة إلى طبيعة التحول الذي عرفه ملف الصحراء المغربية خلال العشر سنوات الأخيرة. فالمغرب غير، بشكل جدري، طريقة تعاطيه مع هذا الملف، فلم يعد يكتفي بالدفاع عن مشروعية قضيته، بل إنتقل، تدريجيا، إلى المبادرة، مستفيدا من التطور الذي عرفته علاقاته الدولية. فمن الرد على مناورات الخصوم إنتقلنا إلى إقناع مجموعة من الدول، ومنها بعض القوى العظمى، بأن اسمرار النزاع لا يخدم الاستقرار الإقليمي، وبأن الحكم الذاتي هو حل سياسي يضمن حقوق جميع الأطراف.

هذا التحول لم يتحقق بين عشية وضحاها، بل جاء نتيجة تراكم دبلوماسي طويل، تخللته محطات حاسمة، من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، إلى تطور مواقف عدد من القوى الأوروبية والدولية، وصولا إلى القرار الأممي لسنة 2025 الذي منح مبادرة الحكم الذاتي مكانة متقدمة في مسار البحث عن تسوية سياسية. وبذلك أصبح النقاش الدولي يتحرك تدريجيا من سؤال الاستفتاء الذي ظل معلقا لعقود، إلى سؤال الحل السياسي الممكن والقابل للتنفيذ.

فخلال أيام تحركت ديبلوماسية الخصوم لعرقلة المشروع الأمريكي الرامي إلى تقليص مهام بعثة المينورسو، فجاءت نتيجة الجلسة لتضع حدا لمهمة البعثة برمتها. كيف ذلك؟!

لقد انقلب السحر على الساحر، فتصويت روسيا ضد مقترح أمريكا حاملة القلم، دفع هذه الأخيرة إلى التصويت بدورها ضد مشروع روسيا الرامي إلى تمديد مهمة المينورسو مع الإبقاء على الوضع كما هو عليه.

صراع أمريكي-روسي أخرج المغرب المنتصر الوحيد. وهنا تكمن الحنكة الديبلوماسية وعدم التسرع ولعب أوراق الدقيقة 90.

والمثير في هذه الواقعة أن كلا الطرفين الدوليين دخل جلسة مجلس الأمن وهو يدافع عن تصور مختلف لمستقبل البعثة الأممية، لكن النتيجة النهائية جاءت مغايرة لما كان مطروحا في المشروعين معا. فالمشروع الأمريكي كان يتجه نحو إعادة النظر في طبيعة المهمة الأممية، بينما سعى المشروع الروسي إلى المحافظة على صيغتها القائمة. وبين الموقفين، انتهت الجلسة دون اعتماد أي منهما، وهو ما جعل الوضع الذي ظل قائما منذ سنة 1991 يفقد سنده الدوري في مجلس الأمن.

وهنا نستخلص درسا ديبلوماسيا في غاية الأهمية. العبرة ليست بمحتوى المبادرة، بل إنها بالقدرة على قراءة التوازنات واستشراف النتائج.

وهنا تكمن ركائز القوة الناعمة والدبلوماسية الراقية والهادئة، خصوصا عندما ترتكز على أساس متين وموقف جاد ومشروع.

بعدها جاء بلاغ الديوان الملكي الذي كان بمثابة خلاصة لكل ما راج خلال جلسة 30 أكتوبر لمجلس الأمن. نعم، فالبلاغ دق آخر مسمار في نعش المينورسو بعدما أعلن بوضوح أن “صفحة دامت 35 سنة قد طويت”، وأن “استمرار وجود البعثة بالأقاليم الجنوبية لم يعد له ما يبرره”.

فأهمية البلاغ لا تكمن فقط في الإعلان عن انتهاء مرحلة، وإنما في وضوح القراءة السياسية التي قدمها المغرب لهذا التطور. فالحديث عن طي صفحة امتدت خمسة وثلاثين عاما يحمل دلالة تتجاوز مستقبل بعثة أممية، ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بجدوى استمرار تدبير نزاع إقليمي بالآليات نفسها، بعدما تغيرت معطياته السياسية

لقد أنفق خصوم المغرب (وهنا لا أتكلم عن الجارة الشرقية وحدها)، طيلة أزيد من ثلاث عقود، ملايير الدولارات في الدفاع عن وهم الاستفتاء، فما كان لهم إلا أن وحدو أنفسهم، اليوم، أمام واقع دولي جديد، عنوانه: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

فالواقع أن استمرار استمرار هذه المنورات من بعض دول الجوار، لم يكن دون كلفة على المنطقة برمتها. فقد ضاعت فرص عديدة للتعاون الاقتصادي والتكامل المغاربي، وظلت العلاقات بين دول المنطقة رهينة نزاع كان بالإمكان البحث عن تسوية سياسية له منذ سنوات.

إنها نتيجة عمل ديبلوماسي هادئ، بعدا عن المقالات الممنوحة بالمنابر الأجنبية، يقوم -هذا العمل- على وضوح الرؤية والنفس الطريل وعدم الاستسلام إلى آخر لحظة، ثم حسن تقدير وتدبير التوازنات الدولية وموازين القوى.

ومن الإنصاف هنا التأكيد على أن الدبلوماسية المغربية لم تبن نجاحاتها على العلاقات الرسمية وحدها، وإنما على تنويع الشراكات وربط قضية الوحدة الترابية بمصالح استراتيجية واقتصادية مشتركة. فحين تصبح العلاقات بين الدول قائمة على الاستثمار والتعاون الأمني والتبادل التجاري والمصالح المتبادلة، تتغير معها طبيعة المواقف السياسية. وهذا أحد الفوارق الجوهرية بين دبلوماسية تستثمر في بناء التحالفات على المدى الطويل، وأخرى تستهلك إمكاناتها في محاولة تعطيل ما يحققه الطرف المقابل.

كما أن المرحلة المقبلة تقتضي مواصلة هذا العمل بالقدر نفسه من الهدوء واليقظة.

هنيئا للمغرب بهذا الإنجاز العظيم والتاريخي، وهنيئا لنا بالرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة نصره الله.

درس اليوم عنوانه: الصحراء مغربية، والحكم الذاتي تحت سيادة المغربية هو الحل.